د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 15 أكتوبر 2019 10:11

الاحتقان التنموي

يعاني الناس من احتقان تنموي في مختلف المجالات؛ الصحية والتعليمية والخدماتية بشكل عام، ولا يلامون وهم يرون التنمية تسبقهم في بلدان كانت الكويت سبباً في وجودها وتنميتها، ولا يتداولون ذلك من باب الترف الفكري، بقدر ما هو من باب الحرقة على هذا الوطن المعطاء، فالكويت لا تستحق هذا الإهمال والتقصير من البعض؛ مسؤولين وأفراداً ومواطنين ومستهلكين للخدمة، ولا ما يقوم به البعض في التركيز على جانب واحد من التنمية، وهو تنمية جيوبهم، فالكويت أعطتهم الكثير الكثير، فهلا أعطوها اليسير اليسير!

ومما يزيد الناس ضجراً، تضخيم صغار الأعمال، واعتبارها من الإنجازات التي طالما انتظرها الناس، فتقام الاحتفالات والحملات الإعلامية لمشاريع أقل من مستوى مفتتحيها، فيصاب الناس بالإحباط، خصوصاً عندما نرى اجتهادات الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي في ربط صورة إنجاز «مضخم»، مقابل إنجازات ضخمة فعلاً في دول أخرى.

وأثقل ما في هذه الإنجازات تصريحات المدير، عندما يشكر كل مسؤوليه، فيقول: ولم يتحقق هذا الإنجاز إلا بتوجيهات الوزير فلان، ودعم الوكيل فلان، وإسناد الوكيل المساعد فلان، ومتابعة المدير العام فلان، وهكذا، حتى يكاد يأخذ ذلك نصف مساحة التصريح!

وقد يكون الوزير حديث عهد بالوزارة، ولا يعلم شيئاً عن الإنجاز الذي صار لهم سنتين يعملون به، فمن أين جاءت توجيهاته؟!

ويبالغ البعض بالثناء فيقول: «سيدي» معالي الوزير، وكلمة سيدي تقال عند العسكر فقط، فلِمَ هذا التزلف؟!

طيب، لو الوزير أو الوكيل لم يوجهك، ألن تقوم بدورك ووظيفتك ومهامك؟ ألن يتحقق هذا الإنجاز؟ ألن تنظم السير؟ ألن تغلق محلات الأطعمة الفاسدة؟ ألن تمنع المهربين؟ ألن.. ألن..؟!

لست مبالغاً إذا قلت: إن معظم المشاريع المنجزة إنما جاءت بتوجيهات مباشرة من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله، وإلا لما رأينا الجسور الكبيرة ومركز جابر الثقافي، ومستشفى جابر الأحمد، ومركز صباح الأحمد، ومركز عبدالله السالم الثقافي، وغيرها من الإنجازات الكبرى.

نعم، ليس من المناسب أن تتباهى أيها المسؤول بدورك العملي، ويحق لك أن تتباهى بدورك الإبداعي، ولا ينبغي أن تنسب الإنجاز لغير أهله، فالموظفون الشباب الذين تابعوا وعملوا هم أولى بالشكر والثناء.

ومن هنا، أدعو المسؤولين إلى تخفيف حفلات الافتتاح لكل شاردة وواردة؛ شارع، طيارة، مكتب خدمات، تنظيف العباسية.. وغيرها، لأن هذه مرحلة تجاوزناها، ونحتاج إلى قفزة وتميز في الإنجازات، نريد إنجازاً يتحدث عن نفسه، لا يتحدث عنه المسؤول، ونريد مشروعاً يفرح به المواطنون، لا التجار وحدهم يفرحون!

وأخيراً.. لنهتم بالتعليم قليلاً، أساس كل الوزارات والشركات، فمن التعليم تنطلق فرص الإبداع والتميز، ومن التعليم تتفتح الآفاق، ولن يكون ذلك إلا بالاهتمام بالمعلم والمناهج والإدارة، وفي الفم ماء.

 

_____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 08 أكتوبر 2019 12:20

البر بالأب البخيل

 

لا يعد البر بالوالدين أو والديهما منة، بل إنه واجب شرعي أخلاقي اجتماعي، التقت عليه جميع الأديان والأعراف والمجتمعات، لذلك تجد البركة فيمن يبر والديه حتى لو كان قليل الفكر والثقافة والدين.

ومن اللفتات الجميلة في بر الوالدين أن أقام رجل حفل زفاف ابنه في مركز التلطيف الذي يقيم فيه الجد وألبسوه البشت، وأحضروا له فرقة عرضة، وعقدوا الزواج في المركز، فأسعدوا الجد وأسعدوا المقيمين في المركز، فهم هنا اهتموا بوالدهم قبل أن يهتموا بالناس.

ويزيد الأمر إحساناً عندما يكون الأبناء متضررين من أبيهم، أو أن أباهم كان مقصراً معهم، فيقابلون الإساءة بالإحسان، كيف لا وهو والدهم.

وقد لفت نظري بر بعض الأبناء بآبائهم البخلاء، والبخل آفة ذميمة في الشرائع والمجتمعات، ووصف بعض الأقوام والأعراق تاريخياً بالبخل، وكتب الجاحظ فيهم كتاباً لنوادرهم أسماه «البخلاء»، كما أن هناك فرقاً بين البخل والحرص، فالأول مذموم، والثاني محمود إن لم يبالغ.

وهناك البخل والشح، فالأول يبخل على الآخرين، ويعيش صراعاً بين البخل والحرص، والثاني يبخل على نفسه وعلى الآخرين، وهذا لا علاج له سوى هداية الله أو التراب!

والبخيل لا يشعر بأنه بخيل، لأنه يمارس البخل بشكل طبيعي منذ صغره، لأسباب نفسية واجتماعية، إما بسبب الفقر أو الحرمان في فترة ما أو غير ذلك، كما أن البخل درجات، حتى إن بعض البخلاء ينتقدون من هم أشد بخلاً منهم!

ومن نماذج بر الأبناء بالأب البخيل أو الحريص المغالي، أنهم يشترون أشياء غالية لوالدهم (ساعة، قلماً.. إلخ)، ويدفع الأب ربع السعر، ويدعون أنهم حصلوا على خصم خاص، وأحياناً يدفعون كل الفاتورة.

أو يحجزون لوالدهم عند السفر على درجة رجال الأعمال، وفنادق فخمة، ولأنه لا يقبل الدفع المرتفع حتى لو كان من أبنائه، فإنهم يقولون له: إنهم حصلوا على عرض خاص من السفريات، وهم يدفعون الفرق، أما عند الولائم، فإنهم يقومون بكل شيء، سواء من بيوتهم أو مطاعم فاخرة، ويزعمون أنهم حصلوا على أسعار مخفضة، أو أن كل واحد ساهم بشيء ما، كما يشترون له بعض الألبسة والأحذية الراقية ليلبسها عند زياراته ولقاءاته، وغيرها من الممارسات بهدف إسعاد والدهم، وليس تجملاً أمام الآخرين، وتعويضه سنوات الحرمان التي عاشها في طفولته قسراً، وفي شبابه خوفاً، وغالباً سيغير ذلك من سلوك الأب البخيل إيجابياً مع الوقت عندما يعيش الأمن المالي والأمان النفسي والاجتماعي، فنعم البر ذاك.

وفي المقابل، رأيت أبناء لا يهتمون بوالدهم، ويعتبرون أن البخل اختياره، وليس لديهم أي استعداد لأن يدفعوا له من جيوبهم.

تقول إحدى النساء: كدنا ندعو على والدنا بعد وفاته، عندما اكتشفنا أنه يمتلك أموالاً طائلة، فقد ذقنا المر ببخله، وبالأخص أمنا المسكينة التي كانت تطبخ وتنفخ، ثم عندما تزوجنا وأثقلت كاهلنا الديون بسبب صعوبة الحياة، لم يمد يد العون لأحد أبداً!

قد يعذر الفقير بالبخل أو الحرص، لكن الغني ومتوسط الحال لا يعذر، فهو يعيش حياته محروماً هو وأسرته، ويستدعي الأعذار الواهية لعدم الإنفاق (إسراف، توفير، عدم قناعة.. إلخ)، ليكون «حارساً» على المال، ينتظر الناس وفاته.

اللهم إني أعوذ بك من البخل والشح والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

الخميس, 03 أكتوبر 2019 13:35

تقسيم المقسم

 

اهتمت الصهيونية العالمية بتوحيد الجهود الدولية لإسقاط الخلافة الإسلامية، تمهيداً لتفتيت دول العالم الإسلامي، وذلك عندما رأت استحالة قدرتها بذلك وحدها، أو دولة ما منفردة، فقد كان العالم الأوروبي في أوج انتصاراته في حروبه الخارجية، واستطاعت عدة دول مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا وإسبانيا وروسيا وغيرها احتلال عشرات الدول الأفريقية والآسيوية وأمريكا الجنوبية منذ عدة قرون، واختلفت في أسلوب الاحتلال من إبادة واستعباد وفرض الدين المسيحي ولغة المحتل، وبين ترك البلاد للعباد والإدارة عن بعد.

كما انتشرت البعثات التنصيرية والمستشرقون، واستطاعت أن تتوغل في البلاد الإسلامية، وتخترق القيادات السياسية والدينية والفكرية، وكوّنت قاعدة بيانات لتنطلق بعدها لتفتيت تلك الدول بأساليب عدة، ومن خلال رموزهم الوطنية.
وبدل أن تقوم الصهيونية بهذه الأدوار، فقد أوكلتها لتلك الدول الكبرى، لأن الصهيونية لا دولة لها ولا كيان، فكان «وعد بلفور» (وعد من لا يملك لمن لا يستحق)، وخيانة الشريف حسين مع «لورانس»، وغرس مبادئ القومية العربية في مصر وبلاد الشام بغلو غير طبيعي، واتفاقية «سايكس بيكو»، حتى إذا تهيأت الأجواء؛ أسقطت الخلافة العثمانية، وتشرذمت الأمة الإسلامية.
ولتدعيم التفتيت، أُنشئت جامعة الدول العربية؛ لترسيخ القومية العربية، ونسيان الخلافة الإسلامية، ونادى العلماء بإنشاء جامعة للدول الإسلامية دون مجيب، وكان البديل «منظمة التعاون الإسلامي».
وتم احتلال فلسطين، وحرق المسجد الأقصى، وتأسيس حزب البعث (ميشيل)، والأحزاب الشيوعية والاشتراكية من منطلقات عروبية، ونشر العلمانية والليبرالية؛ لتتشرذم القومية العربية بذاتها أكثر وأكثر.
هل اكتفوا بذلك؟ لا.. فهم يخططون ونحن ننفذ.
فقد تم إسقاط الملكيات السابقة باسم الثورات العربية، وكلها بتنسيق العسكر (المنقلبين) مع أوروبا ثم أمريكا، وأسقطت هيبة الأزهر، وأضعفت مؤسسات الدعوة في العالم الإسلامي، وانتشر الجهل، وأُنشئت ديانات جديدة (الأحمدية أو القاديانية)، ودعم العلوية.
وكان الاتجاه التالي نحو تأسيس تيارات إسلامية جديدة، لمواجهة القومية والليبرالية والعلمانية، وضربوا الإخوان بالسلفية، والسُّنة بالشيعة، والعرب بالأكراد والأمازيغ، وطالبان بالمجاهدين الأفغان، وظهور القاعدة وداعش والجامية، وتغير مصطلح العالم العربي إلى الشرق الأوسط.. والحبل على الجرار.
لم تتوقف الآلة الغربية التي تعمل بالوكالة عن الصهيونية العالمية، فتم إسقاط الشاه، واحتلال العراق للكويت، والسيطرة على العراق سياسياً، وأعلنت انطلاق «الفوضى الخلاقة» التي عصفت بالعالم العربي، ثم «خارطة الشرق الأوسط الجديد»، وحروب «الوكالة» في الشام واليمن وليبيا.
وبدأ ما يسمى «تقسيم المقسم»، فبعد تقسيم «سايكس بيكو»، بدأ فصل جنوب السودان بقرار أممي، ودعم غربي، في حين أن قضية كشمير ظلت معلقة إلى الآن، ودارفور بالانتظار، والحبل على الجرار.
لقد وصلت مرحلة الانقسامات إلى العنق، وأي انقسام قادم سيكون إلى الأسوأ، لأنه سيكون ذا قاعدة قومية عرقية قبلية دينية مذهبية، تلك الأمور التي يلعب على أوتارها الاحتلال البارد، ويطبقها بنو جلدتنا بالوكالة بكل فخر، متناسين مصير الشريف حسين الأخير!
نحتاج إلى وقفة تأمل لدراسة كيفية الخروج من هذا المأزق الكبير الذي نشترك بتنفيذه، حتى لا يكون مصيرنا كدويلات الأندلس، وحينها لا ينفع الندم.

الثلاثاء, 01 أكتوبر 2019 10:53

ثمانية مواقف غيّرت سلوك تلميذ

سأل التابعي الإمام إبراهيم بن أدهم تلميذه حاتم الأصم: منذ متى صحبتني؟

فقال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة.

فقال ابن أدهم: فما تعلمت مني في هذه المدة؟

قال حاتم: ثماني مسائل.

قال ابن أدهم: ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل فقط! هات ما عندك لأسمع.

قال حاتم:

المسألة الأولى: رأيت كل واحد يتخذ صاحباً، فإذا ذهب إلى قبره فارقه صاحبه، فصاحبت الحسنات، حتى إذا دخلت القبر دخلت معي.

الثانية: نظرت في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى {41}) (النازعات)، فأجهدت نفسي في دفع الهوى، حتى استقرت على طاعة الله.

الثالثة: رأيت أن من معه شيء له قيمة حفظه حتى لا يضيع، ونظرت إلى قوله تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) (النحل: 96)، فكلما وقع في يدي شيء له قيمة، وجهته لله ليحفظه عنده.

الرابعة: رأيت كلاً يتباهى بماله أو حسبه أو نسبه، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً.

الخامسة: رأيت الناس وهم يتحاسدون على نعيم الدنيا، ونظرت إلى قوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، فعلمت أن القسمة من عند الله، فتركت الحسد عني.

السادسة: رأيت الخلق يعادي بعضهم بعضاً، ويبغي بعضهم بعضاً، ويقاتل بعضهم بعضاً، ونظرت إلى قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) (فاطر: 6)، فتركت عداوة الخلق، وتفرغت لعداوة الشيطان وحده.

السابعة: رأيت كل واحد يكابد نفسه ويذلها في طلب الرزق، حتى أنه قد يدخل فيما لا يحل له، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) (هود: 6)، فاشتغلت بما لله عليَّ، وتركت ما لي عنده.

الثامنة: رأيت كل مخلوق متوكلاً على مخلوق مثله، ونظرت إلى قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، فتركت التوكل على المخلوق، واجتهدت في التوكل على الخالق.

فقال إبراهيم بن أدهم لحاتم الأصم: بارك الله فيك، نعم التلميذ الصالح أنت. (انتهى، منقول بتصرف).

تمر على الإنسان مواقف كثيرة في حياته، يتفاعل معها بمشاعره وعواطفه، وينعكس ذلك على كلامه وسلوكه، فينسى كثيراً مما تعلمه، حتى إذا فات الفوت ندم على ما قاله أو فعله، فتكون الخسائر أكثر من المكاسب، ومنها الاستجابة للغضب، متناسياً قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

لنستدرك أقوالنا وأفعالنا قبل أن تخرج، ولندرب أنفسنا على الصبر وضبط النفس، وبالأخص مع الوالدين والأبناء والأرحام والأصدقاء، ولنترك فضول الكلام والملام، ولنحيي حسن النية وصفاء القلوب.

 

____________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 25
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top