منصات التعلم عن بُعد.. بُعد حاضر وأبعاد غائبة

12:12 29 سبتمبر 2020 الكاتب :   د. عبد المنعم مجاور

جليلةٌ هي تلك الحِكَم المُتوارَثة، عظيمة هي تلك الأمثال المحفوظة في ذاكرة البشرية، تستدعيها تجاربَ اِخْتَزلتْ خبراتٍ، وتُرَدِّدُها مقولاتٍ اختَصَرَتْ عقودًا وسنوات؛ من مثل:" للضرورة أحكام" و"الضرورة تُقدَّر بقَدرها".. وربما تخطى الأمر حدود الحِكَم والأمثال إلى تلك المقولات المُعلّبة، والعبارات الجاهزة كمواكبة لغة العصر" و" لا يزال فلان يتدثّر بعباءة الماضي" و" من لم يستشرف المستقبل دهسته عجلات الحاضر".. إلى آخر تلك المقولات التي تحمل كثيرًا من الجوانب الإيجابية التي تستهوي كثيرين بل ربما رددوها على مسامع غيرهم ليُشعروهم بأنهم حداثيون متطورون، وربما لم يجاوز الأمر عندهم حدود تلك العبارات منطوقًا لغويًا ليس له على أرض الواقع برهانَ عِلمٍ أو دليلَ عملٍ أو فضيلةَ أداء، وهؤلاء وأشباههم لا يُؤبَه لهم في مجتمعات تتطلع إلى نهضة حقيقية لا مجرد زخارف لفظية تزيّن عبارات رنانة ولا مجرد جُمَلٍ تَفَنَّنَ أصحابها في دغدغة حواس العامة، وإظهار التَّعالُمِ الذي يقدّس الشكل؛ لأنه فارغُ المضمون، وفي هذه الإطلالة نلقي الضوء على موضوع التعلم عن بُعد باعتباره أمرًا فرضته تحديات الواقع بعد اجتياح وباء كورونا وجه البسيطة لافتًا النظر إلى كثير من الأمور التي كانت غائبة عنا في العالم العربي أو لم تكن تأخذ من الاهتمام ما تستحق على أقل تقدير.

استيقظ العالَم على هذا الزائر الثقيل الذي لم يكن ثقله وغثاثته في طول مكثه فحسب وإنما في اختفائه وتواريه، وفي إصابته مفاصل الحياة كلها في مقتل، وفي تسببه في رحيل كثير ممن نحب -نسأل الله لهم الرحمة- وفي طَرحه كثيرين رهيني الفراش يستجدون أنفاسًا كانت تملأ صدورهم جيئة وذهابًا، شهيقًا وزفيرًا دون أن يعدّها أغلبهم من النعم التي تستوجب الشكر ولو بركعات الضحى التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عن سُلامَى الإنسان ومفاصله؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى" (رواه مسلم).

وقد أصبح الناس تجاه هذا الوباء في حَيرة واضطراب ما بين مهوّل من شأنه ومهوّن، وبين هؤلاء وهؤلاء يقف فريق ثالث يردّد مقولة من المقولات السابقة: "الضرورة تقدَّر بقَدرها" فأخذ يقلّب الأمور على وجوهها؛ كي يتأقلم مع واقع جديد فرضته تلك الجائحة، ولعل أظهر قطاع شَعر فيه الناس بآثار تلك الجائحة هو قطاع التعليم الذي يلامس حياة كل الأسر تقريبًا لاتساعه وشموله مراحل حياة الناس من الطفولة حتى المرحلة الجامعية؛ هذا ناهيك عن المهتمين بأمر التعليم من المعلمين والخبراء والتربويين.. إلخ

لقد فوجئ الجميع بأنّ المدارس والمؤسسات التعليمية قد أوصدت أبوابها أمام مرتاديها، وأصبح معيار صحة الإنسان مُقدَّمًا على معيار تعليمه، ولكن هل يعني ذلك الاستغناءَ عن الأخير بداعي الحفاظ على الأول؟ أدرك كثيرون بمرور الوقت أو تداركوا أنه بالإمكان الجمع بين الاثنين معًا؛ الصحة والتعليم، فهرعوا إلى (التعلم عن بُعد) وكأنهم قد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة؛ لأنه يمنع التقارب الاجتماعي المتَّهَم الأول في انتقال العدوى، ويوفّر الوقت والجُهد، فمن غرفة صغيرة في البيت يستطيع الطالب التواصل مع أستاذه أو معلمه في أقاصي الأرض، ومن ثم ظهرت برامج وحُمّلت تطبيقات على أجهزة الحواسيب، وعبر شاشات الهواتف النقّالة في صراع محموم لإدراك أو تدارك ما فات، وأخذ أهبة الاستعداد لما هو آت! والسؤال الذي يجب أن يتصدّر المشهد الآن: أين كُنّا من كل ذلك عقودا طويلة؟ هل كنا بحاجة إلى ذلك الوباء كي نغيّر من أنماط تفكيرنا، ونعدّل من قناعاتنا؟ وهل ذلك السباق المحموم من أجل طلب العلم الذي أوصانا ديننا الحنيف بطلبه والاجتهاد فيه أم أن الأمر متعلق بمجرد الحصول على "الشهادة الدراسية" فحسب؟! هل طلابنا بالفعل طُلاب علمٍ تضع لهم الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنعون أم أنهم – وكثير منا شريك لهم- مجرد سُعاة لوظيفة أو باحثين عن فرصة عمل بابُها تلك الشهادة الدراسية؟ هب أن الحصول على تلك الوظيفة أو فرصة العمل لم تكن تشترط الحصول على شهادة هل كنا سنهرع إلى تلك المدارس أو نقرع أبواب تلك الجامعات كي نزيد من معارفنا ونطوّر من ذاتنا وننمي خبراتنا؟ هل طلب العلم عندنا لأجل العلم أم أنه مجرد باب للوجاهة أو تقليد دَرَجنا عليه؟!

قد يقول قائل: ولماذا هذه الثنائية الحادة؟ أليس من الممكن أن نجمع بين الاثنين فنحوز الحسنيين؟ والجواب: حبًّا وكرامة.. على أن تكون النيّة في ذلك حاضرة، ولتلك الأعمال سابقة، وهنا يبرز دور تحديد الهدف والقصد إليه من أقرب سبيل، على ألا يفوت المسلمَ أنه خُلِق لإعمار هذه الأرض، قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61] ولا يكون ذلك الإعمار بالعلم وحده، وإنما لابد من سياج يحفظ هذا العلم ويعرف له حدوده ويؤطّر أبعاده، وهل هناك سياج أقوى وأحفظ من سياج الخلق الكريم؟! فالعلم لا ينفع وحده، وصدق حافظ إبراهيم حين قال:

والـعـلمُ إن لــم تـكـتنفه شـمائلٌ .... تـُعـلـيه كـــان مـطـيّةَ الإخـفـاقِ

لا تـحـسبنَّ الـعـلم يـنـفع وحــدَه .... مــالــم يــُتــوَّج ربـــُّه بــخـَلاقِ

على أنّ ما تجدر الإشارة إليه أنه بالرغم من أهمية مواكبة روح العصر المتمثلة هنا في توظيف التعلم عن بعد بديلا لما أُسميه " التعلم الحي" المتمثل في حضور الطلاب أمام معلمهم وجهًا لوجه فإن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا بديلًا مؤقَّتًا دعت إليه ضرورة مُلحَّة حتى إذا سنحت فرصة العودة للمدارس والمعاهد العلمية والجامعات تركنا هذه الأجهزة الصمَّاء التي كان دورها تحصيل المعارف والعلوم، وما أيسر الحصول عليها الآن بضغطة زر، ووجهنا وجوهنا شطر معلمينا ليتربى أبناؤنا على أيديهم، ولتعدّل سلوكياتهم بتوجيهات منهم وإرشادات.

