شريعة الإسلام.. وحماية المدنيين وقت الحرب

منذ حقب عديدة، تصدرت صور الدمار الشامل شاشات العالم، ومعظمها في بلادنا العربية والمسلمة، حيث المدن المهدمة، والمستشفيات المحطمة، وحيث أطفال يخرجون من تحت الركام، لكن خلف هذه الصور سؤال أخلاقي أكبر من الحرب نفسها: لماذا يصبح المدنيون دائما أول ضحايا الحروب والصراعات والنزاعات؟

 إن الحروب عبر التاريخ لم تتوقف عند كونها صراعا بين الجيوش يموت فيها من يحمل السلاح ويوجهه نحو صدر غيره، بل كثيرا ما تحولت إلى مآس إنسانية يدفع ثمنها الأبرياء، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن نسبة المدنيين من ضحايا الحروب كانت محدودة نسبيا في القرون الماضية حيث الحروب التقليدية والمواجهات المباشرة وبساطة الأسلحة المستخدمة، لكنها ارتفعت بشكل كبير في الحروب الحديثة حتى أصبحت الغالبية الساحقة من الضحايا بين غير المحاربين،

 وفي هذا السياق القاسي والمأساوي يبرز سؤال حضاري مهم: هل يمكن للحرب أن تبقى محكومة بالأخلاق؟ وهل استطاعت أي حضارة مهما ادعت الرقي والتقدم أن تضع قيودا على حجم العنف في زمن الصراع؟ إننا حين نعود إلى التراث الإسلامي نجد أن الشريعة وضعت منذ أربعة عشر قرنا من الزمان قواعد شديدة الصرامة لحماية غير المقاتلين، وهو ما يشكل أحد أهم الجوانب الإنسانية في فقه الحرب الإسلامي

الحروب الحديثة: حين يصبح المدنيون الضحية الأكبر

تشير تقارير المنظمة الدولية (الأمم المتحدة) إلى أن طبيعة الحروب تغيرت بشكل جذري خلال القرن العشرين والحادي والعشرين، وفي احد اجتماعات الأمم المتحدة قال خبراء من الميدان أمام الهيئة المكونة من 15 دولة: (في حين يشكل المدنيون ما يقرب من 90 في المائة من ضحايا الحرب، ويواجه العاملون في المجال الإنساني خطر الاعتقال لتقديمهم المساعدة "للعدو"، إنه يجب على مجلس الأمن ببساطة أن يبذل المزيد من الجهد لضمان حماية الأبرياء العالقين وسط الصراعات المستعرة في جميع أنحاء العالم، وذلك في الوقت الذي ندد فيه أكثر من 70 مندوباً بتقاعسه واستكشفوا سبل وقف المعاناة خلال المناقشة التي استمرت طوال اليوم)[1]، وفي نفس التقرير قال (راميش راجاسينغهام) مدير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية: (إن تقرير الأمين العام (الوثيقة يُبين الواقع المرير المتمثل في تحمل المدنيين وطأة المعاناة في النزاعات المسلحة، وقد استمر النزاع في التسبب في سقوط ضحايا مدنيين على نطاق واسع العام الماضي، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث شكل المدنيون 90% من الضحايا عند استخدام الأسلحة المتفجرة، مقارنة بـ 10% في المناطق الأخرى)[2]،

وبحسب دراسات تاريخ الحروب: ففي الحروب قبل القرن العشرين كان نحو 10:15% فقط من الضحايا مدنيين، أما في الحروب الحديثة فقد ارتفعت النسبة إلة أكثر من 80:90% من الضحايا، ويكفي في هذا المضمار أن نذكر أن ضحايا الحرب العالمية الثانية كان الضحايا من المدنيين فقط ما يتخطى خمسة واربعون مليون مدني، علاوة على أن أكثر من خمسين بالمائة منهم من النساء والأطفال،

هذه التقارير تكشف أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت كارثة إنسانية واسعة النطاق، يشهد عليها ما يحدث اليوم من مواجهات على الساحة الخليجية، حيث قصف المدنيين الأبرياء دون جريرة، في حين أنه كان من الممكن كسب تعاطف كافة المسلمين في كافة الأنحاء، إذا توقف ردا الاعتداء على قصف مواطن العدو في ساحة القتال دون التعرض لمدنيين هم اخوان الدين والمصير

القاعدة القرآنية الأخلاقية للحرب

وسط هذه الصورة القاتمة، يبرز التشريع الإسلامي بوصفه أحد أقدم النظم التي وضعت ضوابط أخلاقية للحرب، يقول تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة 190)، تؤسس هذه الآية لمبدأين مهمين: القتال موجه إلى المقاتلين فقط، واي تجاوز لذلك يعد اعتداءا محرما، ومدبأ حرمة النفس الإنسانية الذي شرعه الله عز وجل في كتابه فقال سبحانه: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة 32)، يقول الدكتور (عصام البشير)[3]: (هذه الآيات, تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله, وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة, لما قوي المسلمون للقتال, أمرهم الله به, بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حث على الإخلاص, ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) أي: الذين هم مستعدون لقتالكم, وهم المكلفون الرجال, غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء, يشمل أنواع الاعتداء كلها, من قتل من لا يقاتل, من النساء, والمجانين والأطفال, والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى, وقتل الحيوانات, وقطع الأشجار [ونحوها], لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء, مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها, فإن ذلك لا يجوز)[4]

السنة النبوية: حماية صريحة للمدنيين

مثلت السنة النبوية المطهرة التطبيق العملي للقواعد القرآنية الأخلاقية في إدارة الحروب، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه بامرأة مقتولة، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل)(رواه البخاري ومسلم) ، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الجيوش والسرايا قائلا: (لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة) (رواه أبو داود)، وفي رواية أخرى: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع) (رواه أحمد)، وتلك النصوص تدل على أن الإسلام لم يكتف بحماية النساء والأطفال، بل شمل أيضا المدنيين المنقطعين عن القتال مثل الرهبان، فإذا كان هذا الحال مع غير المسلمين، فكيف به مع المسلمين بعضهم البعض؟

الفقه الإسلامي يرسخ القواعد الأخلاقية

اتفق الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي كله على تحريم قتل غير المقاتلين حتى لو حدث العكس، فالكافر يقاتل بأخلاقه، والمسلم يقاتل بأخلاق دينه ليعلم الخصم كيف هو الإسلام، فنحن لا نقاتل للانتصار للنفس، وإنما نقاتل لتبليغ دين الله وتعريف الناس به، فقال الإمام النووي: (اتفق العلماء على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) شرح صحيح مسلم، ومن الجدير أن نذكر أن تلك الأحكام وتلك الأخلاق خاصة بالتعامل مع المدنيين غير المسلمين، وذلك إذا كانوا غير محاربين أو معنيين بالحرب ومسالمين مع المسلمين، أما عن حرمة الدم المسلم على المسلم فهي لا تحتاج إلى بيان أو تفصيل أو تحريم، ويكفي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما) (ِشرح صحيح مسلم)

وختاما، فقد وضعت الإنسانية بعد قرون طويلة من الصراعات قوانين لحماية المدنيين كان اهمها اتفاقية جنيف 1949 والتي لم تستطيع إلى اليوم أن تحمي أحدا من هؤلاء غير المعنيين بالحروب من الأساس، لكن المدهش أن معظم هذه القوانين والأكثر منها استطاعت الحضارة الإسلامية أن تطبقه بأخلاقيات سوف تظل علامة بيضاء في جبين الإنسانية، وأن البشرية اليوم في أمس الحاجة لعودة تلك التعاليم مرة أخرى لاستعادة القيم الأخلاقية التي تضبط استخدام القوة

لقد أدرك الإسلام مبكرا أن الحرب مهما كانت مبرراتها، لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام أعمى، ولذلك كان وضع القيود عليها حاجة ملحة لاستمرار البشرية ولحماية الإنسان حتى في أكثر الأوقات قسوة، ورغم كل شيء تبقى الحقيقة الجلية في تاريخ الحضارات: القوة قد تصنع الانتصار، لكن الأخلاق وحدها تصنع الشرعية الإنسانية




[1] من تغطية أحد اجتماعات الأمم المتحدة بتاريخ 25 مايو 2022

[2] المصدر السابق

[3] نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[4] للدكتور عصام البشير تحت عنوان في بناء الوعي والسعي بتاريخ 17 أكتوبر 2025

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة