المعالم الفكرية الحضارية عند "شيخ الإسلام" مصطفى صبري (1)

المعالم الفكرية الحضارية عند "شيخ الإسلام" مصطفى صبري (1)

الأربعاء، 02 مارس 2022 07:14

 يعد الشيخ مصطفى صبري(*) من المفكرين الإصلاحيين الذين انفعلوا بالفكرة الإسلامية، لا سيما إبان الاحتكاك الباكر مع الحضارة الأوروبية في العصر الحديث، وقد ترك تراثًا فكريًا مهمًا جدير بالنقاش والتناول.

  نتناول في عدة حلقات أهم المعالم الفكرية للشيخ مصطفى صبري نستوضح موقفه من الأزمة الحضارية ومنهجه في المعالجة وآراءه في بعض القضايا الحضارية كما تتضمنها تراثه الفكري.

التصور الفكري للأزمة الحضارية

ينطلق" مصطفى صبري" في بناء رؤيته المعرفية للإصلاح من تحديد دقيق للعوامل التي أدت إلى الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية آنذاك، والعوامل التي يراها الأكثر تأثيراً في تخلف المسلمين والتي يشير إليها في عدة محاور هي: محور التقليد للغرب وما تبعه من انتشار واسع لحركة وتيار التغريب بين "المجددين المسلمين"، وكتب فيه مؤلفه "ديني – مجددلر" (مجددو الدين)، والمحور الثاني: الفساد الأخلاقي والتربوي والعلمي، والثالث: محور فصل الدين عن السياسة.

ويذكر في هذا الصدد قوله: "السبب الحقيقي لتأخر المسلمين منذ زمان فساد أخلاقهم وضعف إيمانهم بالقدر وقوة جهلهم... ومن جملة الأسباب عدم وقوف كل أحد منهم عند حده؛ فيتدخل بعلوم من لا صلة له بها ولا يتركها لعلمائها ولا سيما العلوم الدينية التي أصبح حماها عرضة للناس يدخله من يشاء ويركض برجله في طوله وعرضه من غير حاجة إلى استئهال له وقضاء عمر في دراسته، في حين أن الغرب آمن بنظام التخصص وأسس بنيان رقيه عليه، ومن لم يبال بهذا النظام ورط نفسه ولا يضع حداً لما يقع فيه من الأخطاء"([1])

    يذكر أن خطته الإصلاحية ترمي إلى إصلاح الجانب الثقافي والمعرفي، وذلك لأن الخلل في هذا الجانب جعل العقل المسلم يرتبط بعقل الغرب وتصوراته ومفاهيمه، ومن ثم فخطته تتحدد في العمل على "الانصراف عن تقليد الغربيين الذى دب دبيبه وهبت عاصفته ثم رست ورسخت في أدمغة كتابنا العصريين وبعض علماء الدين... و-أيضاً – نترك التقليد في العقلية الدينية وتقدير صلتها بالعلم في معناه الصحيح، فنملك استقلالنا في العقيدة التي هي أساس الأعمال الصالحة والتي يتقدم استقلالها على الاستقلال السياسي للأمم الإسلامية، والمسلم  المتعلم إنما يكون مسلماً متعلماً بالاستقلال في العقيدة الدينية ولا يجوز للمسلم المتعلم تقليد غيره من المسلمين في العقيدة فما ظنك بتقليد غير المسلمين". ([2]) 

   ومن ناحية أخرى فإن فصل الدين عن الدولة أنقص من الإسلام جزءًا من طبيعته الاجتماعية والسياسية وهو ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، "فإن فصل الدين عن الدولة أضر بالإسلام من غيره من الأديان لكون الإسلام لا ينحصر في العبادات بل يعم نظره المعاملات والعقوبات وكل ما يدخل في اختصاص المحاكم والوزارات ومجالس النواب والشيوخ، فهو عبادة وشريعة وتنفيذ ودفاع... فالإسلام ينطوي على كل ما تحتاج إليه الدولة والأمة من القوانين فهو مستغن بنفسه عن غيره لا يدانيه في هذه الخصلة أي ملة"([3]).

    هذه باختصار ملامح الأزمة الحضارية كما تصورها "مصطفى صبري" والتي تتمحور في: التغريب، الفساد الأخلاقي والتربوي، وفصل الدين عن شئون الحياة الاجتماعية والسياسية وهو ما حاول معالجته في رؤيته المعرفية التي حاول فيها تقديم بناء فكرى يعالج فيه هذه الأزمة في عدة ميادين: الإنسان المسلم وتصوراته، الأمة المسلمة ونظمها الاجتماعية والسياسية، التهديد الخارجي واختراقاته الثقافية وشبهاته الفكرية والعقدية.

 

(*) ولد مصطفى صبري عام 1869م في توقاد بالأناضول، وأصبح أستاذاً يحاضر في مسجد محمد الفاتح عام 1890م، وتولى المشيخة الإسلامية في 1919م. وكان له نشاط سياسي وفكري بارزان. من مؤلفاته العلمية "مجددو الدين "، "قيمة الاجتهادات العلمية للمجتهدين المحدثين في الإسلام" و"النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة (1924م) "، "مسألة ترجمة القرآن" (1931م) و "موقف البشر تحت سلطان القدر" (1952م)، و "قولي في المرأة (1934م)، "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" (1942) "، ثم موسوعته الفكرية "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين" (1950) وتتكون من أربع مجلدات كبيرة ضمت كل آرائه الفقهية والاجتماعية والفلسفية والسياسية.  

([1])مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ج1، بيروت، دار إحياء التراث، ط2، 1981م، ص17.

([2])المرجع السابق، ص 13.

([3]) المرجع السابق، ص295.

آخر تعديل على السبت, 26 مارس 2022 19:16

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153