د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جاءت دعوة الدين الإسلامي مكملة لمكارم الأخلاق، وداعية إلى بث كريم الخصال وطيب الأعمال في نفوس المسلمين، ومن أهم ما حرصت عليه تلك الدعوة المباركة غرس روح التسامح والرحمة والتواضع والعفو عن الناس. 

وتوضح هذه القصة الواقعية مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد رحمه الله تعالى، والتي تبدأ أحداثها في بداية السبعينات من القرن العشرين عندما فكر عبدالمحسن السعد بخوض المجال التجاري، فقرر تأسيس شركة لبيع الأجهزة الإلكترونية وذلك بمشاركة أحد الوافدين العرب، وبالفعل أسس الشركة واستورد البضائع اللازمة وشملت العديد من الماركات العالمية المعروفة، ومن سماحة التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد أنه كان من أوائل من تعامل بالبيع بالتقسيط في الكويت، وذلك تسهيلاً على الزبائن، ومراعاة لظروفهم الاقتصادية، وبالمقابل طلب الزبائن كتابة إيصالات أمانة (كومبيالات) تضمن له السداد لاحقاً، فوافق التاجر عبدالمحسن السعد على ذلك الأمر نزولاً على رغبتهم، ورغبة في إتمام العمليات التجارية وحصولهم على ما يشاؤون من البضاعة والأجهزة لديه دون تكلف أو حرج.

وهكذا ظهرت سماحة التاجر عبدالمحسن السعد من خلال هذا التعامل السهل السمح واليسير مع الناس، حيث أنه من جميل ما عرف عنه أيضاً في هذا الجانب عطفه ورأفته بعماله ومستخدميه، فكان لا يكلف أحداً من عماله أكثر مما يطيق، بل إن معظم أعماله كان يقوم بها بنفسه، وكان إذا كلَّف أي عامل بالعمل بمنزله للقيام ببعض الأعمال البسيطة في المنزل كان يقدم له الطعام قبل أن يأكل، ويتأكد من إكرامه، بل إنه كان يقدم له الطعام بنفسه قبل أن يتناول هو طعامه، وهذا من كريم أخلاقه ونبل طباعه.    

ومن حسن نية التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد وفرط ثقته بشريكه الوافد فقد ترك له الأمور المالية بالشركة، وقد أساء هذا الوافد استغلال تلك المعاملة الحسنة فسرق أموال الشركة وفر هارباً إل بلاده، وبعد هذه الحادثة الأليمة قرر التاجر عبدالمحسن السعد رحمه الله تعالى تصفية نشاطه التجاري.

وفي يوم من الأيام تذكر التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد إيصالات الأمانة المحفوظة عنده في الخزينة، والتي كانت قد دعت إليها الحاجة عندما كان يبيع بضاعته بالأقساط، ومن نيته الصالحة وحسن حظ هؤلاء المعسرين أنه عندما تذكرهم وتذكر الكومبيالات المحفوظة لديه عليهم، قال في نفسه: "إذا كنت أرحم ضعف هذه القطط وأرأف بحالهم، فما بال هؤلاء المستضعفين الذين أهلكتهم الديون والقروض، إنهم والله أولى بإسقاط تلك الديون عنهم، وأن تبرأ ذمتهم منها أمامي وأمام الله عز وجل"، ومن جميل المقادير أنه كان حينها يشوي السمك في فناء بيته لحظة أن تذكر تلك الإيصالات، فقام على الفور وأحضر الإيصالات من الخزينة، وأشعل بها النار واستخدمها مع الفحم لشوي ما تبقى من السمك.

وهكذا ضرب التاجر عبدالمحسن عبدالله السعد رحمه الله مثالاً واقعياً يحتذى به في السماحة والتواضع والإحسان إلى الناس والتسامي عن حظ الدنيا وإن كان من حقه ، فآثر التسامح عن حقه والعفو عن المعسرين وأصحاب الديون عن مطالبتهم وإثقال كاهلهم، بل إنه فعل ذلك بوازع إيماني منقطع النظير، وبروح الفضل والجود التي لا تساويها أموال ولا كنوز الدنيا.

