سلامٌ لأرض خلقت للسلام.. وما رأت يوماً سلاما

سلامٌ لأرض خلقت للسلام.. وما رأت يوماً سلاما

عبد العزيز بدر القطان* الأحد، 29 مايو 2022 06:06

 

 يرونه بعيداً، ونراه قريباً بإذنه تعالى، يوم يعود الجميع إلى وطنه، ومعهم مفاتيح عمرها 71 عاماً، حق العودة، هو حق العرب والمسلمين جميعاً، كما حق الفلسطيني أن يعود إلى بلده الذي تهجر منها، ولنا حق أن نصلي في الأقصى المبارك، أن نتشارك مع الفلسطينيين الذين لم ولن يتنازلوا عن حقوقهم.

وكلما خفتت قضية فلسطين وخفت بريقها وصداها، يخرج مقاوم منها، ليعيد تركيز العرب، على أن فلسطين هي القضية الأسمى والأولى والأخيرة، هي قضية تعني الجميع، هي الدم الذي يسري في عروقنا، هي القضية التي ورثناها جيلاً بعد جيل، لأن الكبار علموا الصغار بأن لا ينسوا فلسطين بل زرعوا في قلوبهم الحب لفلسطين، والتمسك بالأرض، وغرسوا في عقولهم أيضا تاريخ وحضارة وتراث هذا البلد العظيم منذ بداية التاريخ وحتى يومنا المعاصر، ونحن يجب أن نعلم أبناءنا بأن هذا البلد، رمز للمقاومة، مقاومة المحتل، المارق، قاوم بجسده وغصن الزيتون، بحجارة لمن يتعظ كانت أقوى من البارود والنار، وسط تخاذل أمة وتخليها عن أبناء هذا البلد الذي يشكل رمزية لا بعدها رمزية ولا قبلها أيضاً.

منذ النكبة قبل 73 عاماً وحتى اليوم، أثبت الشعب الفلسطيني أنه حيّ، ولا يمكن أن يُهزم، فما يحدث هذه الأيام، من مواجهات وصمود ومقاومة، هو أكبر دليل على ذلك، هذا الشعب الذي يقاوم بجسده، والعرب يقاومون بالصمت المخجل، هؤلاء المقاومون قادرون على الدفاع عن المقدسات والقدس وكل فلسطين، لقد أسقطوا كل أوهام الصهيونية التي تتمنى أن تلغي قضية فلسطين، أبطال بيت المقدس تمكنوا من إفشال مخطط كان غاية في الخطورة، وهو تثبيت وعد (الرئيس الأمريكي السابق) دونالد ترامب بأن القدس عاصمة للكيان العنصري الاستيطاني، وقالوا للعالم كله إن للقدس أبناء يدافعون عنها، لقد كان كان الهدف الأساسي للأجندة الصهيونية منذ بداية الاحتلال هو، مسح فلسطين من خارطة العالم، لكن وقف هذا الشعب الصامد المتحصن بإيمان بالله تبارك وتعالى، وبإرادة لا تكسرها جبال في وجه هذه الأجندة، فرغم أن عمليات مواجهة هذا الشعب بأشد أنواع الأسلحة، لا تزال  المقاومة الفلسطينية مستمرة.

لمن يريد أن تسكنه فلسطين، عليه أن يبدأ بقراءة المبدع الفلسطيني الذي صان الوصية، وربط بين المسألة الاجتماعية والمسألة السياسية في عمله الإبداعي، لذا غيبت الروايات التي تناولت النكبة موضوعة الرمز، فالمعطى الواقعي الفلسطيني لا يتقبل الرمزية في الإبداع، حيث كان المبدع مشحوناً بالصور والدلالات والتفاصيل والمآسي والمذابح، فكان لا بد من تقديم تلك الشحونات فنياً وإبداعياً، لهذا غاب الرمز ليحل محله تعبير مباشر وقوي عن جوهرية النكبة وتداعياتها، والمبدع الأصيل هو الذي يخلق أدواتٍ ووسائل تعبير يمكن بواسطتها أن يظهر صوت الفرد متداخلاً في صوت الجماعة، أي معبراً عن رؤية العالم الجمعي الذي ينتمي إليه، وينقله للأخر، يستحضرني مشهد من مسلسل "التغريبة الفلسطينية"، عندما قال أحدهم لزوجته ألا تأخذ أغراضاً إلا القليل "يومان ونعود" واليومان أصبحت 73 عاماً والجميع ينتظر أن يعود، فرغم الأبعاد السياسية للقضية الفلسطينية، لكن المؤلم فيها البعد الوجداني، القهر والظلم، لحظة التخلي، من قبل الإخوة، هذه المشاعر المختلطة رغم وضوحها، ورغم أنها غير مرئية لكنها مؤلمة جداً، وتؤلم كل صاحب ضمير حي.

