27 فبراير 2025

|

إحياء الأسلوب القرآني في طرح الاعتقاد

رمزي ديشوم 

27 فبراير 2025

39

ذهب علم الكلام إلى المنطق اليوناني الأرسطي والفلسفة اليونانية الإغريقية متخذا منهما مرجعا في ابتداع منهج وطريقة "عقلية" جدلية في الدعوة إلى التوحيد والإيمان ومناقشة قضياهما، وذلك في استجابة خاطئة لمستجدات فكرية وعقدية دفت إلى المجتمع الإسلامي بدخول أقوام وثقافات وألسنة غير عربية فيه.

   وكذلك استجالة لتدخل السلطة السياسية الحاكمة في مناهج الدين، وتطويعها في خدمتها، منذ أن صارت الخلافة ملكا وراثيا، يسديه السابق إلى اللاحق كما يهديه ماله ومتاعه.

   وبينما يخاطب القرآن وكذلك السنة المكلف ويطرح قضايا الإيمان والتوحيد بلسان عربي مبين وأسلوب بلاغي أخاذ يخاطب كل مكونات الإنسان: العقلية والقلبية، ويستثير بمخاطبتهما معا استجابته واستسلامه، يعمد الأسلوب الكلامي إلى مخاطبة عقله بلسان منطقي أعجمي(العرض والجوهر، والحدوث والتغير...)، وأسلوب عقلي جاف.

   من هنا يبدأ الافتراق بل الاختلاف بين الطريقة والحقيقة القرآنية والنبوية في قضايا الإيمان والاعتقاد، وبين الطريقة والحقيقة الكلامية فيهما، وتكمن الملاحظات والمآخذ الجوهرية على علم الكلام.

   ولنعرض إلى قضيتين رئيسيتين، تبينان بدقة هذا الاختلاف بين الأسلوبين:

   قضية الإيمان بالله منطلقه وحدوده في الأسلوب القرآني والنبوي، وكذلك قضية القدر وما تفرع عنها من قضية الجبر والاختيار وقضية خلق افعال العباد.

 

   قضية الإيمان:

   يرى القرآن وكذلك السنة أن السبب الأول والرئيس للكفر هو الكبر، وهي مسألة نفسية قلبية، وليست مسألة عقلية منطقية:﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[ النمل: 14].

   ولذلك يحشد القرآن الكريم وكذلك السنة النبوية في معالجتها مزيجا رائعا من النقاش الوجداني العلوي القائم على ترسيخ فكرة الألوهية والعبودية، بما تمتاز كل واحدة منهما عن الأخرى وتفترق بالفوارق المتجلية والمتحققة في ذات الخلق نفسه، فينطلق النداء القرآني إلى الإنسان لدعوته إلى توحيد الله والإيمان به من منطلقات:

   - الأول: إن المخاطِب إله، بما يجب له من صفات الجلال والعظمة والعزة...، وإن المخاطَب عبد، بما امتزج به من صفات الضعف والحاجة والذلة:  ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ(8)﴾[ الانفطار].

   - الثاني: إن الدلائل المحسوسة الواضحة، من آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق، تواجه عقل الإنسان وقلبه وجميع حواسه بحقيقة واحدة وهي أن هذا الكون -والإنسان من أضعف موجوداته- مخلوق لله رب العالمين،﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[ غافر: 57].

   - الثالث: إن الخضوع لله والاستجابة  لدعوته، ودعوة رسوله صلى الله عليه وسلم، هي باب للسعادة والحياة الحقيقة، في الدنيا والآخرة، والسبيل الوحيد للنجاة فيهما من العذاب، أو الفوز فيهما بالثواب،﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[ الأنفال: 24].

   - الرابع: إن الإيمان الصحيح بالله بوصفه خالقا وربا، واليقين الصحيح للإنسان بوصفه مخلوقا وعبدا، يوقف العقل عند حدود مداركه ومجاله، فلا يتنطح إلى معرفة ما لا يمكنه معرفته إلا بالخبر، ولا إلى فهم ما لا يمكن فهمه إلا بالتسليم، ولا إلى تشريح ما لا يمكنه إدراكه إلا بالإجمال، ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[ البقرة: 32].

   وعند هذه القضية بالذات تولد أو توأد القضايا والمسائل الأكثر جدلية وإشكالية في علم الكلام، وعلى رأسها قضية القدر وما تفرع منها من قضية الجبر والاختيار وقضية خلق أفعال العباد ...

 

   قضية القضاء والقدر:

   يرى القرآن وكذلك السنة أنه كما يلزم من الإيمان التسليم والتوكل يلزم العمل والتنبه، كلاهما من قدر الله خلقاً وأمراً،﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف: 54].

   وأن تقدير الله تعالى الأمور يبعث في النفس طمأنينة وأمناً، ويجعل القلب في تفويض وتسليم، وأمر الله تعالى بالعمل يبعث فيها عزماً وجِدّاً، ويجعل القلب في تنبه وحذر، ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾[النساء: 79].

   وليس بين الطمأنينة والعزم ولا بين التسليم والحذر منافاة:

   أولاً: من منطلق العبودية لله تعالى، فالذي قدّر هو الذي أمر، فكيف نركن إلى قدره ونهمل أمره؟ أو نعمل بأمره ونغفل عن قدره؟

   ثانياً: أن الأسباب هي محل الاعتبار في الشريعة، سواء الأسباب الشرعية التي عليها مدار الثواب والعقاب (الصلاة، الزكاة) أو الأسباب الكونية (البيع، القتل) التي عليها مدار الجزاء.

   ثالثاً: أن القدر غيب، وطريق إظهاره العمل الذي هو جزء منه، والذي يؤكده ثم يفتح للعامل باب المواصلة أو الرجوع، عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ(7) ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ(10)﴾[ الليل]. [البخاري ومسلم].

   بينما خاض الكلاميون مخاضا عسيرا في هذه القضية، واختلفوا فيها على أقوال شتى، لم يسلم واحد منها من الإفراط أو التفريط، نجملها في أريعة أقوال:

   - الجبر المطلق.

   - الاختيار المطلق.

   - الجبر في قضايا والاختيار في أخرى.

   - الجبر الباطني والكسب الخارجي.

   كان مدخل الكلاميين إلى هذا الجدل هو عين ما قدمناه من عدم وقوفهم بعقولهم عند حدود مداركها ومجالها، وعدم إقحامها في مساحة لا تعمل بها، وطريقها لفهمها هو الإجمال مع التسليم فقط.

ولو كان انطلاقهم وانتهاؤهم في فهم هذه القضية من وإلى القرآن والسنة، لكانوا وفروا على أنفسهم وعلى الأمة وقتا وجهدا، ولشغلوا أنفسهم وشغلوها بالنافع الجامع. 


تابعنا

أحدث المقالات

الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة