حوار مجلة المجتمع مع الشيخ أحمد القطان خطيب منبر الدفاع عن الأقصى

حوار مجلة المجتمع مع الشيخ أحمد القطان خطيب منبر الدفاع عن الأقصى

مركز الرصد والمعلومات وإدارة المعرفة الثلاثاء، 24 مايو 2022 01:51

 

لقد عاش سماحة الشيخ أحمد القطان حياته كلها مدافعاً عن الإسلام والمسلمين في كل مكان، وقد ركز جُل جهده في الدفاع عن المسجد الأقصى حتى لُقِب بخطيب منبر الدفاع عن المسجد الأقصى، واليوم نودع سماحة الشيخ أحمد القطان إلى مثواه الأخير، وبهذه المناسبة تعيد مجلة "المجتمع" هذا الحوار الذي أجرته معه -رحمه الله-  وتم نشره في العدد (1455) بتاريخ 24 ربيع الأول 1422هـ/ 16 يونيو 2001.

الداعية الإسلامي الشيخ أحمد القطان ظاهرة دعوية يتابعها الملايين في جميع أنحاء العالم من المسلمين، عبر خطبة الجمعة التي يلقيها أسبوعياً بالكويت، ويتناقل الملايين شريطها «الكاسيت»، وذلك على مدى نحو ربع قرن، نتيجة ما عُرِف عنه من اهتمام بالقضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والصراع مع اليهود، لكن الشيخ القطان تعرَّض للتوقيف لمدة عام من قبل وزارة الأوقاف الكويتية مؤخراً، بسبب ما قيل من إنه قد تعرض لبعض الحكام العرب في خطب أخيرة له، الأمر الذي أدى إلى توقيف «منبر الدفاع عن الأقصى» الذي أعلنه الشيخ من فوق منبره، وخمد الصوت الذي طالما استمع إليه الملايين كل جمعة، في أوقات تمر فيها القضية الفلسطينية، والمنطقة العربية، بتحديات، وأحداث خطيرة، وشائكة، وحرجة، من هنا جاء هذا الحوار مع الشيخ أحمد القطان الذي سألناه فيه عن شعوره بعد إيقافه عن الخطابة لمدة عام، وعن آرائه فيما تمر به الأمة والقضية حالياً من مستجدات، ودور المسجد وخطيبه خاصة، ومؤسسات المجتمع عامة في تبني هذه القضية، وغيرها من الأمور المتعلقة بها.

الشيخ أحمد القطان ظاهرة دعوية مميزة.. هل توافق على هذا القول؟ وكيف أصبحت كذلك؟

- أنا لا أقول هذا عن نفسي، وإنما سعة انتشار شريط الكاسيت في العالم، وتبنيه لقضايا المسلمين، ووجود الشريط لمنبر الدفاع عن الأقصى عند كل الناس في كل مكان من هذه الأمة يقول: «إن منبر الدفاع عن الأقصى متميز في طرحه».

مُنعتَ من الخطابة مؤخراً بسبب انتقادك لمواقف بعض الحكام العرب تجاه القضية الفلسطينية.. هل تعتبر نفسك أحد ضحايا التسوية مع الكيان الصهيوني؟

- واقع الحال يقول: نعم.. سواء علم من أوقف «منبر الدفاع عن الأقصى» أم لم يعلم.. إذ إن الأقصى والقدس يمران بمرحلة حرجة، وهناك آثار سلبية كثيرة لقرار التوقيف، وأكرر أنه ليس بيني وبين إخواني في الأوقاف إلا المحبة في الله، إنما عداوتي مع اليهود، وأولياء اليهود من الحاكمين، لقد سبق أن أوقفت ثلاث مرات.. إحداهما امتدت إلى خمسة أشهر بسبب القمة الثنائية التي كانت بين مصر والأردن التي مهدت لمؤتمرات ومعاهدات الاستسلام.. التوقيف الثاني للمنبر دام شهرين بسبب فتوى ملك المغرب الراحل بأن الحجاب الإسلامي ليس أمراً شرعياً إنما هو تقليد عربي.. أما التوقيف الثالث فدام ستة أشهر، وذلك عقب الانتفاضة الأولى. ومنبر الدفاع عن الأقصى بدأ منذ ثلاثين عاماً، وهو يخوض مع العدو معارك إسلامية كان أثرها واضحاً في اليهود في الانتفاضة الأولى المباركة، إذ كانوا يلقون القبض على كل فلسطيني معه شريط «للشيخ القطان» وقد منعت هذه الأشرطة من معظم الدول العربية، وما كانت تدخل إلا تهريباً.. أما اليوم، والحمد لله، فقد فتح الله وسائل الاتصالات كالإنترنت، والفضائيات، وما يأتي في المستقبل، وقد عبرت الكلمة الصادقة حدود الطواغيت، ووصلت إلى كل الناس في كل الأرض، وإن من التخلف بمكان منعها في نطاق ضيق، بينما هي تنتشر في كل أرض.

ما شعورك بعد أسابيع من صدور القرار بحرمانك من الوقوف على المنبر؟

- أنا متألم جداً، وحزين جداً إذ إن الأقصى، وأهله يعانون أشد المعاناة، فقد ضربوا بالطائرات، وهدمت بيوتهم، وقلعت أشجارهم، وقتل أطفالهم، وحرقت زروعهم، وهم الآن يمرون بمرحلة أخطر من ذلك بكثير، وهي إخماد الانتفاضة.

إن المتآمرين الآن يسعون من كل حدب وصوب كأنهم يأجوج ومأجوج، لإخمادها، والمنبر يتحرق، وجماهيره داخل الكويت وخارجها، يعيشون هذه الحرقة، وقد مرت أحداث خطيرة في مرحلة التآمر على القدس والأقصى.. منها زيارة وزير الخارجية الموريتاني إلى فلسطين المحتلـة، ومنها قصف المسلمين هناك بالطائرات، وأخشى أن دول الخليج تتهيأ في المستقبل البعيد أو القريب للتطبيع الكامل مع اليهود، وتقوم بالاتصالات السياسية عن طريق بعض دولها، وستنتهي بالعلاقات الدبلوماسية عاجلاً أم آجلاً مع دولة الصهاينة التي يتشدق قادتها، في كل اجتماعاتهم السياسية، والدينية بأنها من النيل إلى الفرات... والخليج يقع بين النيل والفرات. ومن دور منبر الدفاع عن الأقصى كشف هذا التآمر، وفضحه على الملأ، وأذكر أن خطبي في الانتفاضة الأولى قد بينت فيها كل ما يحدث الآن من اليهود من نقض العهود، وأنه لا أمان لهم، إنما هي مراحل ومكاسب يحققونها، واستثمار للوقت، وضحك على هذه الأمة. إن الذين لا يترددون في قتل الأنبياء لا يترددون في قتل العرب المسلمين.. والذين يحيون نبينا بـ«السام» وهو «الموت» ويتهمون عقله بالرعونة، وهو أعقل الناس، لا يترددون أبداً في نقض كل المواثيق التي بينهم وبين السلطة، أو بينهم وبين بعض الأنظمة العربية.

إن الأمة الآن تمر بمرحلة خطيرة، وهي الآن على شفا حرب ساحقة ماحقة مع اليهود، إن لم تستعد لها، وتربي الأجيال على حب الجهاد، وطلب الاستشهاد. حساسة.. وثورية

البعض يقول: إن قضية فـلسطين، والأقـصى، وغيرها مـن قضايا المسلمين قضايا سياسية أو قضايا حساسة، ولا يجوز لخطيب المسجد أو إمـامه، أن يتطرق إليها؟

- أول من نادى بهذا هو السادات عندما أعلن أنه «لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة» وألقى القبض على أئمة المساجد والخطباء، وعلى رأسهم الشيخ أحمد المحلاوي، وقال عنه في أجهزة الإعلام إنه «مرمي في السجن كالكلب» ولكن الشعب المصري الأبي رفض هذه المقولة، فالسياسة في الدين، والدين في السياسة، وليس عندنا في الإسلام أنه: «ما لله لله وما لقيصر لقيصر». فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم، وأقام الحدود، وطبق الشريعة، وراسل الملوك، وأرسل السفراء، وهؤلاء الخلفاء الراشدون من بعده، وقد أُمِرنا باتباعهم، وهم الذين فتحوا دول العالم، وحكموها بالدين والسياسة.

البعض يأخذ عليك شيئاً من الثورية، أو الصراحة الشديدة في الخطابة.. فماذا تقولون رداً على ذلك؟ ـ

- الخطابة ليست درساً، ولا ندوة، ولا محاضرة، بل إنها تقوم على فن الحماسة، والإثارة، وتحريض الناس.. وخطباء العالم المشاهير كانوا بالكلمة والنبرة، والحركة والطرح والموضوع، يحركون الجيوش، وإن لم يفعل الخطيب ذلك صارت خطبته درساً، ينام الناس فيه.

اليوم: أصبح هذا الطرح الجريء لدى جميع أجهزة الإعلام في العالم، فهذه الفضائيات تقول مالا تقوله المنابر في وزارات الأوقاف.. وهذه مجالس الأمة، والصحف.. فلماذا إذا تكلم خطيب المنبر كمموا فمه، ومنعوه.. مع أن المنبر جهاز إعلامي قد سبق كل هذه الأجهزة، فلابد أن يكون متقدماً عليها جميعاً؟! هذا هو الفاروق، عندما يصعد المنبر يقول للناس: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها» فهو يأمر الناس بحرية التعبير، ولا يجعل السلطة للوائح والقوانين على رقاب الناس.

إن حرية التعبير منحة إلهية، وليست هبة من أحد، والدول المتحضرة في العالم اليوم قد أوجدت منابر في حدائقها، ومعابدها، ومسارحها، وملاعبها يتقدم رجال الدين فيها فيقولون ما يشاؤون، وتنقل لهم المحطات، ويشاركون في قضايا الأمة، وهناك عشرات المحطات، وعلى سبيل المثال فإن القس الأمريكي سويجارت يبث خطبه من موقعه باللغة الإنجليزية، والإسبانية، بل تترجم خطبه إلى لغات عدة، ونحن كأمة إسلامية وفي بلد مثل الكويت، بلغت فيه الديمقراطية أن يقف أعضاء مجلــس الأمة على الهواء مباشرة ويتكلمون بما يشاؤون ضد الحكومة، ويعبرون عن رأي الشعب والأمة في كل القضايا في الداخل والخارج.. فلماذا يعتقل المنبر فقط؟ إن توقيف الخطباء مظهر غير حضاري للقرن الحادي والعشرين، وسيأتي اليوم "إن شاء الله" الذي لن يقل فيه مستوى خطيب المنبر في الطرح، عن مستوى عضو مجلس الأمة، والكاتب في الصحيفة، والمفكر في الرواية، والمذيع في الفضائيات.

والأمر هكذا: كيف تقيِّم أداء العلماء والخطباء على مدى العالم الإسلامي في الوقت الحالي تجاه قضية فلسطين، ودور المسجد المطلوب في هذا الصدد؟ ـ

- من العجب أن قضية فلسطين والقدس والأقصى قضية إسلامية صرفة، وأولى من يتكلم فيها بصراحة ووضوح، وأولى من يكشف التآمر عليها، هم خطباء المساجد، بالدرجة الأولى، ومع هذا يوقفونهم، لو كشفوا هذا التآمر، بحجة عدم الإحراج مع الدول العربية أو الصديقة مع أن هذه الدول تعلن عن نفسها بكل صراحة ووضوح، وأنها تتبادل السفراء مع العدو الصهيوني، وتسوِّق بضائعه... إن شباب الانتفاضة ـ الذين ركَّعوا اليهود ـ خرجوا من محاريب المساجد تحت صيحة: «الله أكبر» التي نادى بها خطباء المساجد.

هل نستطيع أن نقول إن المساجد على مدى العالم الإسلامي تحتاج إلى «انتفاضة» من أجل تفعيل دور المسجد؟

- نعم.. تحتاج إلى انتفاضة في لوائحها، وقراراتها، واختيار مسؤوليها.. تحتاج إلى انتفاضة في فهم الخطيب الحر.. فقد كانت الدول الإسلامية الأولى كبني أمية، وبني العباس، ومن قبلهما: الدولة الراشدية، ومن بعدهم الخلافة في الأندلس، ومن بعدهم كذلك سلاطين الفاتحين، وعلى رأسهم صلاح الدين ثم من بعدهم محمد الفاتح العثماني، والخلافة العثمانية.. كل هؤلاء كان اعتمادهم -من بعد الله تعالى- على خطيب المسجد.. فهو الذي يكسب المؤيدين للخليفة، وهو الذي يحرك الجيوش، ويخطب في صفوفهم، قبل الالتحام، بل إن هذه الجيوش لا تجمع في حالة الطوارئ، والنفير العام، إلا من فوق منبر المسجد، يوم أن يصرخ الإمام: «حي على الجهاد.. حي على الجهاد.. الصلاة جامعة».. أما اليوم.. فمع الأسف الشديد: المصحف داخل المسجد معُتقل، وحدوده معطلة، وخطيبه مُراقب، ويتجسسون عليه أكثر من تجسسهم على الصهاينة، وأعداء الأمة.. وهناك فرق خاصة بوزارات الأوقاف في عالمنا تُفرغ شرائط جميع الخطباء، وتتابعها كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، كأنها فرق «الجستابو» أو فرق الثورة البلشفية التي تحصي أنفاس الناس، وما إن يخالف مادة من مواد اللوائح، إلا ويستدعى، وتشكل له لجنة تحقيق، ويجد أمامه الخطبة مفرغة، ومطبوعة، وتحتها الخطوط الحمر والخضر والصفر، وتنهال عليه الإنذارات، تلو الإنذارات! إن هذا أسلوب غير حضاري في بداية القرن الحادي والعشرين.. أطلقوا المنابر.. أفرجوا عنها.. فقد يأتي اليوم الذي تحتاجون فيه إليها، تبحثون عن المخلصين فيها، إننا نعيش الآن في زمان الفتن، والمحن، والاحتلال، ولابد من قيام الخطيب بدوره على أكمل وجه.

البعض يتساءل: لماذا هذه القضايا بالذات التي تجلب المشكلات على الخطباء.. عندكم المجال واسع في قضايا التربية والعقيدة والفقه.. إلخ، فبماذا تردون؟

- قضية فلسطين من قضايا الإسلام الأولى، وهي من الخطورة بمكان، وهناك حرب على الأجيال المسلمة من أجل تجريدها من هويتها الإسلامية، وهناك تعاون بين اليهود الصهاينة وأوليائهم من النصارى ويهود العرب، لتمزيق هذه الأمة، وقد حاول الدعاة -منذ سبعين عاماً- أن يعيدوا الخلافة الراشدة، لكنهم وضعوا في السجون والمعتقلات، وحاولوا كذلك بمعاركهم الجهادية مع اليهود أن يحققوا النصر لكنهم أخذوا من ميادين القتال إلى ظلمات السجون.

إن الدعاة والمجاهدين يطالبون اليوم بالعدالة -على الأقل- في إعطاء الفرص، وقد أُعطى العلمانيون، واليساريون، والقوميون، وغيرهم فرصاً عظيمة: حكموا الدول، وملكوا ثرواتها، وما زادوا الأمة إلا هزائم، واستسلاماً للعدو.. أليس من العدل أن يُعطى الدعاة والمجاهدون والخطباء فرصـة مثل هؤلاء؟!

إن المجاهدين في القدس وفلسطين ينتزعون أوقات الجهاد انتزاعاً، لظرف طارئ، ولتكون الانتفاضة التي يوشك أن تهزم العدو، فيأتي المتآمـرون من كل جانب، لوأدها في مهدها، واستنقاذ العدو من جديد.. لمصلحة من؟ لهذا فإن قضيتي الأولى هي تحرير القدس والأقصى فهي قضية كل المسلمين، وهذا لا يمنع أنني قلت آلاف الخطب في جميع الجوانب التربوية، والأخلاقية، والإيمانية، فالإسلام نسيج وحده.. كل جانب يلتقي مع الآخر، في تكامل، وتناغم.

ولكن لماذا الإصرار على القدس والأقصى بالذات؟

- لأننا نعيش الآن المرحلة الأخيرة من مراحل التآمر عليها.. فالقدس الآن تم تهويدها، واليهود ينتقلون حالياً إلى تهويد الأمة كما أن الصهاينة صهينوا الأمريكيين، وصهينوا النصرانية، فصار تبعاً لهم أنهم يريدون كذلك صهينة وتهويد هذه الأمة، ومن هنا نريد أن ننجو بديننا وعقيدتنا من التهويد القادم.

عبر دراستك، واهتمامك الدائم بقضية فلسطين، وهموم المسلمين وغيرها.. ما الدروس والعبر التاريخية التي استخلصتها؟

- من رحمة الله تعالى أن جعل الأقصى والقدس عقيدة وقرآناً، وكما نقول عندما نشاهد البيت الحرام: «اللهم زد هذا البيت مهابة، وتشريفاً، وتكريماً، وتعظيماً»، فإننا نتذكر دائماً ارتباطه في آية واحدة بالأقصى في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء: 1).

ومن نعمة الله أن جعل قضية فلسطين قضية الأقصى والقدس، فالدين في النفوس والقلوب، لهذا فهذه القضية في النفوس والقلوب، وهي باقية ببقاء الدين، وباقية ببقاء القرآن العظيم، ثم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء، ومعناها تسلمه ميراث الأقصى، وتسليمه لأمته، وعندما قام أبو عبيدة أمين هذه الأمة بتحرير القدس والأقصى من الرومان الذين حولوا الأقصى إلى مكان للنفايات، والنجاسات، أعطانا نموذجاً بأن الذي سيحرر الأقصى مستقبلاً له صفات، فالتاريخ يقول إنه من أفقر الناس، وأغنى الناس.. من أفقر الناس زهداً في الدنيا، وأغناهم دينـاً. إن أول من جاهد لتحرير القدس والأقصى هو الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة مؤتة وتبوك، وهنا نذكر جيش أسامة، ومع هذا كان الهلال يمر عليه تلو الهلال، لا يوقد في بيته نار، من الفقر.. وكان أغنى الناس دينـاً إذ إن مفاتيح كنوز الدنيا بيده، ولم يستأثر بها لنفسه، أو لعائلته، وكذلك كان الصدِّيق: يحمل الصفات نفسها: من أفقر الناس، ومن أغنى الناس، فهو يعيش، وأسرته، بعد أن ترك التجارة، بسبب الخلافة، على قوت يومه، وأغنى الناس: ففي عهده فتحت كثير من البلاد، وتم توحيد الجزيرة العربية، وكذلك الفاروق: كان يلبس المرقعة، فهو من أفقر الناس، وأغناهم، لأن كنور كسرى وقيصر كلها بين يديه في المدينة، ويقول للفاتحين: «إن قوماً أدوا هذا لأمناء» فيقول له مستشاره عبد الرحمن بن عوف: «لقد عففت يا أمير المؤمنين، فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا»، هكذا كان من أفقر الناس وأغناهم، كذلك كان صلاح الدين الأيوبي، الفاتح، إذ كان كاسمه، أصلح الدين أولاً فقضى على الباطنية، وصحح عقائد الناس، ثم كان من أفقر الناس، إذ إنه لما توفي، كان ميراثه، لا يزيد على 35 ديناراً، وهو السلطان الذي تمتد إمبراطوريته إلى روسيا، فهو أغنى الناس، وأفقرهم.

هذه الصفات الآن لا توجد عند زعيم يدّعى أنه سيحرر القدس، والأقصى، وفلسطين فهؤلاء جمعوا الأرصدة في بنوك أوروبا، وسويسرا من وراء قضية فلسطين.. فلن يحرروا القدس وفلسطين أبداً.. هؤلاء الخونة الذين سرقوا المال العام لهذه الأمة لن يمكنهم الله أن يحوزوا هذا الشرف العظيم.

إن صفات الفاتحين الأول -المشار إليها- أراها مجسَّدة في شباب الانتفاضة.. في حماس والجهاد.. فهذا الطفل الصغير الذي لا يملك إلا ثوبه، اقتلع اليهود زيتونته، ولم يبق من زيتها إلا مصاصة في قارورة صغيرة.. لا يدري أيأكل منها قبل أن ينام أم يقتله اليهود؟! وبيته المهدوم، وخيمته البالية فوق ركام البيت تشهد على فقره، لكنه آثر الاستشهاد على أن يثرى أو يتعايش، أو يتعاهد مع هؤلاء الأوغاد. سوف يخرج من بين هؤلاء الأطفال صلاح جديد، يحمل الصفات نفسها: من أفقر الناس، ومن أغنى الناس.. سنراه غنياً بدينه، بربه، بقرآنه، برسوله، بجهاده واستشهاده. التاريخ يقول لي: إن الصليبيين استولوا على القدس والأقصى أكثر من تسعين عاماً، ومع هذا لم تيأس هذه الأمة، ثم جاء الفاتح.. واليهود اليوم لهم ثلاثة وخمسون عاماً في فلسطين، لكن الأمل بالله كبير، وبهذا الدين العظيم، والله سبحانه هو ملاذنا، ومعاذنا، ونصيرنا، وحسبنا، ومولانا، به نجول، وبه نصول، وبه نجاهد، وبه نخاصم، وبه نطالب.. هو الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأعداء وحده.

في هذا السياق، هل نجحت وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم في مواكبة القضية، ونقل نبضها لأبنائنا؟

- الفضائيات التي كانت قد جاءت أساساً لتدمير الأخلاق والقيم، وهدم الجيل المسلم، تحولت فجأة -طلباً للإثارة- ومتابعة للحدث، وقوة المجاهد الصغير الذي فرض نفسه.. لقد وجد الإعلام في الفضائيات نفسه مضطراً اضطراراً إلى أن يواكبه، ويسير في ركابه، كان لهذه الفضائيات دور جهادي كبير خاصة في انتفاضة الأقصى، ولكنني أخشى الآن أن تسخر هذه الفضائيات لإخماد الانتفاضة.

أما مؤسسات التربية فهي دون المستوى تماماً، فمعظمها نزعت منه الآيات والأحاديث التي تذكر اليهود والصهاينة، وكثير منها لا يعيش مرحلة الإعداد.. مع أن اليهود في وزارة التربية هناك يعدون المقاتل اليهودي الذي ينادي بـ «الموت للعرب جميعاً».. ووزارات التربية لدينا من الروضة إلى التخرج لا تعد الجهادي، والاستشهادي، لهذا نرى شبابنا يعيشون فراغاً قاتلاً، وضحالة في الفكر، وتشبهاً بالغرب، وتتبعاً للملاذّ والشهوات، والتأثر سريعاً بالشبهات، فالتربية يجب أن تعي حقيقة نفسها، وتعيش مرحلة الإعداد، وتربي الشباب على ما في كتاب الله وسنة رسوله، حتى يتحول الجيل إلى جيل جهادي، واستشهادي.

بالنسبة للأسرة المسلمة: كـيف تغـرس حـب الأقـصى وواجـب تحـريره في أبـنـائـها؟

- الوالدان المسلمان عليهما أن يجعلوا الأبناء يعيشون همّ القدس والأقصى، ومتابعة أخباره، وجعل صناديق للصدقات، وحفظ أناشيده، وتعليق صور المجاهدين، والحضور لدى الأئمة والخطباء الذين يتكلمون عن القدس والأقصى، وأن يربى الطفل منذ طفولته على حب الجهاد والاستشهاد، وأن يحفظ دينه وعقيدته، وأن ينشأ في رحاب المساجد، وأن يعيش هموم إخوانه هناك: يتألم لآلامهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، ويتمنى دائماً وأبداً أن يصلي في الأقصى، كذلك على الآباء أن يذكروا الأبناء دائماً بآيات الجهاد، وأحاديثه، وأن يكون لديهم سمعيات، ومكتبة خاصة، وفيديو، وأشرطة، وكتب.. إلخ، عن القدس والأقصى، وأن يحضروهم معهم دائماً المؤتمرات، والمهرجانات التي تدافع عن الأقصى، وأن يتابعوا قضيته أينما يكونون في الداخل والخارج، وأن يطرح كل واحد منهم على نفسه سؤالاً: كيف أحرر الأقصى؟ كيف أخدم قضيته؟ وذلك بالحفاظ على قيمهم، وأخلاقهم، وأن ينادي الوالد أولاده بصفاتهم فيقول: أهلاً بالفاتح.. أين المجاهد؟ وأن ينذر بعضهم استشهاديين.. يقول له: أنت يا بني استشهادي.. ويربيه، ويدربه على ذلك، ويحبب إليه ذلك، وأن يتخذ لهم رموزاً وقدوات من كبار المجاهدين والفاتحين كعــز الدين القسام، وصلاح الدين الأيوبي، والسباعي، وخالد مشعل، وأحمد ياسين، وأمين الحسيني، وسيد قطب، والإمام حسن البنا، وأمثالهم من أولئك الذين قاتلوا، وجاهدوا.. حتى يتأثر بهم، ويتشبه بهم.

وبالنسبة للكويت يجب أن يُربى الأطفال على الدفاع عن الكويت لأن العدو لا يزال يتهددها، وأسرانا لا يزالون هناك، بحيث يربط الوالدان بين هذه القضية وقضية القدس والأقصى، وأنها أرض واحدة، وأمة واحدة، وقضية واحدة.. فاليهود أعداء، والذين احتلوا بلادنا أعداء، فلابد من أن نعيش جميعاً مرحلة الإعداد، فهي الآن واجبة، وذلك لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (الأنفال: 60).

ماذا تقولون للشعوب والحكام في المرحلة الراهنة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية؟ وفي رأيك: كيف يمكن للعرب والمسلمين أن يتجاوزوا مشكلاتهم وأن يستعيدوا حقوقهم المغصوبة؟

- أقول لأولئك الحكـام الذين يقمعون شعوبـهم: إن من الخطورة بمكان عليهم وعلى كراسيهم أن يستمروا في قمعهم لشعوبهم.. الشاعر يقول: "إن الشعوب إذا نوت فتكت، وفتكتها أكيدة"، فالشعوب تتململ الآن لما ترى من التآمر على القدس والأقصى.. فكونوا مع شعوبكم.. فإنه لا يحفظ الأرض والعرض إلا أبناء البلاد.. وعيشوا تحت راية المحبة في الله، والأخوة في الله.. قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 13).

إن صلاح الدين وحَّد الأمة العربية الإسلامية تحت قيادة واحدة.. فزماننا اليوم زمان تكتلات، واتحادات، فالتشرذم، والتقوقع، والتمزق، هي أمضى سلاح نضعه في يد عدونا، واجتماعنا حول ديننا، وعقيدتنا هو رمز قوتنا.

أخيراً: متى بدأ اهتمامك بالقضايا العربية عموماً وقضية فلسطين خصوصاً، وهل كان هناك موقف أو سبب معين دفع بك في هذا الاتجاه؟

- لقد بدأت بالدروس في مساجد الكويت منذ عام 1970م ثم ارتقيت المنبر في عام 1976م، وكان في منطقة الجهراء، وكانت معظم الخطب إيمانية، ثم تحولت بعد ثلاث سنوات إلى منطقة الصليبخات بمسجد الدوحة، وفي هذا المسجد أعلنت «منبر الدفاع عن الأقصى» وذلك في عام 1980، ثم ذاع صيته كثيراً في مسجد «العلبان» خاصة لما أخذت أتبنى قضايا المسلمين من خلال هذا المنبر كقضية فلسطين، وكشمير، وكردستان، وقضايا الإسلام كقضية «الصحوة الإسلامية تحت الأنظمة الدكتاتورية» في ذلك الحين، واعتقال شبابها.. وغيرها من القضايا الخطيرة. ثم لما كانت الانتفاضة الأولى المباركة، ظهر أثر كبير للمنبر في العالم حتى أعلن اليهود ذلك، وسجنوا من يحمل الأشرطة التي تصدر عنه، ثم في مسجد المزيني على البحر، ثم مسجد الكليب، ثم مسجد ضاحية جابر العلي، والمنبر الآن مُوقَّف.. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُفرِّج عنه.   

آخر تعديل على الثلاثاء, 24 مايو 2022 15:04

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • "المجتمع" ترصد ردود فعل الشارع الكويتي حول مقاطعة داعمي الشواذ

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads

ملفات تفاعلية