يذكرنا التاريخ دوماً أن النكبة الفلسطينية؛ التي تكللت فصول عنصريتها بتهجير عشرات الآلاف من مساكنهم وعن بيوتهم إلى مخيمات اللجوء والشتات وإحلال مستوطنين يهود مكانهم وما رافقها من مذابح وجرائم ضد الإنسانية، بأن نتشبث بهذه القضية ما حيينا، هذه القضية؛ التي شغلت العالم على مدار 73 عاماً حتى يومنا هذا، ذاق فيها شعبنا وأهلنا في الحبيبة فلسطين، الويلات وارتكبت بحقه مئات آلاف الانتهاكات والاعتداءات التي صُنفت في معظمها على أنها جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية التي فقدها العالم حينما صوت لصالح قرار تقسيم فلسطين المحتلة، من يَعُد إلى التاريخ يجد عوامل أخرى لا مجال لحصرها في مقال أو حتى تقرير، وهي بحاجة لسنوات من الكتابة والتوثيق، ولكن الآن نحن بتنا أمام أطول احتلال عرفه التاريخ، بل وأبشع احتلال وأكثره دموية وعنصرية، فهل سيبقى العرب والمسلمون منقسمون على حالهم؟! هل سيواصلون حتى نصرتها ولو بالسماح للشعوب بالتظاهر والتعبير عن رأيها الرافض للتطبيع مع حكومة الاحتلال التي تسير على سياسة الاستفراد شيئاً فشيء بكل نظام يخرج عن المسار الذي قد رُسم للأنظمة العربية منذ 1917 وإلى يومنا هذا، فرصتنا اليوم مساندة هذا الشعب بدعمه مادياً ومعنوياً، لوقف التهويد الصهيوني للتاريخ العربي والإسلامي في القدس وبحق مقدساتها، فكما كتب التاريخ بأن هناك من تخاذل في بيع فلسطين وخانتها الأنظمة منذ ما قبل وحتى بعد دخول اليهود الصهاينة لفلسطين وتركوا أسلحتهم تصدأ في المخازن، سيُعيد التاريخ الكتابة مرة أخرى بأن العرب في العصر الحديث أتموا سلسلة خذلانهم وحصروا تحرير فلسطين بالفلسطينيين وتركوهم في البيداء يتامى بلا حلفاء ولا حتى ماء؛ والماء لفلسطين السلاح.

بعد مرور 73 عاماً على نكبة فلسطين، من حق اللاجئين الفردي والجماعي بالعودة إلى ديارهم والعيش في وطنهم فهو حق طبيعي وأساسي من حقوق الإنسان، ويستمد مشروعيته من حقهم التاريخي في وطنهم، ولا يغيره أي حدث سياسي طارئ ولا يسقطه أي تقادم، وتكفله مبادئ القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية بالإضافة إلى قرارات هيئة الأمم المتحدة ذات العلاقة، ومن أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 والذي جاء في المادة /13/ منه أن لكل إنسان الحق في العودة إلى بلاده، كما أكدت على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة وقرار الجمعية رقم (194 – د) الصادر بتاريخ 11/12/1948 الفقرة رقم 11 والتي تنص على جوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة، لكن السؤال المهم، هل تنبّه المجتمع الدولي لخطورة أن يفقد المرء ثقته بالمنظومة القانونية، في حال سن التشريعات نظرياً وإهمال تطبيقها من الناحية العملية؟

وخلال هذه الأعوام الطويلة حاولت قوات الاحتلال الصهيوني بكافة السبل لتغيير معالم الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصبغها بالصبغة الصهيونية، منها التوسع الاستيطاني ومصادرة الأرض، ومصادرة أملاك الغائبين، وتسريب العقارات، وهدم المباني، ورفض منح تراخيص بناء جديدة، وتهويد أسماء المواقع الفلسطينية، وبناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بالإضافة لسرقة التراث الفلسطيني، ونسبته لهم؛ لكن كل محاولاته باءت بالفشل بسبب مقاومة، ووعي الشعب الفلسطيني له، وذلك بخلق أجيال متعاقبة للمطالبة بحق العودة للأراضي والديار التي هُجروا منها قسرياً.

لقد ساهمت العصابات الصهيونية التي احتلت فلسطين بنكبة 1948 في تهجير حوالي 726 ألف فلسطيني بعد تدمير أكثر من 530 قرية، أصبحوا وذريتهم بعدها لاجئين وكانوا يشكلون 75% من الفلسطينيين، وتقدر أعدادهم الآن، حسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، بما لا يقل عن ثمانية ملايين لاجئ داخل وخارج فلسطين.

مهما كتبت لن أوفي هذا الشعب المقاوم حقه، وحقيقة الكيان الصهيوني الأخيرة رأها العالم بأم عينه، ليس فقط قتل الإعلامية شيرين أبو عاقلة بدمٍ بارد، بل التهجم على النعش، في مشهد يبين حالة الوحشية التي تعتريه، هذا المشهد يؤكد أن هذا الاحتلال لا يشبه البشر، ولا يمكن أن يكون من البشر، ولكن يبقى الأمل في شيرين الرضيعة، ومحمد وأحمد وعيسى ومحمود، يبقى الأمل في ناجي العلي الجديد، في بيارات بيسان وميسلون ويافا وأطفال فلسطين، أقول لكم نحن معكم وسنبقى معكم، ولن نتخلى عنكم كما فعل الآخرون، فسلامٌ لأرض خلقت للسلام.. وما رأت يوماً سلاما.. محمود درويش.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب ومفكر ـ الكويت.

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • "المجتمع" ترصد ردود فعل الشارع الكويتي حول مقاطعة داعمي الشواذ

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads

ملفات تفاعلية