صورة من جهاد الشعب الفلسطيني.. أسرة موسى كاظم الحسيني

صورة من جهاد الشعب الفلسطيني.. أسرة موسى كاظم الحسيني

الأحد، 15 مايو 2022 10:51

 

صدر "وعد بلفور" عام 1917 بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، ومنذ ذلك الوقت توافدت الهجرات اليهودية على فلسطين وتم الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1920 لتنفيذه، وفرض الإنجليز قانون الطوارئ في فلسطين، وحكموا بالإعدام على كل من أطلق رصاصة أو حمل سلاحًا، وبلغ عدد المحكوم عليهم بالسجن أكثر من 2000 فلسطيني، وبلغ عدد من اعتقل نحو 50 ألفًا، وتجاوز عدد الشهداء 3 آلاف، كما تجاوز الجرحى 7 آلاف، ودُمرّ أكثر من 5 آلاف بيت.

وأصدرت الأمم المتحدة قرارها، في 29 نوفمبر 1947، بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وانسحب الإنجليز من فلسطين، في 14 مايو 1948؛ ليعلن اليهود قيام دولتهم أو حسب قولهم "إعلان استقلال إسرائيل"، ويرفع العلم الصهيوني في اليوم التالي على أرض فلسطين، وفي المقابل، أعلن الفلسطينيون أن هذا اليوم هو الذكرى السنوية لـ"يوم الأرض"؛ تخليدًا لكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل أرضه.

موسى كاظم الحسيني باشا ورحلة جهاده في فلسطين  

لعلنا نحاول أن نقف على صورة من صور الكفاح الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني في النصف الأول من القرن العشرين ممثلًا في جهاد موسى كاظم الحسيني باشا وأسرته التي تزعمت حركة الجهاد في فلسطين، فقد كانت عائلة الحسيني تمتلك ثروة اقتصادية كبيرة، منها مساحات كبيرة من الأراضي في كل من أريحا ورام الله واللُّد والرملة عززت مكانتها السياسية والاجتماعية.

ولد موسى كاظم باشا بن سليم حسين عبداللطيف الحسيني في القدس عام 1853، وتعلم في إسطنبول، والتحق بالإدارة العثمانية التي عينته قائماً على صفد وعجلون، ثم متصرفًا مسؤولًا في الأناضول وشرقي الأردن ونجد وعسير، وتولى رئاسة بلدية القدس عام 1918، وتولي حاكمًا على صفد وعجلون من قبل الدولة العثمانية أواخر القرن التاسع عشر، ثم تولى رئاسة بلدية القدس عام 1918.

وقاد حركة الجهاد في فلسطين منذ "وعد بلفور" عام 1917، فانتخبه المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث عام 1920 رئيسًا للجنة التنفيذية العربية، وقاد مظاهرة في يافا، في 27 أكتوبر 1933، وأصيب فيها، وتوفي متأثر بجراحه عام 1934، وقبل وفاته أوصى ابنه عبدالقادر بقوله: "إن فلسطين العزيزة هي أمانة أسلمك إياها في رقبتك.. فلسطين أمانة وديعة عندك يا ولدي.. إن تحرير فلسطين أمانة في رقبتك يا ولدي.."، ليفارق الحياة بعدها، يوم الجمعة 26 فبراير 1934، شهيداً بإذن الله عزيزًا كريمًا.

وقد حمل راية الجهاد الفلسطيني ابنه عبدالقادر الحسيني، المولود في القدس عام 1908، ولما عاد إلى القدس بعد دراسته بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عمل موظفًا في إدارة تسوية الأراضي عام 1934، وهي الإدارة الخاصة بتسجيل أو نزع ملكية الأراضي في فلسطين، وفيها عرف كيف يمهّد الاحتلال لإقامة دولة صهيونية في فلسطين؛ فنشر عدة مقالات في فلسطين والعراق وغيرها يشرح فيها المؤامرة البريطانية الصهيونية، وعمل على تحويل كثيرٍ من أراضي القرى إلى أوقاف إسلامية حتى لا يتمكّن اليهود من الاستيلاء عليها كما أوقف العديد من الصفقات المشبوهة.

بيد أن تطور القضية الفلسطينية كانت تعد عبدالقادر الحسيني ليكون قائدًا عسكريا وليس كاتبًا أو موظفًا؛ فباع كل ما يملك من أرض وعقارات؛ لشراء السلاح والذخيرة للدفاع عن فلسطين. 

عبدالقادر الحسيني والثورة الفلسطينية (1936 - 1939)

قامت الثورة الفلسطينية عام 1936من أجل إنشاء حكومة وطنية ومجلس نيابي، ومنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنع انتقال الأراضي العربية لليهود.

وبدأ الحسيني إدارة مكتب الحزب العربي الفلسطيني في مدينة القدس عام 1935م بتنظيم وحدات فلسطينية سرية، ودرّبها وجهزها بالسلاح التي عُرِفت باسم "جيش الجهاد المقدس"، وكان في تلك الفترة مسؤولًا عن نشاط الثوار في منطقة الخليل، وبدأت المواجهات الحقيقية مع القوات الإنجليزية منذ عام 1935م، وردّ اليهود بإطلاق النار وحرق المزارع وهدم البيوت؛ فرد بالهجوم على عمارة الصحف اليهودية في القدس ومبنى الوكالة اليهودية وعدة مراكز في حيفا؛ فتوقف اليهود عن عملياتهم الشنيعة.

وتم الإعلان عن ثورة الشعب الفلسطيني، في 7 مايو 1936، وتولى الحسيني قيادة منطقة القدس، وهاجم ثكنة بريطانية في بيت سوريك شمالي غربي القدس، ثم انتقل إلى منطقة القسطل واشتعلت الثورة في كل مكان؛ فقسمت فلسطين إلى مناطق قتالية مختلفة وعين على كل منطقة قائداً لها، وبدأت عمليات الجهاد المقدس بنسف الجسور، وزرع الألغام تحت الخطوط الحديدية وفي الطرقات التي يتوقع وصول النجدات عبرها، وهاجموا القطارات الإنجليزية وقطعوا خطوط الهاتف والبرق.

واستمرت الثورة حتى عام 1939، حيث تعقب الإنجليز المجاهدين، وألقوا القبض عليه عام 1940، لكنه تمكن من الفرار من السجن، وخرج إلى العراق.

الحسيني قائدًا لـ"جيش الجهاد المقدس"

 عاد الحسيني إلى فلسطين عام 1947 ليواصل حركة الجهاد ضد المشروع الصهيوني، حيث قامت الهيئة العربية العليا لفلسطين الإعلان عن تشكيل قوات الجهاد المقدس بقيادة عبدالقادر الحسيني رئيسًا، وكامل عريقات نائباً، وقاسم الريماوي أميناً للسر.

برع الحسيني في الدفاع عن القدس، وشن الهجمات على الصهاينة ومراكز البوليس البريطاني في المدينة، وهاجم مقر حاييم، وكان مركزًا للهجوم على الأحياء العربية، ومعركة في حي سانهدريا، والهجوم على مقر ميقور حاييم، وخاض عام 1948 معارك أخرى كبدت العدو خسائر فادحة، ومنها: معركة صوريف، في 16/ 1/ 1948، حيث قضى فيها على قوة يهودية من 50 يهوديًا مزوّدين بأسلحة ثقيلة و12 مدفعًا، وقاد عددًا آخر من المعارك مثل بيت سوريك شمال غرب القدس يوم 19/ 1/ 1948، رام الله، اللطرون، النبي صموئيل، بيت لحم الكبرى.

وقد قابلت الحركة الصهيونية هذه المعارك بأعمال انتقامية، فأقدمت على تفجير ألغام وعبوات في المناطق الفلسطينية، فاضطر الحسيني للرد على هذه العمليات الصهيونية بالمثل، فقام بتدمير المراكز الصهيونية، مثل: مبنى الصحف الصهيونية في القدس، وشارع بن يهودا في القدس، حيث أصيب أكثر من ألفي يهودي بين قتيل وجريح، وشارع هاسوليل في القدس الجديدة؛ مما أدى وقتل وجرح المئات وانهيار عديد من عمارته الضخمة، ونزح كثير منهم عن منازلهم، وحي منتنفيوري حيث قتل العديد من السكان وجرح الكثيرون، وتساقطت المنازل وتضررت مئات العمارات، وتم تفجير كذلك مبنى الوكالة اليهودية، كما نسفت قواعد صهيونية في حيفا ويافا، وأسهم ذلك في ردع الوكالة اليهودية عن التفكير بعمليات إرهابية جديدة.

وقد عبر عن ذلك الكتاب السنوي لـ"إسرائيل" الصادر عام 1949م بأن مارس 1948م كان أحلك شهر عرفه اليهود، ورأوا فيه خطرًا عظيمًا يهدد بتدمير كل ما بنوه خلال 30 عامًا.

معركة القسطل عام 1948 واستشهاد الحسيني

القسطل قرية عربية غربي القدس على الطريق بين القدس ويافا، وتشكل بداية لخطة يهودية لاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين، وخصص الصهاينة 5 آلاف مقاتل بأسلحة حديثة لتنفيذ الخطة.

وفي 5 أبريل 1948، توجه للدفاع عن القسطل، وليس معه سوى 56 من المجاهدين، فتم محاصرته والمجاهدين معه، وتسامع الفلسطينيون بمحاصرة الحسيني ورفاقه في القسطل، فسارعوا لنجدته حتى تزايد عددهم واشتبكوا مع اليهود في معركة انتهت بمقتل ما يقرب من 150 يهودياً وجرح 80 منهم وتم تحرير القسطل بعد أن استشهد فيها الحسيني، يوم 8 أبريل 1948، ودفن بجانب ضريح والده في باب الحديد بالقدس، وأقيمت صلاة الغائب في الجامع الأزهر في مصر والبلاد العربية.

 

 

 

 

 

 

_______________________________

1- أحمد سعيد نجم: عبدالقادر الحسيني، الدار الوطنية، نابلس، ط 2، 1996.

2- صالح مسعود أبو يصير: جهاد الشعب الفلسطيني في نصف قرن، ط3، 1988.

3- عجاج نويهض: رجال من فلسطين، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت، 1981.

4- عزالدين إسماعيل: عبدالقادر الحسيني بطل القدس، دار العودة، بيروت، 1975.

5- محمد خالد الأزعر: جيش الجهاد المقدس في فلسطين، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، 2000.

6- محمد عبدالقادر أبوفارس: شهداء فلسطين، دار الفرقان، عمان، 1990.

7- مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين الجزء الأول، القسم الثاني، 1965.

آخر تعديل على الأحد, 15 مايو 2022 11:42

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153