إحياء فقه الجوار بالمدن
اختلف شكل المدن في العصر الحديث بصورة كبيرة
عما كان في الماضي، حيث الزحام الشديد والاغتراب الذي تسبب فيه نزوح الكثيرين بحثاً
عن فرص عمل أفضل؛ ما نجم عنه تباعد اجتماعي خطير، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم
بالجار فقال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (رواه البخاري، ومسلم).
مفهوم الجوار في الإسلام
قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ
ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (النساء: 36)؛ قال ابن كثير في تفسيره:
«الجار ذي القربى هو القريب في النسب أو الدين، والجار الجنب هو البعيد في الدين أو
النسب»(1)، والجوار بهذا المفهوم الواسع والعميق يعكس شمولية الأخلاق الإسلامية،
التي ترى الجوار وتتعامل معه كقيمة إنسانية تتجاوز الفوارق الدينية والاجتماعية.
الجار في حياة النبي
كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً
مثالياً في معاملة الجيران ورعايتهم والاهتمام بهم، وظل يوصي بالجار وجعله خلقاً أساسياً
للمسلم، فكان عليه الصلاة والسلام يتحمل الأذى من جيرانه، ويدعو لهم بالهداية، ويحسن
إليهم ويوصي أصحابه بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة
لجارتها ولو فرسن شاة» (متفق عليه.
وشجع صلى الله عليه وسلم على إطعام الجيران
وتفقد أحوالهم فربما يكون عندهم حاجة ويمنعهم الحياء من طلبها، وربما يكون أحدهم جائعاً
ولا يستطيع الطلب، ولذلك نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن يشبع وجاره جائع
وهو يعلم، فقال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه» (رواه الطبراني).
كذلك أقسم صلى الله عليه وسلم على انتفاء
إيمان من يؤذي جاره أو يسبب له الخوف فقال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا
يؤمن»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» (رواه البخاري)، وقال
صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره» (متفق عليه).
وقد شرع الإسلام حق الجار في المساعدة إن
كان في حاجة إليها، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في
جداره» (رواه مسلم).
من فقه الصحابة في الجوار
كان سلوك الصحابة انعكاساً لتعاليم النبي
صلى الله عليه وسلم في حق الجار، فتجلت هذه القيم في سلوكهم، فعن عبدالله بن عمر أنه
ذبح شاة فقال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (رواه الترمذي).
كما كانت أسماء بنت أبي بكر بالقياس على وصية
النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة لها في أمها حين كانت تزورها وهي مشركة: «صِلي أمك»،
فكانت تحسن إلى جارتها المشركة. (رواه البخاري)، وهكذا كان عموم الصحابة مع جيرانهم
بصرف النظر عن دينهم.
فقه الجوار في المدن الحديثة
الوضع في المدن الحديثة والكبيرة فرض واقعاً
جديداً من التزاحم داخل التكتلات السكنية؛ ما يصعب عملية التواصل بين الجيران، لكن
تطبيقاً للنصوص الشرعية فهناك ضرورات منها محاولة التعارف والتقرب من الجيران، على
الأقل في حيه السكني، وإن صعب الوضع فيكتفي بحد أدنى بالتعارف إلى جيرانه الأقربين
من حيث المكان في العمارة الواحدة، أو الشارع الواحد وإن كان مزدحماً، ومن هذه القواعد:
1- إلقاء السلام ومحاولة التعارف المبدئي
إذا التقى المسلم بأحد جيرانه في المصعد، أو أمام المنزل.
2- مشاركة الجار مناسباته، مثل الأعراس أو
حالات الوفاة، فلا ينتظر منه دعوة.
3- تحريم الأذى، وليس المقصود هنا أن يؤذي
جاره بفعل كبير، وإنما قد يكون الأذى في رفع الأصوات خاصة بالليل وقت راحة الناس، أو
بإطلاق النظر في عورات بيته إذا التقى الجيران بطريقة ما، فعن عبدالله قال: سألت النبي
صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال منهل: «.. أن تزاني حليلة جارك»
(رواه البخاري، ومسلم)، ومنها الحقد والحسد وتمني زوال النعمة، أو إطلاق الشائعات.
4- إصلاح ذات البين، والصلح بين الجيران يدخل
في باب أعظم العبادات، لقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات
10).
نحو ثقافة الجار الحضري
في المدن المزدحمة يصبح فقه الجوار الإسلامي
مشروعاً يمكن تطبيقه بأدوات عصرية تحيي السُّنة النبوية، فعلى سبيل المثال:
- يستوحى من الأخوة الإيمانية تأسيس لجان تجمع عمارة أو مجموعة من عمائر الحي، أو شارع ما، يكون مطلوباً من تلك اللجان أن تتابع أخبار الحي، والمشكلات الناجمة فيه، والاحتفاليات التي يمكن أن تجمعهم سواء شخصية أو دينية بحيث يتم الاجتماع فيها بشكل شبه دوري.
- يمكن تفعيل التواصل الرقمي وذلك بتبادل أرقام الهواتف والقيام بالتواصل في فترات زمنية محددة.
- مطالبة المعنيين بواضعي المناهج الدراسية
بالاهتمام بما يخص علاقة الجيران وتعاضد الناس مع بعضهم بعضاً في ترسيخ تلك المفاهيم
خاصة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (رواه
البخاري، ومسلم).
__________________
(1) تفسير ابن كثير، ج2، ص255، دار طيبة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً