لوحة ثلاثية (قصة قصيرة)

لوحة ثلاثية (قصة قصيرة)

د. السيد شعبان السبت، 13 نوفمبر 2021 03:40

 

بالفعل حين أمسكنا بالقلم وبدأنا تلك المشاغبة امتدت مساحة خيالنا، اتسع أملنا أن تظل خارطة المكان بكل إحداثياتها والزوايا نتوءا بارزا؛ تحايلنا أن نجعلها في الخلفية، لا نريدها أن تكون ثنائية الأبعاد؛ هذا يشعرنا بالملل، نريدها أن تكون ثلاثية ملهمة للقادمين بعدنا، الجديد في ذلك أننا صدقنا الألوان التي سكبناها طواعية، بدا لنا أن اللوحة تجميع رائع لمختلف مذاهب الفن الحديثة، أحدنا كان ماهرا في مزج الخليط المتناثر، كيف للألوان المتضادة أن تبقى متجاورة؟

اعتدت بمضي الوقت أن آلف كل ما كرهته في السنوات الماضية، الأبعاد تتجاور في تراتب نسقي، لن ينفرد أحد بمساحة خضراء والباقون تائهون في وادي القحط، علمت بعدُ أن قبول غيري يعبث في أشيائي الخاصة رهن بأن أحتفظ بالأسرار بعيدا عن عبث المتطفلين الذين يتعشقون التنصت على مسافة البوح الخاصة.

اكتملت اللوحة السريالية.. إنها تشبه الجيوكاندا، بل هي أقرب إلى لوحة الموناليزا رائعة دافنشي، هكذا اعتاد كل من ألقى عليها نظرة أن يدون ملاحظاته عليها، تضخم أسفل اللوحة حتى صار مثل انتفاخة المرأة حين تكون حبلى، ذلك منظر مثير، يشعرك ببداية جديدة، كل من امتدت يده في تكملة أبعاد تلك الفسيفساء صار مزهوا؛ لا حديث لبرامج الرغي اليومي غير براعتنا في تجميع ذلك الكم المتنافر من الألوان -كما قلت لكم- في هذه الرقعة الضيقة من فراغ يملؤه الصدى، بدأنا نتساءل: هل تستحق تلك اللوحة المغامرة كل هذا الاحتفاء؟

أحدنا صدق أننا موهوبون، اختار أن يتكلم نيابة عنا، نحن أدوات مسخرة تعمل بين يديه، بدأنا نشعر بالخداع، فلا يعقل أن نسرق دون مقاومة!

انتبهنا لهذا الخداع الذي يدب في حنايا اللوحة، سينسبها لعبقريته، كثرة الطنين تجلب المجد، حتى ولو كان زائفا.

فالناس هذه الأيام مصابة بحالة من وشوشة الذاكرة، تغيم مفرداتها، تسكنها الجنية الماكرة التي سرقت الصغار إلى مغارة النهر، بدأنا نحتاط جيدا للوحتنا، احتفظنا بها بعيدا، هذا آمن لها، لكنها ستصاب بدودة الورق الفضية، تلتهم في تشف خليط الألوان فهو يجلب شهيتها، وضعناها في مكان خفي، ولكن الخيوط تتأبى على القيد، تسربت في صفحات الألواح وفوق نوافذ المحال، وجدناها مرة تحوم فوق أسوار الجامعة، تتدلى منها رابطة عنق مدماة، لقد أطلقوا عليها رصاصات غادرة، رغم الخدوش التي تناثرت في جوانبها، لكنها صارت وثائقية؛ هكذا طبعت منها نسخ كثيرة، زحفت مع الجموع في إصرار أن تنطق تلقفتها أيادي الصغار، ملأنا الفخر، هكذا صارت بحق ثلاثية الأبعاد، تشتمل على المكان والزمان والإنسان، فنانو الجرافيتي صاروا يؤرخون للفن المشاكس بها، عند مدخل الميدان تماهت مع حناجر المنادين بالفجر القادم، الربيع على الأبواب، ظللنا هناك أياما، ليتنا انتظرنا لليوم التاسع عشر؛ لقد أوشك الورد أن يفوح بشذاه، الشيطان ماهر في ارتداء مسوح الرهبان، حين ذاك اختلطت ألوان لوحتنا، لا ندري أية يد آثمة مسختها أحجارا ومقاعد فارغة، عاد الصدى يدب في حنايا زمن قادم يحمل البشارة.

آخر تعديل على الأحد, 14 نوفمبر 2021 07:52

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153