إن المدارس والجامعات لا يقتصر دورها على تحصيل تلك المعارف والعلوم تحصيلًا جافًا خاليًا من روح العلاقات الراقية بين معلم يحنو وطالب يقدِّر ويحترم، وإنما دورها أرقى من ذلك وأهم؛ إن لها دورًا اجتماعيًا لا يمكن تجاوزه أو غض الطَّرْف عنه؛ فالصداقات والصحبة الصالحة إنما تولَد على مقاعد الدراسة، وتربية ثقافة التعاون، وغرس الأخلاق الكريمة في نفوس الطلاب إنما تكون داخل قاعات التعلم الحي، وعلى مرأى ومسمع من معلّم واعٍ، ينتقي السلوك الحسن فيعززه، ولا يدع سلوكًا خارجًا إلا وقوّمه بأسلوب تربوي فيه دروس وعِبَر تُرسُخ في أذهان الطلاب وتستقر فتُستدعَى عند الحاجة إليها في المواقف الحياتية التي تتطلبها؛ هذا ناهيك عن عِظم الدور التربوي المتمثل في منظومة القيم التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون عبر شاشة صمّاء؛ لذلك فإنه إذا حضر  البعد التعليمي المعرفي في (التعلم عن بُعد) فإن أبعادًا كثيرة عنه قد غابت، وليست هذه – بالطبع- دعوة إلى التخلي عن مواكبة العصر، ولا رغبة في العودة إلى الوراء فنترك المجال لغيرنا، وإنما هي دعوة إلى الانتباه إلى أهمية الدور الذي تقوم به مؤسساتنا التعليمية؛ حفاظًا على أمن بلادنا القومي، وسِلمِها الاجتماعي، وحرصًا على بناء جيل مدرك لخطورة الدور المنوط به، ولثقل المهمة الملقاة على عاتقه؛ مهمةِ نهضة أُمّة غطّت في سبات عميق ردحًا من الزمن، وآن الأوان أن تستعيد سابق عهدها من عزٍّ غبر، ومجد أفل، وإن هذا الجيل إن شاء الله لهذه المهمة لحقيق، ولتحمل المسؤولية لجدير، فلتكن عودتنا لمدراسنا وجامعاتنا بروح جديدة قد تعلّمت الدرس، ووعت أن المتاح اليوم قد يصبح في الغد عزيز المنال، وأن نعم الله علينا تتوالى، وأفضاله علينا تُسبَغ ليل نهار فلا أقل من الاجتهاد في شكرها، وأن تزرع هذه المعاني وتُغرَس في نفوس أبنائنا، فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ورُبَّ داء شُفي بدعوة، ورُبَّ بلاء رُفع بسجدة، ولقد أحسن القائل:

إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَها   * فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعَمْ

وحُطْها بطاعةِ ربِّ العباد   * فَرُبُّ العبادِ سريعُ النـِّقَم

وخلاصة القول: إنّ توظيف مستجدات العصر ضرورة لا يمكن بحالٍ إغفالها، ولكنها لا تؤخذ على عِلّاتها، وإما تُطوَّع وفق مقتضيات الحاجة إليها، وإنّ الدعوة إلى أن يكون التعلم عن بُعدٍ هو الأساس الذي ينبغي أن يُبنى عليه حتى في الأوضاع الطبيعية دونما ضرورة من جائحة، أو فرض من ظروف طارئة لهو أمرٌ من الصواب ببعيد، وإنّ الدعوة كذلك إلى التهوين من أمره، وتعداد سيئاته ومثالبه، وأنه محض شر لهي دعوة يجانبها الصواب، ويجافيها المنطق وطبيعة الأشياء.. إننا بحاجة أن نُوْلي التعليم في عالمنا العربي عنايتا القصوى؛ لأنه لم يعد من قبيل التّرف بل هو الأصل والأساس في نهضتنا واسترجاع أمجادنا الغابرة. وإذا كان التعليم بالنسبة إلى أية أمة ضرورة فإنه بالنسبة إلينا في العالم العربي قضية وجود؛ فهل نعي الدرس قبل فوات الأوان ولا تزال الفرصة سانحة أم تُرانا ننتظر والعالَم يتشكل من جديد من حولنا فلا نجد لنا فيه موضعًا لقدم؟!

عدد المشاهدات 1598

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top