وهكذا كان حال الكثير من آبائنا من أهل الكويت الكرام وتجار الكويت كذلك، فقد تواترت القصص العجيبة التي تحكي مآثرهم وتوضح تسامحهم وتواضعهم وحسن معاملتهم للناس كافة، فغلب عليهم الزهد في الدنيا والرغبة في الإحسان إلى الناس، كما ظهرت عندهم روح العفو والصفح عن جميع الخلق، فضربوا أروع الأمثلة في الطهر والنقاء وصفاء القلب، وتعددت محاسنهم وذكر الجميع مآثرهم.

WWW.ajkharafi.com

لاشك أن من يؤتى الحكمة ورجاحة العقل فقط أعطي خيراً كثيراً، والدليل على ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى في كتابة العزيز ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً﴾ (البقرة: 269)، وذلك لأن الحكمة في ترزق صاحبها الخير الكثير، ومن ذلك الخير الكثير أنها تميزه بالصبر، وتمنحه الوقار، وتجلب له الرضا والسعادة.

وتوضح هذه القصة الواقعية التي أوردتها في كتابي "عائلة العثمان مدرسة السفر الشراعي في الكويت ص 179 – 187" مثالاً ونموذجاً لصاحبها النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان رحمه الله، وتبين حكمته وسعة صدره ورجاحة عقله.

وتبدأ قصة الشاب عبداللطيف العثمان مع القيادة والملاحة البحرية عندما أتم الثامنة عشرة، حيث أصبح حينها نوخذة يقود سفينة صغيرة للقطاعة في الخليج العربي، ويرجع الفضل الأول في تدريبه وتعليمه فنون الملاحة البحرية وقيادة السفن إلى خاله النوخذة عبدالعزيز بن عثمان رحمه الله الذي تبناه ورعاه أفضل رعاية حتى اطمأن أن تلميذه أصبح قائداً ماهراً فسلمه قيادة سفنه "موافج" و"تيسير" ولعل رحلات النوخذة عبداللطيف على البوم "تيسير" من الرحلات التاريخية الموفقة، فقد قاد هذه السفينة بكفاءة ومهارة، ووصل بها إلى معظم موانئ الهند الغربي، وكان خلال رحلاته هذه يدرب أقاربه فنون الملاحة وقيادة السفن الشراعية، حتى أصبح هؤلاء من نواخذة الكويت المتميزين، وكانت السفينة "تيسير" مدرسة آل العثمان البحرية الذي اشتهر اسم عائلتهم الكريمة بين أهل الكويت باسم "العثمان النواخذة" تمييزاً لهم عن بقية العائلات الأخرى المشتركة معهم باسم "العثمان".

يصف المرحوم عبداللطيف محمد ثنيان الغانم النوخذة عبداللطيف العثمان بأنه "رجل حكيم ومتأن وذو شخصية متميزة"، ويصف الأستاد (بالدال) صانع السفينة الخشبية، علي عبدالرسول النوخذة عبداللطيف بأنه "حكيم ويحرص على سلامة البحارة والسفينة، ويقود سفينته بتعقل ومهارة"، كما يصف أحد بحارته أخلاقة بأنها طيبة، "فإذا ما أراد أن يصدر أمراً بتغيير اتجاه الشراع (الخايور)، فإنه يقف أمام "القائم" ثم "يتنحنح" وكأنه يستعد للكلام فيعرف البحارة ما يريده ويستعدون للعمل، فلا هو ممن يكثر الكلام والمزاح، ولا هو ممن يحيط نفسه بعزلة عن البحارة"، وهو نوخذة ومعلم يعرف أصول الملاحة وأسرارها.

ويروي هذه القصة النوخذة عبداللطيف العثمان رحمه الله، في المقابلة التلفزيونية التي أجريت معه عام 1966م، وفيها ما يدل على أنه راوية جيد للتاريخ ومحدث لبق يجيد فنون الحوار فيقول: "كنا في طريق عودتنا من أحد رحلاتنا البحرية مع صديقي محمد ثنيان الغانم، فالتبس الأمر على قبطان الباخرة، وهو بالقرب من البحرين، فلاحظت ذلك وهمست في أذن صديقي محمد ثنيان، فما كان من محمد ثنيان إلا أنه أرسل من يقول للقبطان أنه مخطئ في مساره، ولما وصل التحذير للقبطان أرسل في طلبي شخصياً، وعندما تحدثنا معاً أدرك القبطان أنه مخطئ، وثبتت صحة ما قلته له بعد ذلك".

