من أحبط محاولة الانقلاب في بنين؟ ولماذا؟

جمال خطاب

14 ديسمبر 2025

386

شكلت محاولة الانقلاب في بنين، في ديسمبر 2025م، تحدياً مباشراً للنفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا التي تعتبرها فرنسا -التي ما زالت استعمارية- مزرعتها الخاصة، فبينما ثارت دول مجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي ضحية عبر انقلابات عسكرية هي في الواقع انقلابات على النفوذ الفرنسي في السنوات الأخيرة، تمكنت القوى المسيطرة على بنين -بدعم من حلفائها الإقليميين- من إحباط الانقلاب الذي كان، لا شك سيقلص النفوذ والاستغلال الفرنسي البشع للشعوب وللموارد الأفريقية وحرمان أهلها منها.

فمن هو الذي يحكم بنين اليوم؟ وما ولاءاتهم؟ وما علاقة البلاد بفرنسا؟ وماذا لو نجح الانقلاب؟ وأيضاً ما هويات وانتماءات قادة الانقلاب الفاشل؟ ولماذا تدخلت نيجيريا؟ بإيعاز ودعم من؟

نمو لا يعود أكثره على المواطنين

يبلغ عدد سكان البلاد نحو 15 مليون نسمة، وهم من الشباب، بمتوسط ​​عمر 18 عامًا ومعدلات خصوبة مرتفعة، وتتميز بنين بتنوعها العرقي، فهي موطن لمجتمعات الفون، والأدجا، واليوروبا، والباربا، والفولاني والفودو، ويوفر هذا التركيب الديموغرافي فرصًا لقوى عاملة ديناميكية، ولكنه يفرض أيضًا تحديات في مجالات التعليم والتوسع الحضري والتماسك الاجتماعي.

وقد شهد اقتصاد بنين نموًا سريعًا في السنوات الأخيرة، بمتوسط ​​يزيد على 7% سنويًا، مدفوعًا بالزراعة والخدمات والتوسع الصناعي من خلال منطقة جلو-دجيجبي الصناعية، ولكن هذا النمو لا يصب، إلى حد كبير، في صالح المواطن البينيني، بل يصب في خزينة فرنسا وبعض الشركات الهندية والصينية التي تحتكر وتستفيد من الأنشطة الاقتصادية في البلاد.

فما زالت فرنسا تتحكم وتسيطر على الاقتصاد البينيني كما تسيطر على معظم اقتصادات دول غرب ووسط أفريقيا، فالفرنك الأفريقي (CFA) العملة المشتركة لتلك الدول، تتم طباعته في فرنسا، والخزانة الفرنسية هي التي تضمن ربطه باليورو بنسبة ثابتة، وفرنسا تُلزم الدول الأعضاء بإيداع جزء من احتياطياتها لدى فرنسا، وبذلك، يظل الفرنك الأفريقي رمزًا لاستمرار التحكم والسيطرة والنفوذ الفرنسي في أفريقيا، التي ليس لها استقلال نقدي على عملتها.

وتشمل الموارد الطبيعية في بنين خام الحديد والحجر الجيري والرخام والذهب واحتياطيات النفط البحرية، على الرغم من أن قطاع التعدين لا يزال متخلفاً، يهيمن القطاع الزراعي على الاقتصاد، حيث يعمل فيه 70% من المواطنين، وينتج القطن والكاجو والمواد الغذائية الأساسية، كما تُعيل مصائد الأسماك آلاف السكان، موفرة فرص عمل ومصدراً حيوياً للبروتين، إلا أن الصيد الجائر يُهدد استدامتها.

الحكم الحالي في بنين

يحكم بنين الرئيس باتريس تالون، الذي يتولى منصبه منذ عام 2016م، وأُعيد انتخابه في عام 2021م، وتتميز إدارة تالون بمركزية السلطة، وتُكنّ بنين ولاءً أساسيًا لأطر الاقتصاد الإقليمي مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، ولفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة لبنين، التي لا تزال هي المتحكم الرئيس في التجارة والأمن والدبلوماسية.

وخلال محاولة الانقلاب، أصدرت السفارة الفرنسية في كوتونو تحذيرات لمواطنيها وأعربت عن دعمها لحكومة الرئيس الحالي تالون، فالانقلاب لو نجح كان من الممكن أن يُعرّض النفوذ الفرنسي فيما تبقى من غرب أفريقيا للخطر، لا سيما بعد تراجع نفوذ فرنسا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث نأت المجالس العسكرية بنفسها عن باريس.

لماذا الانقلاب؟

قاد الانقلاب المقدم باسكال تيجري، إلى جانب ضباط مثل عثمان ساماري، وسامبيني كاسترو، وقد أعلن هؤلاء الضباط على «التلفزيون الرسمي» حل الحكومة وتعليق عمل المؤسسات.

وبرر قادة الانقلاب في بنين محاولتهم بالقول: إن الحكومة فشلت في مواجهة تصاعد الهجمات الجهادية في شمال البلاد، وإن الجنود الذين قتلوا في المعارك تُركت أسرهم بلا دعم، إضافة إلى شكاوى من الترقيات العسكرية غير العادلة، وتراجع الحريات العامة، معتبرين أن النظام فقد شرعيته ولم يعد يلبي تطلعات المواطنين.

تدخل فرنسا من خلال نيجيريا

بالتنسيق مع فرنسا، تدخلت نيجيريا لإحباط الانقلاب في بنين، حيث وفرت باريس دعماً استخبارياً ولوجستياً، فيما تولت أبوجا التدخل العسكري المباشر عبر إرسال طائرات وقوات خاصة، وجاء هذا التنسيق ليؤكد حرص فرنسا على منع المزيد من الانقلابات التي تتحدى نفوذها الاستغلالي والتسلطي على غرب ووسط أفريقيا بعد خسارة نفوذها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

احتمالات انقلاب آخر

يبقى سؤال: هل يُمكن أن يُحاول الجيش البنيني الانقلاب مرة أخرى؟ والإجابة نعم، لا يُمكن استبعاد هذا الاحتمال، وهناك عوامل كثيرة تعضد هذا الاحتمال تتمثل في:

1- استمرار النهب الاستعماري الفرنسي لمقدرات شعوب وسط وغرب أفريقيا، ومن ثم استمرار الفقر والتخلف والجهل لدى تلك الشعوب.

2- العدوى الإقليمية للتخلص من الهيمنة الفرنسية: فقد شكّلت الانقلابات في النيجر وبوركينا فاسو ومالي وغينيا بيساو سابقة في هذا الشأن.

3- المظالم السياسية: تتهم جماعات المعارضة تالون بالنزعات الاستبدادية، وهو ما قد يستغله الضباط الساخطون.

4- ستظل دول غرب ووسط أفريقيا تعاني كل أشكال الفقر والتخلف والجهل طالما استمر النهب الاستعماري الفرنسي لمواردها، إضافة إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تعيق الازدهار والحرية، وسيظل عدم الاستقرار المهيمن حتى تتخلص أفريقيا من ذلك الإرث الاستعماري البغيض.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة