من بدائع «الإطناب» في آيات الذكر الحكيم
كما يحلو
الإيجاز في موضعه، يحلو الإطناب في موضعه، فثمة مواضع لا يليق بها إلا الإيجاز ولو
أطنب الكاتب فيها أو الخطيب أو المحاضر لأساء، وثمة مواضع لا يليق بها إلا
الإطناب، ولو أوجز الكاتب فيها أو الخطيب أو المحاضر لأساء، فلكلٍّ موضعه، ولكلٍّ
مقامه.
وحديثي اليوم عن
الإطناب وأنواعه وأمثلته في القرآن والشعر.
مفهوم الإطناب وأنواعه
الإطناب هو
التطويل والتكثير والإسهاب.
وهو في الاصطلاح
البلاغي: تأدية المعنى بعبارة زائدة عنه مع الفائدة، على النقيض تمامًا من الإيجاز
الذي هو تأدية المعنى بعبارة ناقصة عنه، ويشترط فيه أن يكون مع الفائدة، لا
اعتباطًا، فكل إطناب بليغ، لا بدَّ أن يكون قد أتي به لغرض.
وقبل أن أبدأ
بالأمثلة لا بد لنا أن نفرق بين نوعين من نوعي الإطناب، إطناب بالبسط، وإطناب
بالزيادة.
أما الإطناب
بالبسط فهو لا يقتضي زيادة كلمة معينة، وإنما هو بسطٌ للكلام، أي توسُّعٌ في
الكلام في موضعٍ يحتاج فيه الكلام إلى هذا التوسع وهذا البسط.
وأما الإطناب
بالزيادة ففيه زيادةٌ لكلامٍ: إما بالتكرير، أو بالاعتراض، أو بالترديد، وسآتي على
هذا بعد أن أبسط الكلام على أمثلة الإطناب بالبسط.
الإطناب بالبسط
من أمثلة
الإطناب بالبسط:
المثال الأول:
قوله تعالى: (إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ
الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164).
يقرأ القارئ
فيجد أنها تستغرق ثلث الصفحة، وأساسها جملة اسمية واحدة أُكِّدَت بدخول إن عليها.
و(إن) عند
النحاة حرف مشبهٌ بالفعل، يدخل على الجملة الاسمية؛ فينصب الأول أي المبتدأ
ويسمَّى اسمها، ويرفع الثاني أي الخبر ويسمَّى خبرَها، كما يقول المعربون، لكن
الاسم هنا تأخر كثيرًا، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ... لَآيَاتٍ..)
انظر أين جاء
الاسم؟ بعد خمسة أسطر من بداية الجملة.
ماذا في الجملة؟
في الجملة في الواقع تفصيلٌ لآيات الله -جل وعلا- في الكون، هذا التفصيل شمل سبع
آياتٍ كونيات: خلق السماوات والأرض، اختلاف الليل والنهار، الفلك التي تجري في
البحر بما ينفع الناس، ما أنزل الله من السماء من ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها،
وبث فيها من كل دابة، إذًا هذه الخيرات التي ينزلها ربنا، وهذا الغيث الذي يحيي به
الأرض بعد موتها، وينبت الزرع، ويسقي الشجر، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين
السماء والأرض، سبع آيات كونية ذكرت بتفصيلٍ كاملٍ، فاحتاج الأمر إلى تطويل
وإطناب، فالمقام مقام إسهابٍ وبسطٍ، ولذلك كان الكلام بإطناب.
والمثال الثاني:
قوله تعالى: (مَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ
يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) (البقرة:261)، هنا مثل يضربه الله جل وعلا للذين
ينفقون أموالهم في سبيل الله، إذ يبين لهم ما أعدَّ لهم من أجر عظيم ينتظرهم، بتفصيل وإسهاب، ترغيبًا لهم
للمبادرة إلى الإنفاق، وقد مثَّل الأجر المنتظر في صورة مثالٍ يَشْهَدون نظائره في
حياتهم، إذ شبهه بحبة القمح، التي تنبت سبع سنابل، وفي كل سنبلة مئة حبة، فكم
ضعفًا بلغ الأجر؟! والله يضاعف لمن يشاء، فالمقام إذن يحتاج إلى إطناب، وهو إطناب
بالبسط.
والمثال الثالث:
قوله تعالى في سورة فصلت: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ {6} الَّذِينَ
لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (فصلت).
فعبارة (لا
يؤتون الزكاة) في الواقع فيها شيء من الإطناب، لأن من نافلة القول ألا يؤتي المشرك
الزكاة، فالمشرك كافر، وليس عليه تكليف أصلًا، وهو لا يصلي، ولا يزكي، ولا يقيم
شعيرة من شعائر الله، فلِمَ كان هذا الإطناب؟
قال علماء
البلاغة: هنا إطناب غرضه تذكير المؤمنين بعظمة الزكاة، وبواجب الزكاة، وبفرض
الزكاة، هو تذكير لك -أيها المؤمن- أن الزكاة فرض عليك، إياك أن تتوانى عنها، أو
أن تنساها، أو أن تقصر فيها، فالمشرك لا يزكي أصلا، ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر
ذلك بنوع من الإطناب، اقتضاه المقام.
المثال الرابع:
في قوله تعالى: (الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (غافر: 7)، الذين يحملون العرش ومن حوله هم
الملائكة، والملائكة دأبهم التسبيح، دأبهم
الاستغفار، دأبهم تنزيه الله جل وعلا وعبادته، فهم: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6)، فمن نافلة القول أن يكونوا مؤمنين بالله، لا شك
أنهم مؤمنون، ولكن الله سبحانه ذكَّر بأنهم إنما انطلقوا في تسبيحهم وفي طاعتهم،
وفي ائتمارهم بأمر الله من شيء أساسي هو الإيمان، الذي هو أساس كل شيء، فإذا آمن
قلبك فالعمل يصدق ذلك، إذًا لا بد من الإيمان أولًا، لذا ذكَّر ربنا جل وعلا بأنهم
يؤمنون بالله، فالغرض إظهار شرف هذا الإيمان، وكونه أساسًا لكل عمل صالح، فلا ينفع
عمل صالح دون إيمان.
هذا كله كما
أشرت من الإطناب بالبسط دون زيادة، أو تكرير للكلام، مما سيأتي بيانه.
الإطناب بالزيادة
من أمثلة
الإطناب بالزيادة:
المثال الأول:
قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) (النور: 35).
لاحظوا كيف
تكررت كلمة مِصْبَاحٌ بقوله: (الْمِصْبَاحُ
فِي زُجَاجَةٍ) مع أنه يمكن أن يشار إليها بضمير، ولكن هذا التكرار كان
أجمل وأوقع، وهو نوع من الإطناب من الإطناب بالزيادة، يسمى الترديد، وهي زيادة
عذبة جميلة ندية الوقع لطيفة المأخذ.
ثم كررت الزجاجة
أيضًا بقوله: (الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) ليتكرر الإطناب بالزيادة بما يقتضيه المقام،
ويضفي على الكلام جمالًا وروعة وبهاء، وهو يذكر بقوله تعالى في سورة الفاتحة: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ {6}
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) (الفاتحة)، فتكرر الصراط من قبيل الترديد الذي هو نوع من الإطناب
بالتكرير.
وآية سورة «النور»
في الواقع تذكر بقصة لطيفة طريفة، وهي قصة أبي تمام عندما أنشد قصيدته الرائعة في
المعتصم، قال يمدح المعتصم قصيدة رائعة، في مطلعها:
مَا في
وُقُوفِكَ سَاعَةً مِنْ بَاسِ تَقْضِي
ذِمامَ الأَرْبُعِ الأَدْرَاسِ
يمدحه فيها إلى
أن قال:
إِقْدَامَ
عَمْروٍ في سَماحَةِ حَاتِمٍ في حِلْمِ
أَحْنَفَ في ذَكَاءِ إِيَاسِ
وكان الكندي
حاضرًا في المجلس، فقال: ما زدت على أن شبهت الخليفة بصعاليك العرب! أي: مَن عمرٌو
هذا ومن حاتم أمام الخليفة؟ طبعًا عمرو بن معديكرب هو أشجع فرسان العرب وحاتم كما
هو معلوم أكرم العرب، وإياس هو أذكى العرب، والأحنف هو أحلم العرب، فهؤلاء يضرب
بهم المثل كل في فنه، ولكن الكندي ممالأةً ونفاقًا، وبغيةَ أن يضع من شعر أبي تمام
ويحرجه، قال: ما زدت على أن شبهت الخليفة بأجلاف العرب، أو بصعاليك العرب، تقول
الرواية: فارتجل أبو تمام لتوِّه بيتين رد فيهما على الكندي وعلل كلامه.
فماذا قال؟ قال
هذين البيتين:
لاَ تُنْكِروُا
ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثَلاً
شَروُدًا في النَّدَى وَالبَاسِ
فالله قد ضَرَبَ
الأَقَلَّ لِنُورِهِ مَثَلاً
مـــــــــــــــنَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
الله أكبر، يعني
علل كلامه وتشبيهه بأعظم تعليل، إذا كان الله جل في علاه قد شبه نوره بالمصباح
والمشكاة، وأين المصباح وأين المشكاة من نور الله؟ نورٌ على نورٍ، نور الله لا
يمكن أن يضاهى، ولا يمكن أن يشبهه شيء، ولكن الله جلت حكمته يضرب لنا الأمثال،
فشبه نوره بالمصباح والمشكاة، (مَثَلُ
نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) (النور: 35) إلى
آخر الآية الكريمة، فاهتبل أبو تمام هذه الصور ليقول:
فالله قد ضَرَبَ
الأَقَلَّ لِنُورِهِ مثَلاً
مِــــــــــــنَ المِشْكَاةِ وَالنِّبْرَاسِ
فأُفحِمَ
الكنديُّ وأسقط في يده.
المثال الثاني:
في قوله تعالى: (الْقَارِعَةُ {1} مَا الْقَارِعَةُ {2}
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة)، نلاحظ أن ذكر (القارعة) تكرر ثلاث مرات، لماذا تكرر؟
واضح هنا أن الهدف والغرض من التكرير إنما هو التهويل والتخويف.
وكذا في قوله
تعالى: (الْحَاقَّةُ {1} مَا الْحَاقَّةُ {2} وَمَا
أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة)، أيضًا فقد تكرر ذكر (الحاقة) ثلاث مرات، وهو تكرير
غرضه التهويل والتخويف والتعظيم لهذا اليوم الخطير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن
يجعلنا من الناجين فيه.
وفي قوله تعالى:
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْرِ {1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ {2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر)، تكرر ذكر (ليلة القدر) ثلاث مرات، لكن التكرير هنا كان
للتعظيم والتفخيم، لأنها الليلة العظمى في حياة المسلم.
المثال الثالث: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) (البقرة: 238).
أليست الصلاة
الوسطى من الصلوات؟ بلى بالتأكيد، الصلاة الوسطى من الصلوات، لكنه ذكرٌ للخاص بعد
العام لشرف هذه الصلاة التي قيل فيها إنها صلاة العصر.
فالتكرير هنا
إذن لذكر الخاص بعد العام.
وقد يكون عكس
ذلك، أي ذكر العام بعد الخاص، كقوله تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ
بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
إِلَّا تَبَارًا) (نوح: 28).
دعاء وابتهال
إلى الله من نوح عليه السلام يدعو بالمغفرة له، ولوالديه، ولمن دخل بيته مؤمنًا،
وللمؤمنين والمؤمنات.
السؤال هنا: أليس
هو من المؤمنين؟ أليس والداه أيضًا كذلك؟ أليس الذي دخل بيته مؤمنًا من المؤمنين
والمؤمنات؟
بلى، فكل ما ذكر
قبلًا هو من المؤمنين والمؤمنات، ومع ذلك فقد عطف عليه المؤمنين والمؤمنات من قبيل
عطف العام على الخاص، فهذا إطناب، غرضه فيه الاستزادة من طلب المغفرة والرحمة،
وتعميمها على سائر المؤمنين والمؤمنات.
المثال الرابع: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ).
نحن نقرأ في
سورة «الرحمن» هذه الآية الجميلة بوقعها الآسر، الذي لا يشبهه وقع، وأثرها البالغ
في نفس القارئ، وصيغتها الاستفهامية المؤثرة، ونلاحظ أنها تكررت إحدى وثلاثين مرة،
كل من يقرأ سورة الرحمن يتغنى بهذه الآية، بل يترنم بها، فما الغرض من تكريرها؟
لا شك أن قارئ
سورة «الرحمن» يدرك أن ربنا جل وعلا يعدِّد في هذه السورة آلاءه، أي نعمه على
الخلق من بدء الخلق، والتعليم (الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2}
خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن)، إلى أن يأتي على كثير من الآلاء والنعم والقدرة على
خلقه من الإنس والجانِّ..
وتأتي هذه الآية بعد ذكر كل نعمةٍ، أو قدرة، أو إِلَىً (إلَىً مفرد آلاء، والآلاءُ: النِّعَمُ): (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تذكيرًا وتنبيهًا لك -أيها الإنسان- بهذه النعم التي لا يمكن لعاقلٍ أن يعرفها، ثم يجحدها، بل لا بد أن يذكر نعمة ربه عليه، وأن يحمدَه على هذه النعمة، وأن يسبحه، وأن يشكره على ما أنعم.
المثال الخامس: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات: 19).
نحن نقرأ هذه
الآية في تسع مواضع من سورة المرسلات: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً {1} فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً) (المرسلات)، وقد تكررت هذه الآية بعد مواقف محددة.
أول هذه المواقف
هو ذكر هلاك الأولين وإتباعهم بالآخرين: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ {16} ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ
الْآخِرِينَ {17} كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ {18} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِّلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات).
ثم ذكر الخلق: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ
{20} فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {21} إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ {22}
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ {23} وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات).
ثم خلق الأرض
والجبال..
ثم تأتي مشاهد
يوم القيامة: (انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ
تُكَذِّبُونَ {29} انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ {30} لَا ظَلِيلٍ
وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) (المرسلات)، وبعد كل مشهدٍ من هذه المشاهدِ تتكرر الآية مذكرة
بوعيد الله سبحانه: (وَيْلٌ
يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (المرسلات: 34)، إنذارًا وتوعدًا من الله
لهؤلاء الذين كذبوا برغم الآيات البينات التي لو عقلوها لما كانوا من الكاذبين.
المثال السادس: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ
لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر 17، 22، 32، 40).
من الأمثلة على
الإطناب بالتكرير أيضًا هذه الآية في سورة القمر، وهي آية جليلة الذكر، جميلة
الجرس، نافذة الأثر، وغرض التكرير فيها الحث على قراءة القرآن وتدبره، وسَمَاعِ
مَوَاعِظِهِ الْبَالِغَةِ وَفَهْمِ مَعَانِيهِ والاهتداء بِهِ.
وقد تكررت أربع
مرات، عقب قصصٍ لهلاك أقوام كذبوا أنبياءهم: قوم نوح، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط،
وفي كل مرة يقول ربنا جل وعلا: (وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، فهذا من الإطناب
بالتكرير.
على أن المقطع
الأخير فيها كان قد ذكر قبل ذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:
15).
ثم ذكر بعد ذلك
في قوله تعالى: (وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر 51)؛ أي أنه تكرر
ست مرات في السورة نفسها.
إِلَّا أَنَّ
بَيْنَ الِادِّكَارَيْنِ فَرْقًا دَقِيقًا، فَالِادِّكَارُ السَّالِفُ واللاحق (في
الآيتين 15، 51) ادِّكَارُ اعْتِبَارٍ عَنْ مُشَاهَدَةِ آثَارِ الْأُمَّةِ
البائدة، والادّكار الْمَذْكُور هُنَا: (أي في الآيات 17، 22، 32، 40) ادِّكَارٌ
عَنْ سَمَاعِ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ الْبَالِغَةِ وَفَهْمِ مَعَانِيهِ والاهتداء
بِهِ (التحرير والتنوير 27/190).
الإطناب بالزيادة في شعر العرب
وشعر العرب حافل
بهذا النوع من الإطناب، فقد احتفى به الشعراء أيما احتفاءٍ، أنت تقرأ مثلًا
للخنساء في رثاء صخر أبياتًا عجيبة تكرر فيها ذكر صخرٍ في كل بيت:
وإنَّ صخرًا
لوالِينَا وسيِّدنُا وإنَّ صخرًا إذا
نشتُو لنحَّارُ
وإنَّ صخرًا
لتأتمُّ الهداةُ به كأنَّــــه
علــــــــــــــــــــمٌ في رأسهِ نارُ
وما زالت تكرر
ذكر صخر في شعرها، دون أن تمل أو تني أو تفتر، وأنت تشعر أن لهذا التكرار عذوبةً
على لسانها، لأنه يجلو مقدار حبها وفجيعتها في أخيها صخر.
وقد يكرر اسم
الموضع كما في قول ابن الدمينة:
أَلاَ يا صَبا
نجدٍ متى هِجْتِ من نجدِ؟ لقد زادني
مَسْراكِ وَجْدًا على وَجدِ
أو اسم الحبيبة
كما في قول الحطيئة:
ألا حبذا هندٌ
وأرضٌ بها هندُ وهندٌ أتى من دونها
النأيُ والبعدُ
وقول الصمة بن
عبد الله القشيري:
حننْتَ إلى
ريَّا ونفسكَ باعدتْ مزارَكَ من ريَّا
وشَعْباكما معَا
وقول مجنون
ليلى:
باللهِ يا
ظبياتِ القاعِ قُلنَ لنا ليْلايَ منكنَّ
أم ليلَى منَ البشرِ؟
فهو يكرر ذكر
ليلاه، ويجد لذلك طعماً لذيذاً.
اقرأ أيضاً:
- "لكل مقام مقال".. رحلة من ديوان العرب إلى آيات الذكر
الحكيم
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً