«خير الشرين».. مصلحة الأمة واستعلاء الفرد

إن تعظيم حرمات الله من أوجب الواجبات، ويأتي على رأس هذه المحرمات حفظ النفوس وقطع كل طرق الشر المؤدية إلى إزهاقها.

ولعل أخطر الطرق المؤدية إلى إزهاق الأرواح تأجيج الفتنة واستعارها، التي تبدأ دائماً بكلام، وقد حذر الشاعر العربي من ذلك:

فإن النار بالعودين تُذْكى      وإن الحرب مبدؤها الكلام

ولعل أذكى نار الفتنة الدعوات إلى العصبية، التي تغتال العقل، وتهدر الحكمة، ويعلو فيه صوت العامة والدهماء، ويهدر فيه رأي أهل الحكمة والمشورة.

إن الماكينة الإعلامية التي تسيطر على الكثير من القنوات، إضافة إلى مواقع التواصل ومئات الآلاف من الحسابات تصب في إذكاء نار الطائفية؛ ما يجعل الحكمة غائبة في طوفان العبارات المشحونة والدعوات الموتورة، التي لا ترعى جواراً أو تحترم قيمة.

دعوها فإنها منتنة

لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم طريقة مواجهة دعوات الفتنة والرجوع إلى العصبية، وأن هذا الأمر لا يحتاج إلى التأخير، لكنه يجب تقبيحه وزجره في الحال.

فعندما وجد الشيطان طريقه في إذكاء الفتنة بين أعظم حيين (المهاجرين، والأنصار) أذكى روح هذه الفتنة، وتشاجر الحيان وتحاكموا إلى السلاح، وهنا جاء دور القيادة الحكيمة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟!»، فأخبر بالحال فقال: «دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوماً، فإن كان ظالماً فلينهه، وإن كان مظلوماً فلينصره»(1).

ولنا أن نتخيل اتساع دائرة البحث عن المخطئ بطرح الأسئلة: من صاحب الحق؟ ومن المتسبب؟ ومن القائل؟ ومن حامل السلاح؟ ومن.. ومن..؟ فإننا سندخل في طريق لا نهاية له من الفتنة، وهنا يأتي دور من يعبثون بالطرفين وينسجون شباك الشيطان، لكن النبي صلى الله عليه وسلم تدخل بحكمة القيادة الرشيدة، وأن ما حدث دعوى جاهلية وعصبية اشترك فيها الكل، وأن حقيق عليهم كانوا أن يرجعوا إليه لأنه عليه السلام هو صاحب الشريعة ومنزه عن كل خطأ.

خير الشرّين

الصحابي عمرو بن العاص كان عبقرياً وداهية في معرفة النفوس ومن أصحاب الرأي والموازنة بين الخير والشر، ولذلك نراه يقول: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين(2).

فظاهر الخير وظاهر الشر يعرفه الجميع، أما شر الشرين وخير الخيرين فلا يعرفه إلا القليل، أصحاب الرأي ومن غلب مصلحة أمته ووطنه على مصلحته الشخصية.

وقد أبدع ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» حينما كتب هذه القاعدة الذهبية التي تستعلي بالأمة حينما علق على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في «صلح الحديبية»، وأن المشركين لو سألوه خطة يعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطاهم إياها.

يقول ابن القيم: فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرضٍ له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عمل له أعمالاً بعده، والصديق تلقاه بالرضا والتسليم، حتى كان قلبه فيه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على أن الصديق رضي الله عنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله تعالى ورسوله، وأعلمهم بدينه وأقومهم بمحابه وأشدهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمر عما عرض له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه خاصة دون سائر أصحابه(3).

إبداعات الشريعة في زجر الفتنة

إن الشريعة لم تقف عاجزة أمام نشر الفتنة التي هي أشد من القتل لما يترتب عليها من فساد وإفساد للمجتمع، فوضعت أحكاماً تناسب كل عصر لوأدها وتأديب المتسببين فيها، ومن ذلك أنها تركت لإمام الوقت، ما يراه من سد الذريعة، وإغلاق باب الشر بالوعيد، وإما بالسجن، وإما بالضرب.

فإن قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعاقب الرجلين حين دعوا بها -في إحدى الغزوات- قلنا: قد قال: دعوها فإنها منتنة، فقد أكد النهي، فمن عاد إليها بعد هذا النهي، وبعد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالإنتان، وجب أن يؤدب حتى يشم نتنها، ولا معنى لنتنها إلا سوء العاقبة فيها، والعقوبة عليها(4).

كما أن الشريعة أبدعت أيضاً في أحكامها حتى في الحروب للتقليل من الخسائر البشرية، وليس اتساعها والحفاظ على النفس، وحددت طريقة التعامل مع الخصم في الحرب، فالباغي غير المرتد غير الكافر الأصلي، ولذلك تعامل الإمام عليّ مع مخالفيه «يوم الجمل» بأنه قال: لا يذفف -يُجْهز- على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب، ومن أغلق باباً -أو بابه- فهو آمن، ولا يتبع مدبر، وعنه أنه دفع دية قوم من بيت المال قتلوا مدبرين(5).

الشيطان وجزيرة العرب

إن أكثر ما خاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته هو «التحريش» فيما بينهم، ولذلك جاء في الحديث: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم» (رواه مسلم).

إن التحريش بين أطراف الأمة سهم الشيطان الأخير في جزيرة العرب، التي أيس أن يعبد فيها، فكانت ضالته في تأجيج الفتنة والنفخ في وسائلها.

فأعظم الأدوار التي يمكن القيام بها المحافظة على تماسك الصفوف وتغليب الحكمة، وإخماد نيران الفتن بين أبناء المنطقة وأبناء الأمة ككل مهما كان شكلها، دينياً كان أم اجتماعياً أم سياسياً.

ويجب أن تكون النخب المؤثرة والسياسيون وأهل الحل والعقد في المنطقة، عندهم نفس الإدراك والشعور بثقل المسؤولية التاريخية، لمواجهة سهم الشيطان الأخير الذي لا يملّ ولا يكلّ منه.

فالعالم العربي يعيش لحظة خطيرة لا تحتاج التخندق في الزوايا الصغيرة أو الوقوف مع ظاهر الخير والشر، لكن بنظرة الصحابي الجليل عمرو بن العاص، معرفة خير الشرين.

 


اقرأ أيضاً:

«يا لحلف الفضول!».. الانتصار للقيم في زمن فوضى الأخبار

8 قواعد مهمة لمنع التراشق الإعلامي بين الشعوب المسلمة

ميزان المصالح والمفاسد في الصراع الدولي.. قراءة شرعية مقاصدية في الحرب الصهيوأمريكية وإيران

الهوامش
  • 1 الصالحي، سبل الهدى والرشاد.
  • 2 الذهبي، سير أعلام النبلاء.
  • 3 ابن القيم، زاد المعاد.
  • 4 الصالحي، سبل الهدى والرشاد.
  • 5 ابن قدامة، المغني.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة