مجلة المجتمع - إدمان القمار.. جائحة ووباء

إدمان القمار.. جائحة ووباء

د. أحمد عيسى الأربعاء، 06 يناير 2021 12:36

إن حكمة الإسلام بالغة في تحريم الميسر (القمار) الذي شاع في الجاهلية، وسماه رجساً من عمل الشيطان، ودعا الله سبحانه المؤمنين لاجتنابه ليفلحوا، وفي السنوات الأخيرة صار إدمان القمار في العالم جائحة ووباء، تسقط ظلالها القاتمة على الأفراد والأسر والمجتمعات، وفي زمن كورونا ومع بقاء الناس في بيوتهم، ارتفعت نسب إدمان المقامرة عن طريق الإنترنت.

نرصد في هذا المقال ما يحدث في بريطانيا، حيث يخسر المقامرون 14 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وفي ازدياد، ويشترك 36 مليون بريطاني في أشكال قمار الإنترنت.

يقدر عدد المقامرين في بريطانيا بنصف عدد السكان البالغين، أما الذين هم في خطورة الوقوع في إدمان القمار فيقدر عددهم بمليوني شخص، أما المدمنون فحوالي 400 ألف، منهم 55 ألف طفل بين 11 - 16 عاماً، ويكلف الإدمان على القمار الحكومة مبلغاً ضخماً يصل إلى 1.2 مليار سنوياً، وتصرف هذه الأموال على الأمراض الذهنية التي يسببها الإدمان على القمار وعلى الاستشارات النفسية والاجتماعية للمدمنين(1).

إدمان القمار قد يودي بحياة المدمنين لتشابه آثاره مع إدمان المخدرات مسبباً أضراراً اقتصادية ونفسية كبيرة

تقول الجمعيات الخيرية التي تساعد المقامرين في حل مشكلاتهم إن هذا العام كانت (هذه الجمعيات) من أكثر المؤسسات ازدحاماً؛ فعدد النساء اللواتي يبلّغن عن مشكلات المقامرة ضعف عدد الرجال، وهناك هذا العام 75 ألف امرأة من المقامرات المدمنات يقضين ساعات طويلة في المراهنة على الإنترنت، تقول إحداهن وقد خسرت 100 ألف جنيه: إن القمار كان لها طبيعياً مثل التنفس(2).

إن إدمان القمار قد يودي بحياة المدمنين لتشابه آثاره بإدمان المخدرات، ويسبب أضراراً اقتصادية ونفسية، وانعكاسات إدمان القمار على العلاقة الأسرية وانهيار الروابط الاجتماعية واحدة من الأضرار المتعددة التي تلحق مدمن القمار؛ كمشكلات الصحة العقلية، وفقدان العمل، والطلاق، والإفلاس والسجن.

وأظهرت دراسة علمية وجود تشابه بين النشاط الذهني لدى الأشخاص المفرطين في لعب القمار ومدمني المخدرات، وتثبت النتائج أن المقامرة نوع من الإدمان(3)، ولعل ذلك من حكمة ربط الخمر بالميسر في القرآن كما يقول صاحب "المنار": "ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما"(4).

مقامرون ينتحرون

إنهم يخسرون أموالهم وأنفسهم، ينتحر ما يصل إلى 650 شخصاً كل عام في بريطانيا نتيجة إدمان القمار(5)، وقد انتحر هذا العام شاب (25 عاماً) من شيفيلد بعد أن خسر 30 ألف جنيه إسترليني في القمار(6)، ومنذ سنتين انتحر شاب آخر (24 عاماً) بعد أن أدمن القمار منذ أن كان في المدرسة الثانوية(7)، وأقدمت بريطانية من ليدز (32 عاماً) على الانتحار بعد أن خسرت 44 ألف جنيه بسبب إدمانها للقمار، وقالت الأم: إنها باعت منزلها، وأعطت لابنتها ما تسدد به ديون القمار، لكنها لم تسددها، بل خسرت المبلغ كله في المقامرة في غضون أسبوعين، وأصبحت الأم بلا مأوى(8).

وفي بريطانيا، واحد من كل عشرة أطفال يعترفون بالمقامرة بأموالهم الخاصة، وسط مخاوف من انزلاق الآلاف من العائلات في "موجة مد وجزر من البؤس"، وأكثر من ثلث الأطفال راهنوا في العام الماضي، وألقى الخبراء باللوم على انتشار إعلانات المقامرة، خاصة في مجال الرياضة(9)، ولقد اتضح لي أن نصف أندية الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، و17 من بين 24 نادياً في الدوري الأول، كفيلهم هو شركات القمار، ويظهر إعلانهم في كل الملابس الرياضية التي تلعب بها المباريات، وعلى جوانب الملاعب(10).

عندما أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" عن اعترافه بالقدس عاصمة لدولة "إسرائيل" مستهتراً بقرارات الأمم المتحدة، برزت مشكلة بناء مبنى جديد للسفارة، فأعلن رجل الأعمال اليهودي وإمبراطور كازينوهات القمار في أمريكا وجزيرة ماكاو الصينية، الذي تقدر ثروته بأكثر من 34 مليار دولار "شيلدون أديلسون" عن استعداده لتحمل كلفة بناء المبنى التي تقدر بنحو نصف مليار دولار، ومنذ زواجه من امرأة إسرائيلية وهو يدعم "إسرائيل"، وأحزابها المتطرفة، ويبني المستوطنات(11)، والقمار محرم في الديانة اليهودية، ولكن حدث تحايل منهم كعادتهم، ففي أثناء حكومة "شارون" تم الترخيص للعب القمار داخل الطائرات المحلقة؛ فتقلع طائرة بوينج 3 مرات يومياً من تل أبيب لتحلق فوق البحر المتوسط(12)!

ولا تنحصر مشكلات القمار على الأمور المالية، بل تمتد لتلقي في المدمن صفات مذمومة من أجل الحصول على المال، فيقترض من أفراد العائلة أو الأصدقاء، ويمارس الكذب والاحتيال، وربما يلجأ إلى ارتكاب جرائم كبيرة، فقد سُجن زوج "بيكي" لسرقته 300 ألف جنيه إسترليني من العمل لتمويل إدمانه على القمار، وكانت حاملاً في شهرها الثامن عندما سُجن زوجها لثلاث سنوات، تقول: إنه لا يوجد دعم كاف للعائلات للتعامل مع هذه التداعيات(13).

وفي بانوراما بالتلفزيون البريطاني، قصت "أماندا" كيف خسرت أكثر من نصف مليون في المقامرة؛ حيث كانت كلما خسرت الكثير من المال عبر الإنترنت، عرضت عليها شركات القمار مكافآت نقدية مجانية لإغرائها لمواصلة اللعب، تقول: "إن ما فعلته بنفسي أمر مروع، أطفالي وضعوا أملهم فيَّ، وأنا نسفت ميراثهم"(14).

القمار شهوة آثمة تصد عن سبيل الله وتلتهم الوقت وتعوّد على الخمول وتعطل الأمة عن العمل

من القمار العصري

بناء على تعريف الميسر بأنه «كل مخاطرة يُعلَّق تمييز مستحق الغُنم، والملزم بالغرم، من جميع المشاركين فيها، على أمر تخفى عاقبته»، فمن أشكال القمار العصري: ما يسمى بألعاب الكازينو حضوراً أو بالإنترنت، وجوائز ترويج السلع، ومن سيربح المليون، واللوتري (اليانصيب)، والقمار في السباقات مثل سباق الخيول، والكلاب، وكرة القدم، والمضاربة في سوق الأسهم، ففي الغالب تعتمد على معاملات وهمية شكلية تقوم على الاحتمالات، ولا يترتب عليها أي مبادلات فعلية للسلع والخدمات.

وكذلك التسويق الإلكتروني القائم على الجوائز، والبيع عن طريق سحب الأرقام، ومسابقات الصحف والفضائيات، حيث يدور المشترك فيها الباذل للمال باتصال ونحوه بين الغنم والغرم، وجوائز السحب المرصودة للمشتركين إذا حملت الشركة المستهلك بتلك التكلفة، وكل لعب يتضمن مالاً يأخذه الغالب من المغلوب، انظر التفاصيل الفقهية في موسوعة التفسير الموضوعي(15).

أما الحكمة من تحريم الإسلام للقمار، فمنها أنه:

1- يجعل الإنسان يعتمد في كسبه على المصادفة، والأماني الفارغة، لا على كد اليمين، وعرق الجبين، والأسباب المشروعة.

2- أداة لهدم البيوت العامرة، وفقد الأموال في الحرام، وافتقار الأسر الغنية، وإذلال النفوس العزيزة.

3- يورث العداوة والبغضاء بين المتلاعبين بأكل الأموال بينهم بالباطل.

4- يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويدفع بالمتلاعبين إلى أسوأ الأخلاق، وأقبح العادات كشرب الخمور وتناول المخدرات.

5- شهوة آثمة تلتهم الوقت والجهد، وتعوّد على الخمول والكسل، وتعطل الأمة عن العمل.

6- يدفع صاحبه إلى الإجرام لأن المفلس يريد المال من أي طريق كان، ولو عن طريق السرقة أو الرشوة والاختلاس.

7- يورث الإدمان على القمار القلق، والأمراض العصبية، وقد يؤدي إلى الإجرام أو الانتحار(16).

فلم يكن عبثاً أن يحرم الإسلام القمار ليحفظ دين المسلم ونفسه وماله وعرضه وعقله، فالحمد لله على نعمة الإسلام.

 

 

________________________________________________________________

(1)   Gambling-related harm as a public health issue. Briefing paper for Local Authorities and local Public Health providers, February 2018, www.gamblingcommission.gov.uk

Also: Gambling participation in 2018: behaviour, awareness and attitudes -Annual report 2019

(2)   ‘Gambling was as normal as breathing' BBC. 28 November 2020.

(3) علماء يؤكدون الشبه بين القمار والإدمان على المخدرات، بي بي سي، 10 يناير 2005.

(4) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ج2، ص267.

(5)   Understanding the Gambling Industry and the Impact of Gambling, May 2018.

https://www.gamblingwithlives.org/

(6) Sheffield family 'betrayed' over gambling death case. BBC. 27 May 2020.

(7)   Jack Ritchie gambling death: Parents say government liable. BBC. 18 June 2019.

(8)  Gambling addiction: Mum's hopes for new Leeds NHS service. BBC. 18 September 2019

(9)   One in 10 children admit gambling with their own money. The Daily Mail. 9 November 2020

(10) Gambling in football: Bookmakers considering ban on shirt and pitchside advertising

BBC Sport .04 February 2020

(11) إمبراطور القمار يعرض بناء سفارة الولايات المتحدة في القدس، بي بي سي، 26 فبراير 2018.

(12) "إسرائيل" ترخص لنوادي القمار الطائرة، بي بي سي، 28 مايو 2002.

(13) ‘My husband stole £300,000 to fund his gambling habit’ BBC. 3 March 2020.

(14) BBC Panorama: Addicted to Gambling.12 August 2019.

(15) الميسر: موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم https://modoee.com/

(16) الحكمة من تحريم القمار، موقع إسلام سؤال وجواب، بتصرف.

آخر تعديل على الأربعاء, 06 يناير 2021 12:44

مجتمع ميديا

  • هل تعتقد أن القضية الفلسطينية قضية معقدة؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153