مجلة المجتمع - الطواف حول الفقراء بدل الكعبة!
طباعة

الطواف حول الفقراء بدل الكعبة!

عبدالباقي خليفة السبت، 03 يوليو 2021 10:38
  • عدد المشاهدات 3872

في عهد الاستبداد قبل الثورة التونسية، كان هناك من ينادي بتأميم الموتى، واستخدام الجثامين في زراعة الأعضاء، نفس الرهط يطالب اليوم بمصادرة أموال الراغبين في الحج (ألغي في السعودية لغير المقيمين)، بل الراغبين في ذبح الأضاحي، واستخدامها في مقاومة فيروس كورونا! أو توزيعها على الفقراء.

وقد رد عليهم وزير الشؤون الدينية التونسي أحمد عظوم بأن المسألة شخصية ولا دخل للدولة فيها، وليتصور المرء أن من يقترحون مثل هذه الاقتراحات لديهم السلطتان التنفيذية والتشريعية؛ ماذا يمكنهم أن يحولوا الأوطان؟ 

كما فعل حبيب بورقيبة عندما أباح الربا، ومنع تعدد الزوجات، وصادر الأوقاف، وحوّل مدارس ومعاهد إسلامية وحتى مساجد لشؤون أخرى بمساعدة الاتحاد الأوروبي (نجد لافتات مكتوب عليها ذلك)، وللأسف؛ فإن مسؤولة صغيرة في محافظة سوسة الساحلية، اقترحت أخيراً منع الأضاحي هذا العام والتبرع لثمنها لمواجهة كورونا.

قد يبدو الاقتراح أو ما سبق كله وجيهاً لدى البعض، فالحي من وجهة نظرهم أولى بالعضو من الميت، ومقاومة الجائحة قد تكون لها أولوية على سائر المسائل الأخرى، لكن ليسمحوا لنا بطرح بعض الأسئلة:

أليس للميت حرمة كما للحي؟ أليس لأهله حق وحرمة وهم أحياء، فكيف تؤخذ أعضاء ميتهم منهم عنوة؟ 

هل أموال الحج والأضاحي مشاعة ومباحة للدولة؟ وماذا عن أموال السفر والسياحة والبذخ لدى غير الحجاج وغير المضحين؟ لماذا لا تذكر ولا تُستدعى لمقاومة الجائحة؟ 

يقولون: بدل الطواف حول الكعبة لا بد من الطواف حول الفقراء، يا له من كلام جميل، وقد فعلها عبدالله بن مبارك حيث دفع أموال الحج لامرأة حملت من القمامة دجاجة ميتة لتطعم بناتها، وقفل راجعاً، لكن الناس رأوه في الحج، بل ويعطي الدروس، وهو لم يحج في ذلك العام، وفعلها ويفعلها كثيرون.

ويقول بعض الناس: اتركوا الطواف حول الكعبة وطوفوا حول الفقراء!

وقول آخرين: التصدق بثمن الأضحية أفضل من ذبحها!

وقول غيرهم: لقمة في فم جائع أفضل من بناء ألف جامع.

من يردد مثل هذه العبارات لا يطوفون حول الكعبة، ولا حول الفقراء!

هذه الكلمات سواء كنت تعلم أو لا تعلم، الغرض منها هو تزهيد المسلمين في الشعائر الظاهرة التي يظهر بها شعار الإسلام ويتميزون بها عن غيرهم، أو أن من يطلق مثل هذه المقولات يجهل حقيقة الدين وأحكامه الحكيمة وترتيب الأولويات.

إذ إن الفقراء موجودون في كل زمان منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا، ولم يقل أحد مثل هذا الكلام البارد.

أغلب من يكثرون من العمرة ممن وسّع الله عليهم معروفون بالصدقة وبالتبرعات أيضاً، إذ لا يحرص على العمرة غالباً ويكثر منها إلا من كان قلبه عامراً بالإيمان.

لماذا لا تكون المقارنات إلا بين العمرة والأضحية وشعائر الإسلام وبناء المساجد، والفقراء؟!

لماذا لا يقال: لا تشترِ لحماً مرتين في الأسبوع واشترِ مرة واحدة بالشهر وطُف حول الفقراء؟!

لماذا لا يقال: لا تشربوا السجائر، وادفعوا ثمنها للفقراء؟!

لماذا لا يقال: اتركوا قاعات الأفراح والأثمان الباهظة، وطوفوا حول الفقراء؟!

لماذا لا يقال: اتركوا المصايف والتنزهات، وطوفوا حول الفقراء؟!

لماذا تنفق الأموال في الترف والغناء والأفلام والمسلسلات والمباريات والإنترنت، ولا تطوف هذه الأموال حول الفقراء؟!

سؤالنا نحن الآن: لماذا لا تتركون لنا شعائرنا نتمتع بها؟!

لماذا تقارنون بين عبادتين كلتاهما ذات فضل؟!

وكأنه يشار للناس أن يتركوا كل شيء ويهتموا بعبادة واحدة!

إن هذه الأسئلة قد تدبّر بالليل ممن يكيدون لهذا الدين، ثم تخرج بالنهار على المسلمين، فيتلقفها السذج منهم الذين ينخدعون بظاهر العبارة ورونقها ولا يعلمون ما وراءها من عوامل هدم شعائر الإسلام الظاهرة والخفية، ثم إن من يردد مثل هذه العبارات غالباً لا يطوفون حول الكعبة، ولا حول الفقراء!

الأضحية أفضل، فحافظ عليها ولا تلتفت لهذه الدعوات التي تريد نفي شعائر المسلمين، وإذا ذبحت الأضحية وكنت حريصاً على الفقراء لهذا القدر فوزّع الأضحية جميعها أو أكثرها على الفقراء، أو تصدق بمال على الفقراء والمساكين، فإن أبيت وأبى ذهنك إلا أن تزهدنا في شعائرنا فاسكت، والله المستعان؛ (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32).

آخر تعديل على السبت, 03 يوليو 2021 11:02