غزة.. قراءة في الظاهرة والمآلات
طباعة

غزة.. قراءة في الظاهرة والمآلات

د. عبدالله الغيلاني (*) الأحد، 07 أغسطس 2022 11:23
  • عدد المشاهدات 4110

 

                                                                                                                                                                                                                     د. عبدالله الغيلاني

       قطعة من الأرض لا تجاوز مساحتها 380 كيلومتراً مربعاً، يقطنها نحو مليوني إنسان، وقد ضُرب عليها حصار شامل، يعيش أهلها حالة ترقب دائم، فالعدو يتربص بهم ولا يكف عن التهديد بالقصف ثم لا يلبث أن يقصف فيقتل ويدمر ويهدم ويستمر في جرائمه تلك لا يلوي على شيء ولا يكترث بأي معايير سياسية أو إنسانية!

تلك ظاهرة فريدة في التاريخ، ولهذا التفرد دلالات سننية وإستراتيجية ينبغي للعقل المسلم أن يتأملها بعمق، لقد شاء الله لهذه القطعة البالغة الصغر في مساحتها والشديدة الاكتظاظ بسكانها والواقعة تحت حصار صهيو-عربي أن تكون تجسيداً لجملة من الدلالات الكبرى التي هي بدورها مقدمات لمآلات قادمة لا محالة، ولعلي أكتفي في هذا المقام بثلاث منها: فهي:

أولاً: تمثل حالة استعصاء إستراتيجي على كل مساعي الاختراق التي يقودها الصهاينة ومن ورائهم النظام الإقليمي العربي، لقد تكسرت كل النصال وصدئت كل السيوف وبقيت غزة عنواناً للاستعصاء ومقاومة الانكسار، وتلك ظاهرة تستدعي تحليلاً موضوعياً.

ثانياً: رغم تلقيها الضربات الموجعة، فما فتئت ظاهرة غزة تبهر العالم بصمودها، فمع كل غارة غادرة تنتج غزة لوناً من الثبات ودرجة عالية من العزم وحسن البلاء، وتلك روح عامة تسري في كل أهل القطاع ولا يقتصر الأمر على المجاهدين من "كتائب القسام" و"سرايا القدس"، إنتاج الصمود ومراكمة الثبات عملية بالغة التعقيد، شديدة الكلفة، خاصة في زمن العسرة، فأنى تأتي لغزة أن تتحول إلى منجم لإنتاج نماذج من الصمود والجسارة والصبر الإستراتيجي، تراها في عيون اليتامى وتلهج بها ألسنة الثكالى ويعبر عنها صبر الأرامل.

ثالثاً: لا ريب أن غزة اليوم هي الرقم الصعب ليس في المعادلة الفلسطينية فحسب، بل في المعادلة الإقليمية برمتها، فهي بروحها النضالية المتوهجة وصمودها اللامحدود تشكل أحد أضلاع مربعات القوة التي لا يمكن تجاوزها في الحسابات الإستراتيجية، ذلك رغم ضآلتها الجغرافية وبؤسها الاقتصادي وعزلها السياسي!

تلك الدلالات لها ما بعدها، فما خلقها الله عبثاً، ويظهر لي أن غزة تصنع على عين الله ومنها ستخرج مشاعل التحرير، ما يجري في غزة منذ عقدين من الزمن هو خارج الاستشراف البشري، وعلى الأمة بكل فئاتها أن ترعى هذه النبتة المباركة وأن تتعهدها بكل صنوف الإسناد، فذاك من أوجب واجبات الوقت.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أكاديمي عُماني وخبير في الشؤون الإستراتيجية

آخر تعديل على الإثنين, 08 أغسطس 2022 10:46