أطفالنا في زمن الحروب

5 علامات تدل على اضطراب مشاعر الأطفال في زمن الحرب

كان كل شيء على ما يُـرام، لعِبٌ وضحك وسَمَر، لكنَّ عينيه توقفتا لحظة أمام مشهـد في شاشـة التلفاز، مشهد لم يعهـده من قبل، وإنما كان يتسلى بأمثاله في الأفلام الكرتونيـة، ويقرؤه في القصص الخيالية، ولكن يُشـاهده الآن كقصة واقعيـة، مشهد لم يفهـم حقيقته من قبل، تفجيرات ومسيرات وتدمير وجَرحى.. إلخ، مشاهد يراها في بلده التي كانت منذ لحظات تسبح في نعمة الأمن والأمان.

وفي نهاية اليوم، ذهب إلى فراشه ولكنه ليس كما كان، صار ينقصه شيء، ويطلب أشياء، يحتاج إلى مشاعر قد كانت ولكنها رحلت، وهو الآن يتجرع ويلات الكبار وهو ما زال صغيراً!

هكذا ودون ضجيج، تبدأ مشاعر جديدة تقتحم عالم الطفل، تبدأ في التسلل إلى قلبه وفؤاده وعقله، وتُريد هذه المشاعر اختراقه والتمركز فيه، وحينها يُصبح دورنا كآباء وأمهات ليس إبعاد الطفل عن الواقع، بل دَوْرنا الحقيقي بناء الطفل القوي الواعي، طفل صلب وقوي يستطيع التأقلم مع الوضع الراهن، طفل ليس به هشاشة نفسية، وهذا ما يجعلنا نفكر في إجابة لهذا السؤال: كيف تربك الحروب نمو المشاعر عند الطفل؟

1- نضج المشاعر قبل أوانها:

في وقت الحروب، للأسف، نجد أن الطفل يتفاعل مع قيم ومشاعر وأحاسيس إنسانية كبيرة وذات تأثير كبير، تفوق سنه وعقله ولا تتلاءم مع مساره النفسي، مشاعر كبيرة الحجم تتزاحم عليه وقت الحرب، مثل: الحزن والخوف والألم والهلع والفقد والفزع والفراق والتعاطف المؤلم.. ويزداد حجم هذه المشاعر وألمها إذا اجتمعت كلها في طفل واحد، فنجد أن الطفل يتفاعل مع مثل هذه المشاعر دون أن يعي حقيقتها، ودون التسلسل الزمني والمعرفي في أن يعيشها بوعي.

فالحروب هنا لم تُعلِّم الطفل المعلومات فحسب، بل إن الحرب تدفعه دفعاً نحو الانخراط في مشاعر ثقيلة ومؤثرة، وهو لا يمتلك من الأدوات النفسية ما يساعده على الفهم الواعي لهذه المشاعر، وهنا للأسف يتحول النضج للمشاعر إلى عبء ثقيل عند الطفل، وهذا العبء أكثره نفسي وغير مفهوم.

2- تسارع الأسئلة الوجودية عن الأطفال:

من الطبيعي أن يسأل الطفل أسئلة بسيطة تتوافق مع سنه الزمني والعقلي، ولا بد من الاهتمام بأسئلته والإجابة عنها بما يتوافق مع عمره واستيعابه، ولكن الحروب وآثارها السيئة تدفع الطفل دفعاً للتفكير في أسئلة كبيرة، قد تتوافق هذه الأسئلة مع الراشدين أو من هم أكبر من ذلك، ولكن تدفع الحروب الطفل إلى طرح أسئلة وجودية مثل: أين الله من هذه الحروب؟ هل خلق الله الشر؟ هل الله راضٍ عن هذه الدماء والأشلاء؟ لماذا لا ينصر الله المسلمين؟ لماذا الغلبة دائماً لغير المسلمين(1)؟

وهذه الأسئلة طرحها صعب، وأصعب من ذلك طريقة الرد على هذه الأسئلة وكيفية التعامل معها، فلو تم الإجابة عنها بإجابات خاطئة أو بطريقة لا تتوافق مع أعمارهم وعقلياتهم فقد نُفسد من حيث نُريد الإصلاح، فالحذر الحذر من تجاهل هذه الأسئلة وعدم الرد عليها بعقلانية ومنطقية! والحذر الحذر من الإجابة عن مثل هذه الأسئلة بطريقة خاطئة، أو بطريقة لا تتوافق مع أعمارهم!

