«أبو الروبوتات» الحقيقي!
قصة العالِم المسلم الذي ألهم التكنولوجيا الحديثة قبل 8 قرون
كاتب
المدونة: شريف محمد
هل تعلم أن علم
الروبوتات الحديث، والمحركات التي تدير السيارات اليوم، ومضخات المياه المعقدة،
كلها مدينة لعالم مسلم عاش في القرن الثاني عشر الميلادي؟
عندما نتحدث عن
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار غالباً إلى «وادي السيليكون» أو
اليابان، لكن التاريخ المنصف يعود بنا 800 عام إلى الوراء، وتحديداً إلى «ديار بكر»
(جنوب تركيا حالياً)، حيث عاش العبقري الفذ بديع الزمان الجَزَري.
في هذه
التدوينة، نغوص في رحلة عبر الزمن لنتعرف على الرجل الذي سبق ليوناردو دافنشي
بقرون، ووضع الأسس الميكانيكية لعصرنا الحديث.
من هو بديع الزمان الجَزَري؟
هو أبو العز بن
إسماعيل بن الرزاز الجزري، الملقب بـ«بديع الزمان»، ولد عام 1136م (530هـ) في
منطقة «جزيرة ابن عمر» الواقعة في أقاليم الجزيرة الفراتية (ومن هنا جاء لقبه «الجزري»).
لم يكن الجزري
مجرد منظر، بل كان كبير مهندسي الدولة الأرتقية في ديار بكر، حيث خدم ملوكها لمدة
25 عاماً، تميز الجزري عن غيره من علماء عصره بأنه جمع بين العلم والعمل، فكان لا
يعترف بأي نظرية هندسية ما لم يطبقها ويحولها إلى آلة ملموسة تعمل بدقة.
كتابه الخالد.. دستور الهندسة الميكانيكية
توج الجزري
مسيرته بتأليف كتابه الموسوعي الشهير «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة
الحيل»، هذا الكتاب ليس مجرد مخطوطة، بل هو وثيقة هندسية مذهلة تحتوي على رسومات
توضيحية ملونة وشروحات دقيقة لخمسين جهازاً ميكانيكياً، بما في ذلك الساعات
المائية، وآلات رفع المياه، والروبوتات الذاتية الحركة.
اختراعات سبقت العصر الحديث
لقد قدم الجزري
ابتكارات اعتبرها المؤرخون الغربيون سحرية في وقتها، وأساسية في وقتنا، ومن
أبرزها:
1-
الروبوتات البشرية (Automata):
قبل أن يعرف
العالم كلمة «روبوت»، صمم الجزري آلات ذاتية الحركة على هيئة بشر:
- النادل الآلي:
صمم «جملة» ميكانيكية لصب الشراب، وآلة أخرى لصب الماء للوضوء، حيث تقدم الآلة
الماء وتناوله المنشفة وتعود لمكانها.
- الفرقة
الموسيقية: صمم قارباً يحمل 4 دمى موسيقية تعزف أنغاماً لتسلية الضيوف في الحفلات
الملكية، وتعتبر هذه أول آلة قابلة للبرمجة في التاريخ؛ (حيث يمكن تعديل الأوتاد
لتغيير الإيقاع).
2-
عمود الكرنك (Crankshaft):
هذا هو الاختراع
الذي غيّر وجه الصناعة، الجزري هو أول من وصف واستخدم «عمود المرفق» الذي يحول
الحركة الدورانية إلى حركية ترددية مستقيمة، لماذا هذا مهم؟ لأنه ببساطة الأساس
الذي تعمل عليه محركات السيارات اليوم، والقطارات البخارية، والمضخات الحديثة.
3- مضخات رفع المياه:
ابتكر الجزري
مضخات مياه تعمل بنظام الصمامات والمكابس (Pistons) التي تدور
بقوة المياه، وهي التقنية التي مهدت الطريق لاختراع المحرك البخاري في أوروبا
لاحقاً.
4-
ساعة الفيل الأسطورية (The Elephant Clock):
ليست مجرد ساعة،
بل رسالة حضارية، صمم الجزري ساعة مائية ضخمة على شكل فيل، دمج فيها رموزاً من
حضارات مختلفة (الفيل من الهند، التنين من الصين، الطائر من فارس، السجاد من
الجزيرة العربية)، ليعبر عن عالمية العلم وتكامله.
شهادات الغرب في حقه
لم ينكر مؤرخو
التكنولوجيا في الغرب فضل الجزري، بل وصفوه بأنه:
قال عنه المهندس
والمؤرخ الإنجليزي دونالد هيل (الذي ترجم كتابه): من المستحيل تجاهل أهمية عمل
الجزري في تاريخ الهندسة، لقد وفر تعليمات دقيقة لتصميم وتصنيع الآلات.
يقول المؤرخ لين
وايت جونيور: الجزري اخترع عمود الكرنك، وهو أهم قطعة ميكانيكية بعد العجلة.
بديع الزمان
الجزري لم يكن مجرد مخترع، بل كان فناناً ومهندساً سابقاً لزمانه، إن الإقرار
بفضله ليس مجرد فخر بالماضي، بل هو تذكير بأن جذور التكنولوجيا الحديثة تمتد
عميقاً في حضارتنا الإسلامية، وأن العقل العربي قادر على الإبداع والابتكار إذا
توفرت له البيئة والهمة.
اقرأ أيضاً:
_______________
1- كتاب «الجامع
بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل»، بديع الزمان الجزري (تحقيق أحمد يوسف
الحسن).
2- دونالد هيل (Donald R. Hill)، Islamic
Science and Engineering.
3- مؤسسة «ألف
اختراع واختراع» (1001 Inventions)، البروفيسور سليم الحسني.
4- متحف العلوم
في لندن (Science Museum,
London)، قسم
التراث الإسلامي.
5- موسوعة
بريتانيكا (Encyclopedia
Britannica)، مادة: Ismail al-Jazari.