د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التقيت قبل بضع سنوات مع د. عادل الزايد بأحد الفنادق في شارع الحمراء ببيروت على بوفيه الإفطار نحو الساعة 8:30 صباحاً، وقال: للتو عدت من رحلة غوص منذ الساعة السادسة صباحاً، فهي هواية لطيفة أستمتع بها عند السفر حيث يوجد متسع من الوقت، وأماكن جديدة أستكشفها.

ودار حوار لطيف حول حبه للاستكشاف والرحلات، مشياً على الأقدام تارة، وبالدراجة تارة أخرى، وهي هواية مقرونة بالتدريب والمعرفة والقراءة والثقافة، وليست مبنية على ترف فكري، بقدر الاستزادة العلمية وسعة الأفق؛ لذا أجده مليئاً بالثقة بالنفس فيما يقول، كيف لا وهو استشاري الطب النفسي الذي خسرته كلية الطب بجامعة الكويت.

إن ممارسة أي هواية لدى الفرد تعزز الثقة والصحة النفسية لديه، رجلاً كان أم امرأة، كبيراً أم صغيراً، عالماً أم مثقفاً أم بسيطاً، غنياً أم متوسطاً أم فقيراً، متديناً أم غير ذلك، لذا نجد كبار الزعماء يمارسون هوايات خاصة بهم، كل وفق قدراته البدنية والذهنية والحركية، فهذا الأمير تشارلز، أمير ويلز ولي عهد بريطانيا، يمارس رياضة البولو والرسم، والرئيس الروسي بوتين يمارس رياضة التنس والجودو، والرئيس حسني مبارك كان يمارس رياضة الإسكواش، والسلطان عبدالحميد الثاني النجارة، والمغفور له بإذن الله الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، كان يمارس القنص بالصقور وصيد السمك، وكذا بعض الرموز الاجتماعية مثل العم عبدالعزيز البابطين وحبه للقنص والأدب، والشيخة سعاد الصباح وحبها للأدب والشعر.. وهكذا.

وينبغي نشر هذه الثقافة بين أجيالنا، وأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، فلنشجع أبناءنا كلاً وفق ميوله وقدراته؛ أولاداً وبنات، ولتكن لهم أكثر من هواية منزلية وخارجية، فالهواية ليست محصورة بالرياضة فقط، بل أعتبر الرياضة مفتاحاً للحفاظ على الصحة العامة أكثر منها هواية مسلية، فهناك الرسم والقراءة والكتابة والتصميم اليدوي وبرامج الحواسيب وما أكثرها، والزراعة وصيد السمك والقنص وتربية الماشية بأنواعها، والتصوير الفوتوغرافي والفيديو، والتمثيل والخطابة والإذاعة، والخياطة والتطريز والطبخ، وقيادة الدراجات الهوائية والنارية والرياضات بأنواعها، وتصليح السيارات والآليات، حتى إنك تجد بعضهم قد وصل إلى مرحلة الاحترافية في الهواية التي يمارسها، ويقدم الابتكارات الجديدة.

وهناك هوايات تمارس بشكل منفرد، وهوايات جماعية، وكل له ميزته ونقل الخبرات من الآخرين، والاستمتاع الجماعي بممارسة الهواية، مثل فرق الدراجات النارية، ومشروع «واثق» لتعزيز القيم في المدارس، وفرق إعادة التدوير.. وغيرها، وكلها ثبت علمياً دورها في تعزيز الصحة النفسية لدى ممارس الهواية مهما صغرت أو كبرت، فردية أو جماعية، وتعزز الثقة بالنفس والقدرة على الإنجاز، وعدم الشعور بالفشل أو الهوان أو الاتكالية.

لذا، مطلوب من مؤسسات الدولة دعم مثل هذه الهوايات وتسهيل ممارستها عند الحاجة، ورعاية المؤسسات الاستثمارية لها مادياً، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني لها معنوياً ومكانياً، فبتعزيزها تقل المشكلات الاجتماعية والسلوكية السلبية لدى أفراد المجتمع، وخصوصاً التنمر.

مارس هواية تعزز الثقة لديك والصحة النفسية مهما كانت، وابدأ من الآن لو كنت غير ممارس لها، فستشعر بالفرق الكبير لديك ولدى من تتعامل معه، ولا تستسلم لأي إحباط، واستمتع بها وادع لي.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 13 أكتوبر 2020 13:43

الدولة العميقة والحرس القديم (2 - 2)

تبقى الدولة العميقة أساساً موجوداً في كل المجتمعات، وتحرص كل المؤسسات على المحافظة عليها رغم اختلافاتها الداخلية بالتنازلات تارة، والمفاوضات تارة أخرى، فقد تنقسم المعارضة المتسقة لاختلاف الرؤى، إلا أنها تخضع للأقوى حرصاً على بقائها واستمرارها، وأقوى تنسيق عادة يكون بين القوى الاقتصادية والسلطة السياسية، حفاظاً على استقرار البلاد سياسياً واقتصادياً.

فعلى سبيل المثال، نجد أن «غرفة التجارة» لا تتغير سياستها منذ نشأتها، فهي تدعم المؤسسات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى حفاظاً على الاقتصاد الوطني الذي لا يراه عموم الناس، كما أنها تحظى بدعم الحكومات والبرلمانات مهما تغيرت اتجاهاتها من اليمين واليسار لذات الهدف، ومتجاوزين المناوشات التي تحدث بين الحين والآخر لأسباب مختلفة، تنتهي بالنهاية بينهم بالتصالح من خلال الدولة العميقة.

ولعل أكثر ما يزعج الدولة العميقة أمران: الضغوط الدولية والحروب وما شابه، والاختراق الأمني والاستخباراتي، الذي يقدم معلومات مغلوطة أو منقوصة للضغط على الدولة العميقة، أو المشاركة في عملها وابتزازها.

وكما ذكرت، الآن الأمور آخذة بالاحترافية أكثر من السابق، فإذا كان ذلك على مستويات محلية بسيطة، فما بالك بمن يدير العالم كله بأسلوب الدولة العميقة؟! أعتقد أننا لا شيء أمامهم، فنحن كمن يدير سوقاً مركزية (سوبر ماركت) أمام من يدير العالم عبر الأقمار الصناعية التي لو أوقفوها للحظة لضعنا جميعاً.

إنه المال يا سادة، سيطر على العسكريين والمدنيين واشترى الكرامات، واحتوى صغار التجار، ومن يخرج عن طوعهم مصيره الإفلاس والخروج من ساحة الصراع كحد أدنى، هذا إن لم ينته بالقتل أو التنكيل، فالمال يبدأ بدخول ناعم لكل مكان، بعدة لغات وأساليب، حتى إذا تمكن تكون تحت سيطرته وقوته.

وبما أن الدولة العميقة أمر واقع بمسميات وأشكال عديدة، فعلينا أن نتعامل معها بحذر وتوعية، وأن يتقي كل فرد ربه فيما يقوم به من دور على أي مستوى؛ رسمي أو باطني أو حزبي أو وظيفي أو قبلي أو عائلي أو تجاري أو استخباراتي أو أمني فيما لا يضر الآخرين، عمداً أو بغير عمد، فإن أراد أن يستفيد فذلك شأنه، ولكن عليه ألا يضر البشر ولا الوطن.

أسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من سيطرة الدولة العميقة السلبية، ويرزق ولاة أمورنا البطانة الصالحة، ويمتعنا بدولة عميقة إيجابية تحقق الأمن والأمان للجميع، وحرس قديم محب للخير ولوطنه.

 

 

_______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الإثنين, 12 أكتوبر 2020 22:20

الدولة العميقة والحرس القديم (1 - 2)

أول من أطلق مصطلح «الدولة العميقة» في الكويت هو الكابتن سامي النصف بعد حل مجلس إدارة الخطوط الكويتية، وتجميد مشاريعه التطويرية لشراء طائرات جديدة، وتأجير طائرات بشكل عاجل تخدم الكويت، في حين اعتدنا سماع المصطلح في الدول ذات الأنظمة العسكرية والدكتاتورية.

ولا يعني ظهور المصطلح أنه أمر جديد، بل هو قديم المعنى قدم وجود المجتمعات الإنسانية، بمسميات مختلفة، وتظهر وتختفي بحسب استمرار قوة تلك السيطرة العميقة على مقدرات البلاد، فقد تكون عسكرية أو اقتصادية أو دينية، وهي موجودة في جميع دول العالم القديم والحديث بأشكال مختلفة.

ولا ينحصر المعنى في الدول فقط، إنما في الأحزاب والتيارات السياسية والقبائل والعوائل والشركات الكبرى، التي غالبًا يديرها «الحرس القديم» لأن عندهم الخبرة والتفاصيل الدقيقة والعلاقات المتجذرة وكثير من الأسرار، إضافة إلى التمويل.

ولكن.. هل يمكن تفكيك هذه الدولة العميقة أو السيطرة العميقة؟!

أثبت التاريخ أنه لا يوجد شيء دائم، فكل دولة أو قوة لها عُمْر محدد وإن طالت ظاهرًا، وهذه سنة الحياة، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، ولقصر أعمارنا فإننا نراها طويلة، خصوصًا إذا ارتبطت السيطرة بأشخاص محددين، فبزوالهم تزول السيطرة والسلطة.

لذا.. تجاوزت العديد من الدول العميقة مركزية القرار، وأسست لها مطابخ تدير العمل مستعينة بمراكز دراسات وهياكل تنظيمية وإدارية وإشرافية أخطبوطية، قد لا يعرفون بعضهم بعضًا، وجعلوا لهم واجهات متعددة من رؤساء حكومات وقيادات عسكرية، ورموز سياسية واقتصادية واجتماعية، وحتى حكام وملوك، لذلك لا غرابة أن نجد تصريحات رؤساء دول غربية كبرى بوعود وإنجازات سياسية وعسكرية وغير ذلك (إغلاق جوانتانامو نموذجًا)، ثم لا يتم تنفيذها لأن المطبخ (الدولة العميقة) لا يريد ذلك، ويستخدم كلام الرؤساء والأحزاب للاستهلاك الإعلامي، والضغط والابتزاز السياسي والاقتصادي.

