«زقاق المدق».. رؤية إسلامية

«زقاق المدق».. رؤية إسلامية

طلال مساعد العامر الإثنين، 06 ديسمبر 2021 09:47

 

كنت قد اطلعت على بعض أعمال نجيب محفوظ وعلى بعض ما كتب عنه، لكن قراءتي لرواية «زقاق المدق» تعد أول قراءة لي لنجيب محفوظ بعناية، وهي رواية حقيقية في صلب العمل الروائي، اكتملت فيها أركان الرواية وتمت فيها عناصر الإبداع، وكان من جملة ما شدني فيها من محاسن الإجادة:

أولاً: البناء الروائي المحكم الذي تراءى لي وكأنه بناء هندسي متقن مرصع بالفسيفساء المرصوفة بإحكام.

ثانياً: اللغة البليغة التي امتزجت فيها وشائج من جمال الأسلوب وتمكن المفردة وروعة التعبير ولطف الإشارة، حتى لكأن التعبير هو الأمثل في كل مشهد من مشاهد الرواية.

الرواية تميزت في رسم الشخصيات وانفعالاتها وكأنها صفحات في علم النفس وتحليل السمات الشخصية

تمثلت الرواية لي خصوصاً في رسم الشخصيات وانفعالاتها وكأنها صفحات في علم النفس وتحليل الشخصيات، ظهر ذلك بإبداع في وصف الكاتب للمشاعر المضطربة عند شخصية حميدة؛ كيف تسلل الأديب إلى جوانحها ثم عمد إلى صفحاته بتعبير غض واصفاً مشاعرها حينما حدق فيها فرج إبراهيم لأول مرة، وهي متدلهة (متحيرة) بين حنق حيال ابتسامته الماكرة، وما حركه فيها من كوامن الغريزة.

ووجدت أيضاً أن هذه الرواية تمثل الأدب الواقعي بامتياز، وربما ألقت قراءة محفوظ للأدب الوجودي بظلالها على قريحته، بالإضافة إلى أنه كان في عصر ثابَتْ فيه الرواية إلى عالم الواقع، بعد أن اشتطت حيناً من الدهر وراء الرومانسية المجنحة في الخيال الهاربة من جحيم الواقع.

مؤشرات الواقعية

وقد ترك محفوظ الشخصيات تندفع وتسترسل على سجيتها مواجِهة مصائرها، مستسلمة لواقعها، تقودها إليها جبرية صماء، لا تملك حيالها أمراً، ويؤشر على هذه الواقعية عدة مؤشرات، أهمها:

أولاً: نزعة مادية تظهر لدى عموم شخصيات الرواية، تحكم علاقاتها وتتسيد على تطلعاتها؛ فلما جاءت أم حميدة حاثة ست «سنية» على الزواج، قالت ست سنية: «جزاؤك لن يقدر بمال»، قالت أم حميدة في سرها: «ينبغي أن يقدر بمال وبمال كثير.. هلم إلى صندوق التوفير وأعطني»، وأيضاً تظهر هذه النزعة عند حميدة التي كان بريق المال هو قائدها إلى ما آلت إليه، وهي التي جعلت زيطة، والبوشي، ينتهكان حرمة الأموات، وطمع الأبناء في والدهم سليم علوان وجفاؤه للناس وتغيره عليهم لذات السبب، بالإضافة إلى النظرة الجنسية التي تهيمن على الرجل في نظره للمرأة التي سود فيها الأديب صفحات يلتهب فيها السعار الجنسي.

ثانياً: علاقات يسودها الكره ويستبد بها الحنق، فمثلاً يقول على لسان زيطة: «لكن السواد مصير كل شيء في هذه الخرابة»، ويقول بعضهم حول صينية الفريك التي يأكلها السيد علوان: «يطفحها سُمّاً بإذن الله»، وعلاقة حسين محمد كرشة بأبيه متوترة والغرامة تضرب زوجها دائماً على مرأى من أهل الزقاق، والمعلم كرشة في شجار دائم مع زوجته، وقول زيطة: «لا فائدة ترجى من الأحياء وقليل من الموتى ذو نفع».

ثالثاً: التسليم للقضاء والقدر والجبرية الذي يعتبر عقيدة لازمة لشخصيته على امتداد الرواية التي استسلم لها شخصيات الرواية، فالمعلم كرشة يقول للشيخ رضوان في أمر علاقته بالشاب: «كلا يا سي السيد أضرع إليك أن تدع هذا الأمر حتى يأمر الله بالهداية»، وحسن كرشة تتحطم آماله على إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر فقال: «أليس من المحزن ألا نتذوق شيئاً من السعادة إلا إذا تطاحن العالم كله في حرب دامية فلا يرحمنا في هذه الدنيا إلا الشيطان».

حميدة تقول لعباس في سبب احترافها البغاء: "لا تسألني عن شيء فليس عندي ما أقوله وهذا قضاء الله الذي لا يرد»، وهذه الروح الجبرية السارية في أوصال الرواية تكاد تنتظم سائر أعمال نجيب محفوظ الروائية؛ ففي روايته «بداية ونهاية» تنتهي بطلة الرواية إلى احتراف البغاء كنتيجة حتمية لمقدمات جبرية، وعندما يكتشف ذلك أخوها الضابط لا تجد بداً من إلقاء نفسها في نهر النيل على مرأى من عينيه، ثم يتبعها هو الآخر بالانتحار قائلاً: «فليرحمنا الله؛ فهو تعالى الذي قدر عليهم ذلك».

وهو ما يبدو سمة بارزة في أعمال جل الروائيين العرب آنذاك، وهو الجيل الذي تلقى هزائم متتالية في ميادين حروب الاحتلال، بعد أن طحنتهم حروب فكرية ضروس أوهت العزائم وتسربت إلى الثوابت، بالإضافة إلى الافتتان بقيم الحداثة والتطور العلمي والتكنولوجي، الذي جاء مصحوباً بالهيمنة الغربية، تجد ذلك واضحاً عند طه حسين في «الأيام»، و»مستقبل الثقافة»، وتوفيق الحكيم في قصته «الشهيد»، وروايته «أهل الكهف»، ويوسف السباعي في معظم رواياته.

ما تقدم، في تصوري، هو ما يجعل العمل الروائي أكثر خطراً من بين ألوان الكتابة الإبداعية والفكرية بل وأدل على عبقرية الكاتب، حيث يستطيع أن يمرر حزمة من قناعاته وتصوراته عبر شخصيات عمله الإبداعي، والنقاد يلهثون خلفه في خلاف دائب عاجزين عن الظفر بإدانة حيال ما تفصح به شخصيات عمله الروائي من آراء أو توجهات.

مما هو جدير بالذكر في رواية «زقاق المدق» مركزية الجانب الديني فيها، الذي يلوح فيها حين يلوح؛ فيسبغ السكينة والطمأنينة على توتر العلاقات والمواقف والأحداث؛ فقد وجدت صورته تبدو كمنظر السيد رضوان الحسيني الذي تتعلق به الأنظار في إجلال ومودة، الذي يرد الناس عليه التحية بأحسن منها، طلعته مهيبة يشع النور من غرة جبينه وتقطر صفحته بهاء وسماحة وإيماناً.. «يشعّ النّور من غرّة جبينه، وتقطر صفحته بهاء وسماحة وإيماناً، سار متمّهلاً، خافض الرأس، وعلى شفتيه ابتسامة تشي بحبّه للنّاس وللدنيا جميعاً».. في مثل هذه الصورة يصفه محفوظ؛ حيث إنه كان عنصر التهدئة لما يعتري الناس من كرب؛ فهو ملجؤهم حيث تدلهم بهم الخطوب وتضيق بهم الدروب، يجدون عنده بسمة الأمل ويد الحاني وإرشاد المحبة هكذا وجدته زوجة المعلم كرشة وألفى الشاعر لديه العزاء بعد أن طرده المعلم كرشة من القهوة، بل حتى حميدة تهيبت الوقوع في الرذيلة بادئ الأمر رعاية لجناب السيد رضوان الحسيني «ما عساه أن يقول عنها»؛ فكان حقاً كما قال د. البوشي: «إذا كنت مريضاً فالمس السيد الحسيني يأتك الشفاء، وإذا كنت يائساً فطالع نور بدركك الرجاء أو محزوناً فاستمع إليه يبادرك الهناء».

لم يتح لكثير من أبناء الصحوة الإسلامية الفرصة العادلة للنظر بموضوعية لأعمال محفوظ

محفوظ والصحوة الإسلامية

ومركزية الجانب الديني في الرواية التي لا تظهر فقط في صورة السيد رضوان هو ما يفتح الباب على مصراعيه حول الحكم السائد في زمن الصحوة الإسلامية على أعمال نجيب محفوظ في أنها محاربة للإسلام متهكمة من تشريعاته مستهزئة بعلمائه وشيوخه ورموزه؛ وهو ما يصدق عند زمرة الموضوعيين على بعض أعماله كـ»أولاد حارتنا»، وأعمال أخرى لكن يبدو أن خصومته السياسية للتيار الإسلامي آنذاك واستقطاب خصوم الفكر الإسلامي له هو الرائد لهذا الحكم المطلق لدى الأكثرية، الذي لم يتح الفرصة العادلة للنظر بموضوعية وتجرد إلى أعمال نجيب محفوظ فوقع الكثير منهم بشباك التعميم والاستعجال والنقل المتحيز.