يضيف النوخذة عبداللطيف أنه لم يكن بوده أن يتدخل في شؤون القبطان، لكن صديقه محمد ثنيان أصر على ذلك وطلب منه أن يذهب للقبطان للتباحث بهذا الشأن.

وهكذا ضرب النوخذة عبداللطيف سليمان العثمان مثالاً رائداً يحتذى به في الاحترام واللياقة والأدب، والذكاء والفراسة الممتزجين بالحكمة والتواضع، وهكذا كان ديدن أهل الكويت الكرام في ذلك الوقت، كانوا أصحاب حكمة وتواضع، وأصبحوا قدوة حسنة يحتذى بها في حسن التعامل وطيب المعاشرة.

رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته. 

 WWW.ajkharafi.com

إن الدِّين الإسلاميُّ هو الدِّين الخاتم الصالح لكلِّ زمان ومكان، ومن ثم فالنِّظام الاقتصاديُّ في الإسلام نظامٌ ربَّانيُّ المصدر، فالوحي الإلهي - ممثلًا في القرآن والسُّنة - هو مصدر هذا النِّظام، ويأتي بعد ذلك مصادر التَّشريع الأُخرى كالإجماع، والقياس، والاجتهاد، كما أن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية فيها من المرونة ما يجعلها تتَّسع للأساليب المختلفة، والوسائل المتجدِّدة، التي تحقق النفع للناس، وتوفر سبل الخير لهم، والمتأمل والمدقق لهذا الدين العظيم يجد أنه جاء بمنهج شامل لعلاج كل المشكلات والأزمات، وعلى رأسها المشكلات الاجتماعية والاقتصاديَّة.

ومن أهم مميزات النظام الاقتصادي في الإسلام الجَمْعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّطَوُّرِ؛ ففي الاقتصاد الإسلاميِّ "أمور ثابتة لا تتغير مهما تغيَّر الزَّمان والمكان، كالأصول الاقتصاديَّة الَّتي وردت بنصوص القرآن والسُّنَّة، وهناك أمور متطوِّرة، وهي كيفيَّة إعمال وتطبيق هذه الأصول الإلهيَّة بحسب متطلِّبات الزَّمان والمكان مُحَمَّد شَوْقِي الفَنْجَرِيُّ – "المذهب الاقتصاديُّ في الإسلام" (ص 95).

كما يتميَّز نظام الاقتصاد الإسلاميُّ عن غيره من الأنظمة المختلفة بعدَّة خصائص فريدة ومتميِّزة تجعله صالحًا لكلِّ زمان ومكان، ومن أهم هذه الخصائص المرونة والابتكار وإتاحة الفرصة للإبداع والتجديد، ما دام ذلك في حدود الشرع والدين، فنجده كذلك يوازن بين المصلحة الخاصَّةِ، والمصلحة العامَّةِ "فكلٌّ منهما في نظر الإسلام أصلٌ يُرَاعَى" مُحَمَّد شَوْقِي الفَنْجَرِيُّ – "المذهب الاقتصاديُّ في الإسلام" (ص 97).

وتوضح هذه القصة الواقعية من كتابي "الباذل بصمت ناصر عبدالمحسن السعيد مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر ناصر عبدالمحسن السعيد رحمه الله (ص 46)، وتبين حنكته ورجاحة عقله، وكيف أنه كان مبدعاً على المستوى الاقتصادي، وصاحب نظرة ثاقبة للمستقبل القريب والبعيد.

وتبدأ قصة التاجر "عندما بلغ سن الرشد وأحس بالمسؤولية تطلع إلى فرصة عمل مناسبة يستقل فيها بنفسه، فدخل في أواسط العشرينيات من القرن الماضي (وكان في حوالي العشرين من عمره) مجال الغوص على اللؤلؤ، وخاض لجج البحار، وواصل الليل بالنهار ليثبت نفسه كفاءته وجدارته وينال شرف السعي وراء الرزق الحلال، وكانت تجارة اللؤلؤ رابحة في أواسط العشرينات، فزاول التاجر ناصر السعيد رحمه الله هذه التجارة، وقد منَّ الله سبحانه وتعالى عليه بالرزق الوفير والخير الكثير نتيجة لأمانته وصدقه وكرمه وإحسانه.

وأما عن إبداعه الاقتصادي ذي البعد الاجتماعي، فقد كان التاجر ناصر السعيد رحمه الله صاحب مبادرة اجتماعية لم يسبقه إليها أحد – حسب علمي المتواضع.

فقد ابتكر رحمه الله طريقة جديدة لإيصال ما في يده إلى أبنائه وبناته في حياته، ليتمتعوا بها في حياته، لا بعد مماته، وبطريقة حضارية قل نظيرها، خصوصاً وأن بعض الورثة قد يدب بينهم الخلاف الذي قد يصل أحياناً ومع الأسف إلى المحاكم وينشر في الصحف!

لقد أنشأ رحمه الله شركة تجارية عقارية استثمارية، وضع فيها كامل رأسمالها التشغيلي، ولكنه خصص أرباحها لأبنائه وبناته، بنسبة ميراثهم له إذا توفاه الله سبحانه، أي أنه أوصل إليهم ثروته قبل أن يرحل عنهم، ولكن عن طريق استثمار دائم، ليس محفوظاً من الضياع والتشتت فحسب، بل مضاعفاً عدة مرات بالاستثمار وحسن الإدارة.

لقد ضمن لهم – بفضل الله تعالى وتوفيقه – في حياته مصدراً دائماً من بعده يوفر لهم العيش الرغيد، ويؤمنهم أي اختلاف – لا سمح الله.

رحم الله التاجر ناصر عبدالمحسن السعيد، ذلك المبدع اجتماعياً واقتصادياً رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

 

 WWW.ajkharafi.com

"إنما الصبر عند الصدمة الأولى".. عبارة تربوية خالدة مستمدة من مائدة النبوة الحافلة بكل ما هو مفيد.

فالمسلم يتلقى الابتلاء بيقين واحتساب، ولا يتأثر بشكل انفعالي ثم يندم على سخطه من قدر الله تعالى، وهذه امرأة تُصرع (أي يصيبها داء الصرع فتتكشف بعض الأجزاء من جسدها)، فرد عليها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" (رواه البخاري)، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "لم أعرفك"، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

إن مفاجأة المصيبة لها وقع عظيم على القلب والنفس لا يقوى على تحملها لأول وهلة إلا أصحاب اليقين بالله سبحانه.

وثمة موقف تربوي مؤثر يرويه لي والدي عبدالله حمود الجارالله الخرافي رحمه الله عن خاله عبدالمحسن ناصر الخرافي رحمه الله وقد تربى في بيت قريب من بيته، وشهد مجالس الرجال في ديوانه أيام صباه، وقد نقل لي موقفاً مؤثراً شهده بنفسه حين كان الرجال في ديوانه يتبادلون أطراف الحديث، ويتبادلون الأخبار ويتشاورون في الصفقات التجارية، بل أحياناً يتفقون من الغد على البيع والشراء والتراتيب الإدارية التي يحتاجونها في إدارة شؤون تجارتهم.

ولكن المجلس لا يخلو من بعض وسائل التسلية المباحة وكان إحداها لعبة "الدومينو"، وهي لعبة ثنائية اللعب تحتاج إلى التركيز والحفظ وحسن التدبير في ترتيب الأرقام المسجلة على أظهر القطع الخشبية بعدد النقاط المحفورة فيها من 1 إلى 6.

وذات يوم وهو يلعب "الدومينو" مع أحد أصحابه أتى أحدهم مسرعاً ليبلغه خبراً لكارثة مؤسفة لغرق إحدى سفنه، فاستمر في اللعب مما أدهش الرجل القادم بالخبر، والجالسين في الديوان كذلك، فنبهوه لفداحة الخطب ومقدار الخسارة، فقال لهم واثقاً موقناً بقضاء الله وقدره: "ماذا أصنع؟ السفينة غرقت في عرض البحر، وأنا جالس هنا في ديواني، وهذا أمر الله، وهل أستطيع أن أرد أمره؟ والحمد لله على كل حال، والحمد لله أنها في السفينة وليست بالأرواح"، هكذا بكل يقين واحتساب يقدم التاجر عبدالمحسن ناصر الخرافي نموذجاً رائعاً للصبر عند المصيبة وسرعة وحسن احتواء المصيبة وصبره واحتسابه، فلم يجزع أو يسخط فيحبط أجر الإصابة بالمصيبة.

وفي هذا أسوة حسنة للأجيال الصاعدة من تجار اليوم.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top