3- فقدان عفوية الطفولة:

في ظل الحروب، يحدث التشتت عند الأطفال بين ما هو موافق لعمره كاللعب والضحك والبراءة، وما هو يفوق عمره من دمار وأشلاء وقتل وتفجير، فتصبح العفوية تتراجع شيئاً فشيئاً؛ لأنه أصبح لا يستمتع بعفويته وتلقائيته، ولكنه أصبح وكأنه كبير عن عمره، يعايش ما لم يخطر له يوماً على بال، وأصبح يعيش واقعاً يؤثر فيه سلباً لا إيجاباً، خاصة لو كان الوالدان لا يعيان المرحلة، ولا يستطيعان التعامل بوعي مع الطفل في هذه المرحلة.

4- تشكُّل نظرة مضطربة للعالم:

براءة الأطفال تُحتم عليهم النظر للعالم وكأنه جزء من الجنة، ينظر إليه بعفوية ومثالية، يرى في عالمه الأمان والثقة، ولكن حينما تحدث الحروب تُعيد تشكيل صورة العالَم في ذهن الطفل، وتجعله ينظر إلى العالم الذي يعيش فيه بنظرة سوداء قاتمة، وقد تُحدث فيه الأحداث اضطرابات نفسية تكون ملازمة له طيلة العمر، خاصة إذا كان الوالدان لا يُحسنان التعامل والتفاعل معه وقت الحروب والأزمات.

5- التقلب في المشاعر وعـدم الاتزان:

في ظل الحروب نجد بعض الأطفال يعيشون تقلباً في المشاعر، فقد يكون الطفل كثير الحساسية، مُرهف المشاعر، ثم تنقلب فجأة إلى تبلد أو تجلد قوي يمهد له الهروب من واقعه الذي فرض عليه، وكأنه يتمثل قول الإمام الشافعي:

دع الأيـام تفعـل مـا تشــاء       وطِب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجـزع لحادثــة الليالي         فمـا لحـوادث الدنيــا بقــاء

وكن رجلاً على الأهوال جلداً    وشيمتـك السمـاحــة والوفــاء

وأحياناً نجد من لديه خوف مفرط من كل شيء، خوف من الحاضر، خوف ملأ كيانه ومشاعره وأحاسيسه وتمكن منه، وأحياناً أخرى نجد الطفل يتظاهر بالشجاعة وعدم الخوف، وما ذلك إلا لأنه لم يستطع التعايش بمصداقية بين الأحداث الجارية ومشاعره.

ومن هنا نقرر أن الوالدين عليهما حِمل ثقيل، ودور عظيم، فهما يمثلان النقطة المهمة في تعديل بوصلة المشاعر، فعليهما أن يقوما بالدور الكامل والواعي في احتواء مشاعر الأبناء، وتوجيهها التوجيه الصحيح، واختيار الطرق المثلى للتعامل معها، والتحايل على مشاعر الخوف والفزع والقلق والتوتر والهلع التي تطرأ على الأبناء واحتوائها والتقليل منها قدر الإمكان.

ونساعدهم أيضاً على تفسير الواقع بنظرة متوازنة وغير مُفرطة؛ لأن الإفراط هنا يهدم ولا يبني، ويُمزق الإنسان من الداخل ولا يجمع عليه شمله، بل ينكأ في فؤاد الأبناء جُروحاً واضطرابات تكاد تكون ليس لها حل ولن تُنسى، فالبدار البدار إلى تصحيح المسار!


اقرأ أيضا 

5 دوافع للحروب في العالم

10 قواعد لحماية نفسية الطفل وقت الحرب

الهوامش
  • 1 السؤال هذا قد يطرحه من لا يعرف تاريخه المجيد، فهو للأسف وُلِد في الأزمنة المتأخرة فلم يرى بعينه ولم يسمع بأذنه إلا الهزيمة والذل والهوان لأمتنا المجيدة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة