كيف تحول الشذوذ الجنسي إلى حق طبيعي عند الغرب؟!
في مهرجان اللعب
الذي عقد في قطر قبل سنوات، أظهر الغربيون شجاعة مشهودة في المطالبة بحقوق من شذ
واعتمد المثلية الجنسية، وطالبوا بإظهار شارتهم على رؤوس الأشهاد، واجتهدوا في تلك
المطالبة، والقطريون يُحمد لهم الإباء الذي كان لمطلب الغربيين.
جماهير المسلمين
وأهل الشرق ثارت ثائرتهم استنكاراً منهم وتشنيعاً بهذا المطلب، بل دهش بعضهم منه
واشمأزت نفسه، وجعل يقلب كفيه متعجباً، ونحن معهم متعجبون، لكن لو التفتنا إلى
الوراء الغربي قليلاً لزال منا العجب، ولعلمنا أن الغرب قد بلغ الحضيض المحتوم أن
يبلغه، وليس ينتظر أن يؤول حاله إلى غير ذلك المآل.
إبان النهضة
الغربية ثارت الشعوب هناك ثورات عارمة، تباينت أماكنها وتوحدت مطالبها، وكان تنحية
الدين عن الحياة رأس تلك المطالب، وهو ما تم لهم؛ فنحي الدين واعتقل رهين جدران
دور العبادة، لا يبرحها، وقد خلف وراءه فراغاً في الحياة على كل صعيد، وفي القلب
منها الأخلاق، التي بقيت بغير مرجعية ثابتة يركن إليها في تأطيرها وتحديدها.
وهنا انبرى
العقل الغربي لينهض بالمهمة، فشرع الفلاسفة والمفكرون من كل المشارب في تناول
الأخلاق تشريحاً وتحليلاً وتحديداً لبواعثها، وقد ذهبوا في ذلك مذاهب شتى؛ فأعزاها
بعضهم إلى المجتمع وما يتوافق عليه في تحديد الحسن والقبيح من السلوك، كما هو مقرر
عند إميل دوركايم وتلامذته.
وذهب هيجل إلى
أن الأخلاق لا قانون لها، إنما هي تتغير وتتبدل حسبما تقتضي الحقبة الزمنية،
والواقع هو الذي يقرر صوابها من خطئها.
وذهب بنتام إلى
أن ما يحقق اللذة يعد خلقاً حسناً، والسيئ ما يكون منه الألم.
وقرر ماركس أن
الأخلاق إنما هي من وضع الأقوياء ليستعبدوا بها الضعفاء، ووافقه نيتشه في مذهبه،
وقال: إن الأخلاق المقررة في المسيحية إنما هي من فعال الضعفاء، ولا تليق بكل ذي
قوة.
وهكذا تعددت
النظريات الغربية واختلفت في تحليلها للأخلاق وتأطير قانونها، بيد أن قاسماً
مشتركاً يجمع بين تلك النظريات، وهو نفي المعيار الثابت الذي إليه يرجع في تحديد
الصواب من الخطأ، وحتى من أقر منهم بمعيارية الأخلاق، مثل كانط، لم يجعل للدين تلك
المعيارية، وإنما جعلها للمبادئ الإنسانية، التي هي بدورها في حالة تبدل وتغير عبر
الأزمنة والأمكنة.
وهذا ما أفضى
إلى زوال القداسة لدى الغربيين عن القانون الأخلاقي، فهان عليهم مخالفته وتنحيته
كضابط لسلوكهم، تزامن ذلك مع تقرير الليبرالية للحرية الفردية والمغالاة فيها، مما
أزال القيود المجتمعية عن الأفراد، وتوفر لهم بذلك مطلق الحرية أن يفعلوا ما يحلو
لهم، إلا أن يكون منه الضرر للآخرين.
والخطر الداهم
هنا يتمثل في طبيعة النفس الإنسانية، وما جبلت عليه من الانقياد للشهوات والذهاب
معها إلى أقصى المدى، وهو ما يقضي بحتمية السفول إلى غاية الحضيض، وقد كان، ورأيناه
في الغربيين من الذهاب بعيداً في قضاء الأوطار، حتى تجاوزوا الأنعام في قضائها،
فكان ما كان من شذوذهم ومثليتهم، ومع تقادم الزمن صار الشذوذ، والإقرار به، والرضا
عنه، هو الأصل والمعتاد عندهم والحق الطبيعي الذي لا ينكره إلا رجعي متحجر، أو عدو
للإنسان وحقوقه، وهو ما يفسر حالة الاستنكار منهم للموقف القطري والجماهير
الشرقية.
وهكذا لم يكن
الشذوذ في الغرب وليد طفرة في ليل بهيم، بل كان ثمرة مسار طويل بدت ويلاته يوم أُقصي
الدين عن ميدان الحياة، فصار رهين جدران لا يتجاوزها، ثم رفع العقل البشري إلى
مقام المعبود، يحتكم إليه في كل شأن ويستفتى في كل مسألة، ثم جاء الفراغ الأخلاقي
حين غاب المعيار الثابت الذي توزن به الأفعال، وبعده انكسرت القيود التي كانت تكبل
الشهوة، واستحدثت حرية لا حدود لها، فانزاحت القيود المجتمعية وتهاوت الأسوار التي
تضبط السلوك، فلما وجد الغربي نفسه ماثلاً أمام هذا الانفلات، مالت نفسه إلى
اللذة، وجرته شهوته إلى أبعد مدى، فكان ما نراه اليوم من شذوذ صار عندهم «حقاً
طبيعياً»، لا ينكر إلا عند من بقيت في قلبه بقية عقل أو جذوة إيمان.
الرابط المختصر :