ولعل هذا التكتل السياسي وضغط التيار الفكري هو الذي أوحى للدكتور أحمد فرج مثلاً، وهو من الكتَّاب الإسلاميين زمن الصحوة، بقراءة متحيزة لـ»زقاق المدق»، جعلت الدين هامشياً في البناء الروائي، بل جعلت الرذيلة منتصرة على الدين؛ حيث رأى الكاتب أن محفوظاً تعمد إظهار الحاج رضوان غير جدير بالنظر في شؤون الدنيا، مثل زواج حميدة، وأن هذا هو رأي محفوظ العلماني المتواري وراء شخصية حميدة، ويتضح عندي على الأقل كقارئ للرواية أن هذا الرأي تنقصه الكثير من الدقة كما أوضحت فيما سلف.

فنجيب محفوظ كان يحلم بالحرية والعدل، ورأى في روايته «ابن فطومة» أن هذه القيم موجودة في الإسلام، وفي كلمته يوم تسلم «نوبل» على ما فيها ما قيل عنها فقد عبر عن انحيازه إلى الحضارة الإسلامية، وفي روايته الشهيرة «الحرافيش» يظهر بوضوح النبض الروحي الإسلامي لديه. 

والعجيب أن محفوظاً يظهر بصورة الوديع صاحب القلب الكبير المتسامي على الخلاف في الرأي في جانب من الذاكرة الإسلامية، كما في مذكرات عميد الرواية الإسلامية نجيب الكيلاني، فقد مد محفوظ جسوراً من التعاون في الشلة الأدبية وهي الصالون الأدبي الذي كان يديره محفوظ ويجتمع فيه ثلاثة من الأدباء، منهم باكثير، والسحار، وغيرهما، وقد جاء ذكره في مذكرات الكيلاني عرفاناً باحتضانه له وحسن تعامله، بل إن أول من تنبأ بقلمه الموهوب هو سيد قطب، كان هذا إبان كتاباته الإسلامية وقبل انضمامه للحركة الإسلامية.

والإشعاع الخاص للجانب الديني في روايات محفوظ -وليس الضمور أو التجاهل كما يرى البعض- هو ما جعل بعض الباحثين يتلمسون صورة الشخصية الدينية في رواياته؛ فهذا مثلاً الباحث سالم الكوردي يبحث في «الشخصية الدينية في رواية نجيب محفوظ.. زقاق المدق أنموذجاً»، حيث وجد أن الشخصيات الدينية في عالم الرواية عند محفوظ تحمل قدراً من الثقافة يؤهلها لأن تؤدي دوراً مؤثراً في الفضاء الروائي.

فالكاتب في زقاق المدق وإن كان يصف من هو ضعيف الإيمان كالمعلم كرشة، وحميدة، وزيطة، ومن هو قوي الإيمان كرضوان، الحسيني، وعباس الحلو، والشيخ درويش؛ وهو ما يمثل طبيعة التدافع بين الخير والشر والتوازن الذي يشد خيوط الرواية ويشيد عليه بناؤها، إلا أن الدين المتماهي مع وتيرة أحداث الرواية هو بلسم الجراح وصوت العقل والحكمة، إليه تثوب النفس من فورة الحياة ومنه تنطلق يحدوها الأمل ويملؤها السلام النفسي والسعادة المأمولة.

وهذا الانعكاس للدين على النفس الإنسانية في تمثلاته في الفضاء الروائي ليس مثالاً بعيد المنال يداعب خيال الكاتب، إنما هو حقيقة مشاهدة ملموسة في البناء الروائي، والعجيب حقاً أن هذه الحياة الروحية النابضة بالآمال هي مخاض عمل واقعي شعت فيه النزعة المادية والعلاقات المتوترة والجبرية الصماء.

ما تقدم لا يجعل من محفوظ كاتباً إسلامياً صميماً، كما أنه لم يكن محارباً للإسلام متآمراً عليه في رواياته كما أشيع، ولكن ساعدنا أن ننظر إلى الشخصيات والأعمال بعين التجرد والموضوعية دون تحيز أو تأثر بأحكام مسبقة؛ فكل عمل إبداعي له ظروفه الخاصة من مثل نفسية الكاتب وطبيعة التحولات التي تعصف به، والزمن الذي ينضج بتقلباته.

آخر تعديل على الإثنين, 06 ديسمبر 2021 10:15

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153