أذكر في إحدى الوزارات أن الصراع بين الوكلاء المساعدين كان على أوجه، كل يريد فرض سياسته ورأيه، ويطعنون ببعضهم البعض، ما أدى لتعطل كثير من الأعمال، فلما تم تعيين وزير قوي (بلدوزر) وأراد الإصلاح، اتحد الوكلاء المساعدون ضده، وأصبحوا متفقين في تعطيل قراراته -وهو الوزير- بأساليب سخيفة ومستفزة، والوكيل ضايع بينهم، حتى اضطر الوزير لأن يستقيل.

وما ذلك إلا أحد نماذج الدولة العميقة المبسطة، التي ستزول بزوال الوكلاء المساعدين، ولكن سيأتي غيرهم.. وهكذا هي المستويات.

طيب.. هل ممكن تكون الدولة العميقة إيجابية ومفيدة؟!

الجواب.. نعم، ممكن تكون الدولة العميقة إيجابية ومفيدة لو حسنت النوايا، وتحققت «العدالة»، التي هي بلا شك مفقودة في العالم أجمع، فكل الحرس القديم في الأحزاب والتيارات يعتقدون أنهم يحاولون تحقيقها، إلا أن قدراتهم لا تستطيع تحقيق العدالة لوجود أطراف نزاع متعددة تختلف بالرأي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر نفتقد العدالة في التعيينات الوظيفية، والتسهيلات الائتمانية والتمويلية والتشغيلية، وتجد وظيفة براتب 800 د.ك، ونفس الوظيفة بمكان آخر براتب 2000 د.ك، وكل حسب واسطته ودولته العميقة.

وتصور نهاية خدمة وظيفة ما 10 آلاف د.ك، ووظيفة أخرى موازية 350 ألف د.ك! وغيرها من نماذج فقدان العدالة غير المحدودة.

وللحديث بقية.

 

______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 06 أكتوبر 2020 12:24

لماذا أحب الناس الشيخ نواف؟

لماذا أحب أهل الكويت صاحب السمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، حتى قبل أن يصبح أميراً للكويت؟ لم تكن هذه المحبة وليدة المصادفة، بل هي تاريخ طويل من المعاملة والعلاقة الطيبة مع المجتمع الكويتي، ولاتسام سموه بصفات إيجابية عديدة، خصوصاً لمن تعامل معه بشكل مباشر، أبرزها التواضع والتواصل والابتسامة.

ولعل أكثر من عرفه أهل منطقة العديلية.. جيرانه وأحبابه، الذين كان يتواصل معهم لأكثر من نصف قرن، ويصلي معهم في مساجدهم التي يذهب إليها أحياناً مشياً، ويسأل عن الكبار، ويحيي الصغار، ولا يفوته واجب فرح أو عزاء إلا وشارك فيه، مقدراً الجميع مهما كان وضعه الاجتماعي والاقتصادي.

وقد ارتبط سموه مع أخويه، المغفور لهما بإذن الله، الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، والأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمهما الله، في كل المناسبات، وخصوصاً في الزيارات الرمضانية، وقد اعتلتهم الابتسامة مع الجميع.

كما أنه لم يتوان في استقبال الشخصيات والرموز والمؤلفين والمبدعين، ويقدم لهم التشجيع المعنوي، وقد التقيت مع سموه أكثر من مرة خلال زيارات رسمية وودية في مقره، وكان ناصحاً وموجهاً وأباً للجميع، ولا أنسى تشجيعه لي عندما أهديته نسخة من أطروحة الدكتوراه، فلنعم الوالد ونعم القائد ونعم الأمير!

وكم يفرح المصلون في العشر الأواخر من شهر رمضان عندما يرونه يصلي معهم في مسجده الذي بناه «مسجد بلال»، ويقرأ القرآن ويدعو بكل تذلل لله عز وجل، وإذا خرج تجده يقود سيارته وحده، ويشتري جميع عربات المرطبات والمثلجات لتوزيعها على المصلين في هذا الطقس الحار، فهو شعور أبوي لأبنائه المصلين!

ويكفيه براً بوالدته أن أطلق قصره العامر باسمها «قصر اليمامة».

واتسم سموه بالخلق الرفيع، فسمعته الطيبة سبقته في كل المحافل، فعرف عنه نظافة القلب ونظافة اليد، وأن سموه لا يعرف الحسد، ولم يدخل في صراعات سياسية أو خلافات فكرية، وتعامل مع الجميع بمسطرة واحدة، فالكل أمامه أبناء الكويت، ويستحقون الاهتمام والتقدير، وهو رافض بشدة لكل أشكال الفساد.

