الدفتردار! (قصة قصيرة)

الدفتردار! (قصة قصيرة)

د. السيد شعبان السبت، 05 فبراير 2022 09:25

 

كان ليل طويل، آويت إلى فراشي مبكرا، بعدما ارتحل الطيبان إلى ربهما بت وحيدا إلا من خيالات تشخص في ذاكرتي، أكاد أتسمع كل نأمة أنهما يحدثانني، استعذت بالله من وساوس الشيطان أن يذهب بما تبقى لدي من عقل!

يبدو أن الخرف يتبعني في ذلك المكان الذي يحمل كل شبر منه أثرا منهما.

 رأيتني في وسط كومة نار والناس حولي وجوها لست أنكرها، هذا يشبه الأتابك وآخر جالس فوق الكرسي المذهب وثالث سل سيفه ورابع يحمل سوطه، وأنا في تلك الظلمة حائر، تتابع السهام عد الحصى، أصوات تستغيث ودخان يحاصرني، قرع طبول لحرب لا أدري لم اشتعلت، أفر من جهة فأعود إليها، كلاب تنبح، يقولون لقد أشعلها الملك نمر نار انتقام، هزأ به ابن الوالي: لطمه!

 لا دخل لي في كل ما جرى، ذلك الوالي ذو اللحية البيضاء والسيف في غمده، يتكئ على أريكته تغوص قوائمها الأربعة في بحر من مرمر والسجاد أصفهاني أصفر، على الحوائط صور مذهبة، أسود تجري خلف غزلان، حدثني أبي أن الباشا ملكه حيث داست أقدام جواده، في كفرنا له قصر ووسية، عبيد أرناؤوط وخدم من الأحباش، زنوج ورم وجرمان، إنه الذي ملك البر والبحر، شق النهر نصفين، سوطه حيث الأجساد ترتعد!

كثيرا ما كنت أعـدو مسرعا حين تحملني قدماي جهة لاظوغلي قريبا من أم هاشم، علق في ذهني اسمه، تبينت فيما بعد أن ذلك المكان بقية من نار الله الموقدة اشتعلت ذات يوم في شندي!

 الخيل والبغال والحمير والعصف المأكول وحبات من الفول فخ نصب لابن الوالي الذي فعلها ذات يوم!

وليمة في القلعة وأخرى في شندي؛ وللثأر نيران لا تخمد!

وللسلطة نار من يقترب منها تدعه حطام تنور!

 تلفت يمينا فإذا مملوك قفز من يوم الهول، جاب المحروسة، ترك حصانه أثرا بعد عين، ألقى بنفسه في النيل، تحمله سفينة وتخفيه ثياب، تتبعه ذات وطف، ليال وأيام، سنتان وما يزال للثأر اشتهاء!

يرونه أبيض الوجه، الملك نمر جالس يدبر للمكيدة ألف وجه، كيف يرد اللطيمة؟

يردد:

ذكرتني الطعن وكنت ناسيا!

 جاءوا به، وللقوم عيون لا تنام!

اجعلها شواء من غزلان، قيان ذوات خصور، شراب المريسة يذهب بالعقول، ثم الحمير والبغال، أعلاف تجمع أكواما ومن ثم تشعل نار!

في كل عصر موقعة الجمل!

 أكاد أمسك بابن الوالي، أخرجه من جهنم، لست بمالك!

 تهب ريح نفثها شيطان، يسرع الدفتردار فكم لذات الخدر من غواية لا وصل إلا إذا أدرك الثأر، يفر النمر وقد كان ملكا، وعند الأحباش مأوى، عشرون ألفا طعاما للكلاب والسباع. ولما يدرك مبتغاه، يبتني الوالي سبيل إسماعيل، ماء من النيل عله يروي العطاشى!

يددن المواوي:

ميه يانيل كنت فين من إسماعيل!

يمامة انشوت وشندي ليلها طويل!

أسرع الخطى، ماتزال الخيال والبغال والحمير تتوالى في شوارع المحروسة، يومها كان الدفتردار صهرا للوالي!

يقولون: صار الملك نمر بطلا، شوارع باسمه، وكوبري على النيل يخلد ذكره!

تغيم ذاكرتي إلا قليلا، أعرفه، يريني أربعاً من عباءات صوفية، يغالي بها، يتفاخر فأجيبه:

ثوبي الممزق من حلال!

خيوط من كل لون، هذا عمي يهدئ من روعي، وذاك ابن أبي يكاد يسرق بيتي، جموع تتدافع، أسافر كل مكان، من بعيد يأتي أبي يبتسم، يربت على كتفي، يهبني حبات من تمر، يرويني بيديه، تحملني أمي، في منديلها الأبيض كسرة خبز، إناء بجوارها مملوء لبن، مسرعا يتبعني الدفتردار.

يطيح أبي برأسه!

آخر تعديل على الأحد, 06 فبراير 2022 08:25
موسومة تحت

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153