وانتقلت هذه الخصال الطيبة لأبنائه الأربعة، الذين لم نسمع عنهم إلا كل خير، ولعلي التقيت ببعضهم مصادفة، ورأيت فيهم خيراً كثيراً بإذن الله، فهم نتاج تربية طيبة من بيت طيب نظيف.

وجاء في الأثر: «إذا أحب الله عبداً، جعل محبته بين عباده»، وهذه المحبة تلقائية وطبيعية دون تكلف أو مصلحة، فكان استقبال الناس لخبر توليه مسند الإمارة بكل ارتياح وسلاسة، ورأينا كم ارتفعت أكف الدعاء له من كل مكان، بأن يوفقه الله عز وجل ويسدد على الخير خطاه، على المستوى المحلي والدولي.

أبارك لصاحب السمو الأمير الشيخ نواف الأحمد هذه الثقة الشعبية والدولية الكبرى، التي جاءت عن استحقاق، فقد وصلتني شخصياً عشرات رسائل التهنئة من شخصيات ومؤسسات خارجية تبارك تولي سموه الإمارة، وتثني عليه وتدعو له، وأسأل الله عز وجل أن يحفظه ويسدد على الخير خطاه، فالكل ينتظر منه الكثير من أجل الكويت، في مرحلة مهمة وحيوية، مع إخوانه وأبنائه من الأسرة الحاكمة والوزراء والوجهاء والحكماء والشعب كافة، وسيكون بإذن الله خير سلف لخير خلف، فإنا أحببناك يا بوفيصل.

 

______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

فقد العالم العربي والإسلامي والدولي زعيما عالميا على المستوى السياسي والإنساني، فبوفاة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، سيفتقد الجميع قائدا إنسانيا وحكيما عاقلا ومصلحا سياسيا قلما تجد مثله.

عاش حياته في خدمة العالم والإصلاح بين المتخاصمين، من أي عرق أو دين، فكان وسيط خير بين عدة دول وحكام، واستطاع الخروج بأمان في منطقة تموج بالصراعات السياسية.

استوعب نشأة القضية الفلسطينية منذ بداياتها، حتى تأسست منظمة التحرير في الكويت، ومازالت الكويت رائدة الدفاع عن المسجد الأقصى بشهادة الجميع.

وكانت له أدوار في حل الكثير من الخلافات العربية ـ العربية، وأثمرت جهوده توقيع عدة اتفاقيات سلام بينها.

كما ساهم في جهود وساطة كبيرة لحل قضية المطالبة الإيرانية بالبحرين، وانتهت باستقلال البحرين عام 1971م.

وشارك في جهود تسوية الصراع المسلح الذي اندلع بين الجيش الأردني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970م، كما سعى عام 1971م إلى حل النزاع بين باكستان وإقليم البنغال، وترأس اللجنة السداسية لتحقيق التوافق للأطراف المتنازعة في الحرب اللبنانية الأهلية عام 1988م.

ورغم الاحتلال العراقي الغاشم للكويت عام 1990م، وتحريرها عام 1991م، إلا أنه لم يخلط الأوراق، وانتصر للشعوب البائسة دائما، وقدم المساعدات المالية للشعب العراقي، وأعاد العلاقة مع دول الضد للم شمل الصف العربي الممزق، متحملا كل الآثار السياسية.

وكانت له أدوار في الإصلاح بين دول مجلس التعاون الخليجي وبعض حالات التجسس بينها، للمحافظة على هذا البيت العريق، وبرزت تحركاته المكوكية في الخلافات السعودية ـ الإماراتية ـ البحرينية مع قطر، في أجواء حرجة سياسيا وأمنيا وحصار اقتصادي، رغم كبر سنه ووضعه الصحي، وفعلا سيفتقده زعماء الخليج.

نعم.. لقد وضع للكويت موقعا سياسيا على مستوى العالم بتحركاته للتقريب بين الخصوم، وإصلاح ذات البين.

أما على المستوى الإنساني، فقد كان سباقا في مساعدة دول العالم قاطبة إغاثة وتنمية، حتى تجاوز عدد الدول التي قدمت لها الكويت مساعداتها 100 دولة، استحق على إثرها لقب «قائد العمل الإنساني» من الأمم المتحدة، واستضافت الكويت في عهده عدة مؤتمرات للمانحين لدعم الوضع الإنساني في سورية لثلاث دورات متتالية، إضافة للسودان والعراق، ودعم المشاريع المتوسطة للشعوب العربية، والتبرع بمئات الملايين من الدنانير، إضافة لعشرات حملات الإغاثة من الفيضانات والزلازل والحروب.

رحم الله الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت الراحل الذي ستفتقده الأمة قاطبة، والذي ترك بصمات سياسية دولية لن ينساها أحد، نال على إثرها عشرات الأوسمة، التي هي في النهاية باسم الكويت.

 

 

______________________________________ 

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 29 سبتمبر 2020 15:12

تخضير «المطلاع وفيلكا»

بدأت بوادر مدينة المطلاع السكنية بالظهور، وإلى حين استكمال توزيع البيوت والقسائم السكنية والمرافق المتعددة، وكما انتهت الحكومة من إنجاز البنية التحتية، فينبغي لها الاستعجال بزراعة المنطقة وتخضيرها من الخارج والداخل لمواجهة موجات الغبار المتوقعة طول العام كما حصل لمدينة الجهراء قبل 50 سنة والتي أحيطت بمزارع الأثل آنذاك بأرخص الأسعار، وسقايتها بماء المجاري، فكانت مصدات طبيعية للرياح الشمالية والغبار الشديد، ومكانا يرتاده الشباب فجرا لصيد الطيور، وتزوره الأسر ظهرا للغداء والترويح فيها، فضلا عن كونها معبرا طبيعيا للطيور المهاجرة.

وجميل أن تستعجل الجهات المختصة بزراعة المنطقة المحيطة بالمطلاع بالأثل والسدر والنخيل بشكل منظم، وسقايتها بمياه المجاري المعالجة، وتكوين البحيرات الصناعية، لتلطيف الأجواء وتبريدها، وتشكيل محميات طبيعية يستمتع بها الناس.

كما ينبغي الاستعجال بتوفير المرافق الدائمة والمؤقتة لهذه المدينة الكبرى، من مراكز صحية وأمنية وأسواق مركزية منوعة ومطاعم، وخدمات صيانة وكراجات ومحلات البناء وغيرها، لأن أقرب مدينة لهم هي الجهراء، وسيتسبب نقص المواد والعمالة في تأخر الإنتاج وارتفاع الأسعار.

ومن المدن التي ينبغي الاهتمام بها جزيرة فيلكا، فهي للأسف مهملة لولا شركة سياحة مشكورة أنشأت فيها شاليهات لطيفة ومحلات بسيطة، اهتمت لفترة بها لولا الظروف الأخيرة.

فمن المناسب أن تقوم الحكومة من خلال إحدى شركاتها باستثمار جزء من الجزيرة بالزراعة بالتنسيق مع اتحاد المزارعين، وبتمويل من الأمانة العامة للأوقاف بزراعة 100 ألف نخلة منوعة بشكل تدريجي، يكون نصفها للثمر (بلح)، ونصفها للقاح (فحل)، وفق دراسة علمية ومهنية، ومعروف أن الجزيرة رطبة، وممكن استخراج مياه جوفية تكفيها، وعموما فالنخيل قليل الحاجة للماء.

ويتم عمل مصنع لتعليب وصناعة وكبس التمور بأحدث الأجهزة، ومن ثم تسويقها داخل وخارج الكويت، وأيضا مصنع لماء اللقاح كما هو الحال في البحرين والاحساء وغيرها، وهذه سوقها رائج، وسهل وبسيط ورخيص، إضافة للاستفادة من باقي مخرجات النخيل.

وستكون المنطقة رائجة بالمستثمرين والسياح اليوميين، وسيكون لها مردود مالي للدولة وللأوقاف.

إن تخضير مدينة المطلاع وجزيرة فيلكا مشروعان استراتيجيان، يمكن إشراك القطاع الخاص بتمويلهما وإدارتهما لو تم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، دون صراع المتنفذين، ودخول الحسد بين الكبار، فهل من مبادر؟

 

_________________________________________ 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

كلما جلس في الديوانية انتقد العمل الخيري، فلما تقاعد ارتبط بمؤسسة خيرية، وبدأ يفتخر بأن عملهم داخل الكويت وينتقد الجمعيات الأخرى، ثم انتقل عملهم خارج الكويت وهو يتفاخر بإنجازاتهم الخارجية، وبعد سنوات أصبحت مؤسستهم معتمدة لدى الأمم المتحدة.

هذا وأمثاله كثيرون، ينتقدون العمل الخيري متأثرين بالإعلام السلبي المعاكس، دون تثبت أو دليل، أو من باب إذا خاصم فجر، رغم ما نراه من زيادة في أعداد الجمعيات والمبرات واللجان الخيرية والتطوعية، ورغم ما نشاهده عيانا من إنجازات محلية وعالمية بحسب التخصص، وإشادات دولية بالعمل الخيري الكويتي، حتى منح صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد لقب «قائد إنساني عالمي»، والكويت «مركز العمل الإنساني».

يضم العمل الخيري الكويتي جميع أطياف المجتمع، ففيه المؤسسات الحكومية والأهلية والفردية، وفيه جميع التيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وفيه الرجال والنساء، والمتقاعدون والشباب والصغار، وفيه التنوع بين الإغاثة العاجلة والحملات الاستراتيجية، كما يركز على التنمية البشرية وكرامة الإنسان، ويهتم بالتعليم والمهنية والعلاج وتشغيل العاطلين، وبناء البشر قبل الحجر، وإقامة المشاريع المستدامة، حتى أصبح العمل الخيري الكويتي مرجعا للعديد من المؤسسات الإنسانية الدولية.

كفل أهل الكويت خلال نصف قرن ملايين الأيتام حول العالم، وبنوا عشرات الآلاف من الآبار والمساجد، وآلاف المراكز الصحية والمساكن الصغيرة، ومئات المدارس والكليات والمعاهد المهنية والمزارع والوقفيات، إضافة إلى المشاريع الزمنية مثل إفطار الصائم في رمضان، والأضاحي، والإغاثات العاجلة عند الزلازل والفيضانات والمجاعات وغيرها، فيا لها من إنجازات يفتخر بها كل فرد.

كما استضافت الكويت عدة مؤتمرات للمانحين لعدة دول، بالتعاون مع الأمم المتحدة، وهي من أكثر دول العالم التزاما بصرف ما تعلن عنه دون خصومات إدارية.

ومن المؤسف أن هناك من ينتقد مؤسسات محددة بعينها دون دليل، مما يؤكد الخصومة الشخصية، ويتمسك بأخطاء فردية وبشرية، رغم أن أبناءهم وأصدقاءهم أعضاء فيها، ورغم دعوتهم للاطلاع على الدفاتر والتقارير المعتمدة من وزارتي الشؤون والخارجية ومكاتب تدقيق محاسبية دولية، ودعوتهم للمشاركة في حملات التوزيع المحلية والمشاريع الخارجية، والشهادة الإيجابية لكل من سافر معهم من رجال أعمال وصحافيين وإعلاميين وكتاب وفنانين ورياضيين.

وأعجبني عدم تأثر الناس بهذه الاتهامات الباطلة، واستمرارهم بدعم العمل الخيري الكويتي المتميز محليا ودوليا، وظهور اتحاد يجمع الجمعيات والمبرات الخيرية برئاسة العم خالد العيسى الصالح، حفظه الله، ومركز دراسات خيرية كويتي «فنار» برئاسة د.خالد الشطي، وممثلا للعمل الإنساني الكويتي في الأمم المتحدة د.عبدالله المعتوق، واضعين نصب أعينهم كلمة سمو الأمير «العمل الخيري تاج على رؤوس الكويتيين».

عندما قدمت البرنامج التلفزيوني «سفراء الخير» اكتشفت حجم العمل الخيري الكويتي الكبير بأشخاصه الكرام، وأعماله المتعددة، وشعرت بمزيد من الفخر والاعتزاز بهذا الوطن المعطاء، وتأكد لي أن «العمل الخيري صناعة كويتية» فكرا ومنهجا، يشترك فيه التجار والشيوخ والإسلاميون والليبراليون وكل فئات المجتمع، دون هدف مادي أو إعلامي سوى رضا الله عز وجل.

احتار الحساد في نقد العمل الخيري، فقالوا «يا أحمر الخدين»، ولم أجد تفسيرا لانتقاد القليل للعمل الخيري سوى الغيرة، وصدق من قال «عذروب خلي حسنه الفتان»، فقليلا من العدل معشر النقاد، وارحموا العمل الخيري من ظلمكم، ووجهوا سهامكم لمن حارب الخير والوطن.

 

 

___________________________________________ 

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 15 سبتمبر 2020 12:22

لا تتركوهم بعدما كبروا

أنهت وزارة الصحة قبل بضع سنوات عمل طبيب وافد استشاري وحيد في تخصصه بقانون العمر، فعاد إلى بلده وشعروا بمشكلة كبرى لهذا النقص، فأعادوه باستثناء بعقد خاص براتب أعلى من قبل، وما زال على رأس عمله بكل إخلاص.

وتكرر الأمر مع عدة أطباء أنهيت خدماتهم بسبب العمر، فاتجه بعضهم إلى القطاع الخاص، وخسرنا خبراتهم، واستفاد ديوان الخدمة المدنية من هذه التجربة، وصدرت تعديلات العمر والعقود الخاصة، التي شملت أساتذة الجامعة والقضاء.. وغيرهم.

وتتكرر الأمور مرة أخرى اليوم بقرارات إنهاء الخدمات لعموم الموظفين الوافدين بالدولة للعمر، بسبب ردود فعل شعبية، دون دراسة متأنية بربط الحاجة أو الخدمة، أو الوضع النفسي والاجتماعي والإنساني لهم، فلكل واحد منهم ظروفه وحكايته، فلا تعمموا القرار بلا حدود.

كنت عائداً قبل 30 سنة من إحدى الدول العربية، فتحاورت مع الجالس بجانبي، فقال: إنه نشأ في الكويت منذ كان طفلاً صغيراً مع والده، ولم يذهب لبلده منذ 20 عاماً، فلما ذهب في إجازة لبلده لم يستطع البقاء هناك أسبوعين وعاد مباشرة للكويت بهذه الرحلة، فقلبه معلق هنا، وهذا شأن عشرات الآلاف ممن نشؤوا هنا وعاشوا في كنف الراحة والأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي في الكويت، ويتمنون الموت على أرضها.

وأعرف شخصاً أصيب بجلطة دماغية بسبب إنهاء خدماته بعد عمر 70 سنة، حتى توفي.

نعم.. أصبحت قلوبهم معلقة بالكويت صدقاً ومحبة، ولا يلامون في ذلـك، فلا تتركوهم بعدما كبروا وعشقوا هذه الأرض التي هم على استعداد للبقاء فيها ولو على الخبز والشاي.

وأقصد هنا العمالة الوسطى والدنيا، ولست معمماً على جميع الوافدين، ولكنني أتكلم عمن قدم خدمات تجاوزت 30 عاماً أفنى فيها زهرة شبابه في العمل في خدمة الكويت، مع حسن سيرة وسلوك، وغالباً لن يجدوا وظائف جديدة تناسبهم بعد الستين، فالكل يبحث عن الشباب، ولديهم من الخبرات التي تفيد أعمالهم، فلا نهملهم في شيبتهم بعد أن أخذنا شبابهم.

وكثير من الناس يحتفظون بخدمهم الكبار بالبيت دون عمل تكريماً لخدمتهم الطويلة، وكذلك بعض المسؤولين الذين ينقلون إقامة بعض الموظفين بعد تقاعدهم تكريماً لهم.

رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شيخاً ذمياً يسأل الناس، فسأله: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل به إلى خازن بيت المال، وقال له: «انظر هذا وضرباءه فضع عنهم الجزية، فوالله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم»، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم وضع عنه الجزية وعن ضربائه.

فلا أقل من السماح لأولئك الوافدين ممن تجاوزت خدمتهم 30 عاماً، أو ولدوا بالكويت، والراغبين بالبقاء في الكويت بمنحهم إقامة دائمة، باشتراطات أمنية محددة، أهمها عدم الشحاذة، ودفع الرسوم الصحية والإدارية المطلوبة، أو الالتحاق بعائل كأبنائهم وأقاربهم من الدرجة الأولى، أو البحث عن بدائل تكرمهم ولا تهينهم «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فلا تتركوهم بعدما كبروا.

الكويت بلد الإنسانية، فلنبدع في ذلك قدر المستطاع، مع حفظ الأمن والأمان لبلدنا الحبيب.

 

_______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

قد نستغرب تفوق أناس على آخرين في مجال دون آخر، كيف تفوقوا وتميزوا دون أقرانهم؟ هل هي تربية أم وراثة أم تعلم؟ هل هي خبرات أم قدرات أم مهارات أم ملكات؟ وهل يمكن اكتسابها؟ الجواب: «إنما العلم بالتعلم».

سأركز هنا على أمرين، الرسم والتعبير، فبداية أي طفل التقليد، فلنبدأ أولًا بتعليمه كيف يمسك القلم الرصاص، ويبدأ بالشخابيط على أي أوراق مستعملة حتى يألف القلم والورقة (بدل الحائط)، ثم نعلمه الخطوط المستقيمة والدوائر واستخدام ألوان الرصاص، والوالدان يشاركانه التدرج، هنا يبدأ تشكيل «الخيال» لدى الطفل، ويرسم رسومات غريبة بالنسبة لنا، لكنها تمثل شيئًا كبيرًا بالنسبة له، فاقبلوا خياله مع التوجيه.

سيتدرج أداؤه كلما كبر في السن وسيزيد خياله، سيرسم السمك وسط البحر، والعائلة داخل البيت، وهكذا حتى يكبر وخياله يكبر معه، وكلما كبر خياله زادت قدراته التحليلية والتخطيطية، فإما أن يعشق الرسم ويأخذ هذا الاتجاه.. وهم قلة، أو في حده الأدنى ما نرسمه على الأوراق عشوائيًا في الاجتماعات والمحاضرات.

ويمكن الاستعانة ببرامج من الإنترنت لتعلم الأطفال التدرج في الرسم، وفق أعمارهم تحت إشراف الوالدين.

ولا مانع من الرسم عبر الأجهزة الرقمية الحديثة تدريجيًا، وعدم الاعتماد عليها كليًا حتى أعمار معينة، كي لا يفقد الحس اليدوي للرسم.

سيتعلم مع النمو الكتابة، والأحرف عبارة عن رسم بشكل آخر.. خط مستقيم ودوائر ومثلثات وأقواس.. إلخ، فإذا تعلم الرسم بشكل جيد سيكون من السهل عليه تعلم الكتابة، وإذا أحب الكتابة سيحب التعرف على أنواع الخطوط، ولن يتم ذلك إلا بالتمرين والتشجيع والمتابعة.

وسيتعلم بعدها القراءة تدريجيًا، بدءًا من بابا وماما إلى ما هو أكثر، ويأتي دورنا في تنمية معرفته الكلمات والمعاني ولا نستصغره، ونشجعه على قراءة القصص والاستماع لها، وشرح المترادفات إن صادفته، ولا أفضل من الكلمات المتقاطعة.

سنطلب منه بعد قراءة كل قصة أو موضوع ملخصًا مكتوبًا لها، ونطلب منه بعد كل سماع ملخصًا كلاميًا، حتى خطبة الجمعة، ثم نتدرج معه عمريًا بتنمية الكتابة وتحويلها إلى خطابة مسموعة، لتنطلق معه الملكات اللفظية، ولا أفضل من الإذاعة المدرسية في تنميتها.

ننتقل بعدها إلى مرحلة «التعبير»، فنحدد له موضوعًا معينًا ليكتب فيه من معلوماته وخبراته، ونبدأ معه بالبسيط، ونعلمه ونشجعه، ونبين له الأخطاء، ونعزز لديه الصواب، ونحفز البلاغة عنده، واستخدام الأمثال والشعر، وكلما كبر كبرت معه المعاني وتعزز لديه التعبير الكتابي، الذي سيرى أثره لفظيًا عند الكلام مع الآخرين، حيث إنه يمتلك كلمات وتعبيرات لا يملكها غيره، وستتعزز لديه الثقة بالنفس، وهنا نجد الفارق بين القادة والخطباء والمحاورين في قدراتهم التعبيرية من دون ورقة.

وينبغي مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء، فمنهم سريع التعلم والتلقي، ومنهم المتوسط والبطيء، فلا نقسُ عليهم ولكن لنبدأ معهم كل حسب قدراته، فكلٌ ميسر لما خلق له، ولا تنسوا الدعاء لأبنائكم.

 

__________________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 01 سبتمبر 2020 12:22

هل يكون الفاسد حسن النية؟

تساؤل في محله.. هل يكون الفاسد حسن النية؟!

بالتأكيد هناك فاسدون حسنو النية، ولكن هل هذا سبب كافٍ ومسوغ لفسـادهم، أو دعمهم للفساد؟ وهل يوجد في الواقع نماذج لهم؟ سأذكر لكم هذه القصة.

دعت إحدى الشركات مديراً بإحدى الوزارات للعمل معها لإدارة أحد صناديقها الاستثمارية، مستفيدة من خبرته وذكائه براتب مغرٍ، فوافق وباشر العمل معهم، وهو معروف بالصدق والأمانة والإخلاص، وحقق لهم في السنة الأولى أرباحاً هو شخصياً لم يتوقعها، فباع بيته القديم واشترى منزلاً جديداً وسيارة فارهة.. إلخ.

وحقق في السنة الثانية ضعف الأرباح السابقة، فحدثته نفسه أنه هو سبب تلك الأرباح، وأنه مغبون ومن حقه أن يأخذ نصيبه، فوضع في حسابه بطريقة ما مليون دينار ظاناً أنهم لن يكتشفوه.

استدعاه الرئيس في نهاية السنة المالية، ومعه المحامي، وواجهه بالمبلغ المختلس، فلم ينكر وقال بكل ثقة وتأويل وحسن نية: هذا جهدي، ولولاي لما حققتم تلك الأرباح.

فقال الرئيس: أنت تأخذ على عملك راتباً كبيراً وعمولة، وأخبره المحامي أن التهمة لابسته، فإما يرجع المبلغ أو يحال للنيابة، فاستسلم وأعاد المبلغ واستقال من الشركة، وعاد لوظيفته الحكومية، وانزوى عن الناس، وخسر كل شيء بسبب تأويله الحسن بأنه صاحب حق، مع وسوسة الشيطان، وحينها لم ينفعه الندم.

القصة مركبة لكنها واقعية، ولو راجع كل واحد منا ذكرياته لسمع وقرأ مثلها الكثير، بسبب حسن النية، وكل ذلك جرى دون تخطيط أو سبق إصرار وترصد، وإنما بتأويل ساذج.

ومن النماذج القصصية الشهيرة في حسن نية الفاسد «روبن هود» الذي يسرق المال من الإقطاعيين، ويوزعه على الفقراء، والناس تتعاطف معه رغم أنه فاسد، لكنه في النهاية سارق.

وأستذكر هنا الرجل الذي أحضر صدقة البادية، فلما قدم ومعه زكاة الماشية قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: "ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" (الحديث).

هذا الرجل كان حسن النية (أهدي لي)، ولكن فعله فاسد، ومثله كثير في حياتنا اليومية.

وردت كلمة «فسد» ومشتقاتها في القرآن الكريم 25 مرة، وهي موجودة منذ بدء الخليقة، فما علينا سوى الحذر أن يصيبنا من شررها ولو قل، وعلينا أن نربي أبناءنا على الانتباه للتأويلات السلبية، التي هي مصدر الفاسد حسن النية، الذي سيستغله الآخرون من الفاسدين الحقيقيين، فيقع فيها ويخرج منها الآخرون، وحينها لا ينفع الندم ولا حسن النية ولا التأويل الحسن، والضحية هو المجتمع والوطن.

 

________________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 29
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top