د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 15 سبتمبر 2020 12:22

لا تتركوهم بعدما كبروا

أنهت وزارة الصحة قبل بضع سنوات عمل طبيب وافد استشاري وحيد في تخصصه بقانون العمر، فعاد إلى بلده وشعروا بمشكلة كبرى لهذا النقص، فأعادوه باستثناء بعقد خاص براتب أعلى من قبل، وما زال على رأس عمله بكل إخلاص.

وتكرر الأمر مع عدة أطباء أنهيت خدماتهم بسبب العمر، فاتجه بعضهم إلى القطاع الخاص، وخسرنا خبراتهم، واستفاد ديوان الخدمة المدنية من هذه التجربة، وصدرت تعديلات العمر والعقود الخاصة، التي شملت أساتذة الجامعة والقضاء.. وغيرهم.

وتتكرر الأمور مرة أخرى اليوم بقرارات إنهاء الخدمات لعموم الموظفين الوافدين بالدولة للعمر، بسبب ردود فعل شعبية، دون دراسة متأنية بربط الحاجة أو الخدمة، أو الوضع النفسي والاجتماعي والإنساني لهم، فلكل واحد منهم ظروفه وحكايته، فلا تعمموا القرار بلا حدود.

كنت عائداً قبل 30 سنة من إحدى الدول العربية، فتحاورت مع الجالس بجانبي، فقال: إنه نشأ في الكويت منذ كان طفلاً صغيراً مع والده، ولم يذهب لبلده منذ 20 عاماً، فلما ذهب في إجازة لبلده لم يستطع البقاء هناك أسبوعين وعاد مباشرة للكويت بهذه الرحلة، فقلبه معلق هنا، وهذا شأن عشرات الآلاف ممن نشؤوا هنا وعاشوا في كنف الراحة والأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي في الكويت، ويتمنون الموت على أرضها.

وأعرف شخصاً أصيب بجلطة دماغية بسبب إنهاء خدماته بعد عمر 70 سنة، حتى توفي.

نعم.. أصبحت قلوبهم معلقة بالكويت صدقاً ومحبة، ولا يلامون في ذلـك، فلا تتركوهم بعدما كبروا وعشقوا هذه الأرض التي هم على استعداد للبقاء فيها ولو على الخبز والشاي.

وأقصد هنا العمالة الوسطى والدنيا، ولست معمماً على جميع الوافدين، ولكنني أتكلم عمن قدم خدمات تجاوزت 30 عاماً أفنى فيها زهرة شبابه في العمل في خدمة الكويت، مع حسن سيرة وسلوك، وغالباً لن يجدوا وظائف جديدة تناسبهم بعد الستين، فالكل يبحث عن الشباب، ولديهم من الخبرات التي تفيد أعمالهم، فلا نهملهم في شيبتهم بعد أن أخذنا شبابهم.

وكثير من الناس يحتفظون بخدمهم الكبار بالبيت دون عمل تكريماً لخدمتهم الطويلة، وكذلك بعض المسؤولين الذين ينقلون إقامة بعض الموظفين بعد تقاعدهم تكريماً لهم.

رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شيخاً ذمياً يسأل الناس، فسأله: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر رضي الله عنه بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده، ثم أرسل به إلى خازن بيت المال، وقال له: «انظر هذا وضرباءه فضع عنهم الجزية، فوالله ما أنصفناه، أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم»، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم وضع عنه الجزية وعن ضربائه.

فلا أقل من السماح لأولئك الوافدين ممن تجاوزت خدمتهم 30 عاماً، أو ولدوا بالكويت، والراغبين بالبقاء في الكويت بمنحهم إقامة دائمة، باشتراطات أمنية محددة، أهمها عدم الشحاذة، ودفع الرسوم الصحية والإدارية المطلوبة، أو الالتحاق بعائل كأبنائهم وأقاربهم من الدرجة الأولى، أو البحث عن بدائل تكرمهم ولا تهينهم «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فلا تتركوهم بعدما كبروا.

الكويت بلد الإنسانية، فلنبدع في ذلك قدر المستطاع، مع حفظ الأمن والأمان لبلدنا الحبيب.

 

_______________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

قد نستغرب تفوق أناس على آخرين في مجال دون آخر، كيف تفوقوا وتميزوا دون أقرانهم؟ هل هي تربية أم وراثة أم تعلم؟ هل هي خبرات أم قدرات أم مهارات أم ملكات؟ وهل يمكن اكتسابها؟ الجواب: «إنما العلم بالتعلم».

سأركز هنا على أمرين، الرسم والتعبير، فبداية أي طفل التقليد، فلنبدأ أولًا بتعليمه كيف يمسك القلم الرصاص، ويبدأ بالشخابيط على أي أوراق مستعملة حتى يألف القلم والورقة (بدل الحائط)، ثم نعلمه الخطوط المستقيمة والدوائر واستخدام ألوان الرصاص، والوالدان يشاركانه التدرج، هنا يبدأ تشكيل «الخيال» لدى الطفل، ويرسم رسومات غريبة بالنسبة لنا، لكنها تمثل شيئًا كبيرًا بالنسبة له، فاقبلوا خياله مع التوجيه.

سيتدرج أداؤه كلما كبر في السن وسيزيد خياله، سيرسم السمك وسط البحر، والعائلة داخل البيت، وهكذا حتى يكبر وخياله يكبر معه، وكلما كبر خياله زادت قدراته التحليلية والتخطيطية، فإما أن يعشق الرسم ويأخذ هذا الاتجاه.. وهم قلة، أو في حده الأدنى ما نرسمه على الأوراق عشوائيًا في الاجتماعات والمحاضرات.

ويمكن الاستعانة ببرامج من الإنترنت لتعلم الأطفال التدرج في الرسم، وفق أعمارهم تحت إشراف الوالدين.

ولا مانع من الرسم عبر الأجهزة الرقمية الحديثة تدريجيًا، وعدم الاعتماد عليها كليًا حتى أعمار معينة، كي لا يفقد الحس اليدوي للرسم.

سيتعلم مع النمو الكتابة، والأحرف عبارة عن رسم بشكل آخر.. خط مستقيم ودوائر ومثلثات وأقواس.. إلخ، فإذا تعلم الرسم بشكل جيد سيكون من السهل عليه تعلم الكتابة، وإذا أحب الكتابة سيحب التعرف على أنواع الخطوط، ولن يتم ذلك إلا بالتمرين والتشجيع والمتابعة.

وسيتعلم بعدها القراءة تدريجيًا، بدءًا من بابا وماما إلى ما هو أكثر، ويأتي دورنا في تنمية معرفته الكلمات والمعاني ولا نستصغره، ونشجعه على قراءة القصص والاستماع لها، وشرح المترادفات إن صادفته، ولا أفضل من الكلمات المتقاطعة.

سنطلب منه بعد قراءة كل قصة أو موضوع ملخصًا مكتوبًا لها، ونطلب منه بعد كل سماع ملخصًا كلاميًا، حتى خطبة الجمعة، ثم نتدرج معه عمريًا بتنمية الكتابة وتحويلها إلى خطابة مسموعة، لتنطلق معه الملكات اللفظية، ولا أفضل من الإذاعة المدرسية في تنميتها.

ننتقل بعدها إلى مرحلة «التعبير»، فنحدد له موضوعًا معينًا ليكتب فيه من معلوماته وخبراته، ونبدأ معه بالبسيط، ونعلمه ونشجعه، ونبين له الأخطاء، ونعزز لديه الصواب، ونحفز البلاغة عنده، واستخدام الأمثال والشعر، وكلما كبر كبرت معه المعاني وتعزز لديه التعبير الكتابي، الذي سيرى أثره لفظيًا عند الكلام مع الآخرين، حيث إنه يمتلك كلمات وتعبيرات لا يملكها غيره، وستتعزز لديه الثقة بالنفس، وهنا نجد الفارق بين القادة والخطباء والمحاورين في قدراتهم التعبيرية من دون ورقة.

وينبغي مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء، فمنهم سريع التعلم والتلقي، ومنهم المتوسط والبطيء، فلا نقسُ عليهم ولكن لنبدأ معهم كل حسب قدراته، فكلٌ ميسر لما خلق له، ولا تنسوا الدعاء لأبنائكم.

 

__________________________

ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 01 سبتمبر 2020 12:22

هل يكون الفاسد حسن النية؟

تساؤل في محله.. هل يكون الفاسد حسن النية؟!

بالتأكيد هناك فاسدون حسنو النية، ولكن هل هذا سبب كافٍ ومسوغ لفسـادهم، أو دعمهم للفساد؟ وهل يوجد في الواقع نماذج لهم؟ سأذكر لكم هذه القصة.

دعت إحدى الشركات مديراً بإحدى الوزارات للعمل معها لإدارة أحد صناديقها الاستثمارية، مستفيدة من خبرته وذكائه براتب مغرٍ، فوافق وباشر العمل معهم، وهو معروف بالصدق والأمانة والإخلاص، وحقق لهم في السنة الأولى أرباحاً هو شخصياً لم يتوقعها، فباع بيته القديم واشترى منزلاً جديداً وسيارة فارهة.. إلخ.

وحقق في السنة الثانية ضعف الأرباح السابقة، فحدثته نفسه أنه هو سبب تلك الأرباح، وأنه مغبون ومن حقه أن يأخذ نصيبه، فوضع في حسابه بطريقة ما مليون دينار ظاناً أنهم لن يكتشفوه.

استدعاه الرئيس في نهاية السنة المالية، ومعه المحامي، وواجهه بالمبلغ المختلس، فلم ينكر وقال بكل ثقة وتأويل وحسن نية: هذا جهدي، ولولاي لما حققتم تلك الأرباح.

فقال الرئيس: أنت تأخذ على عملك راتباً كبيراً وعمولة، وأخبره المحامي أن التهمة لابسته، فإما يرجع المبلغ أو يحال للنيابة، فاستسلم وأعاد المبلغ واستقال من الشركة، وعاد لوظيفته الحكومية، وانزوى عن الناس، وخسر كل شيء بسبب تأويله الحسن بأنه صاحب حق، مع وسوسة الشيطان، وحينها لم ينفعه الندم.

القصة مركبة لكنها واقعية، ولو راجع كل واحد منا ذكرياته لسمع وقرأ مثلها الكثير، بسبب حسن النية، وكل ذلك جرى دون تخطيط أو سبق إصرار وترصد، وإنما بتأويل ساذج.

ومن النماذج القصصية الشهيرة في حسن نية الفاسد «روبن هود» الذي يسرق المال من الإقطاعيين، ويوزعه على الفقراء، والناس تتعاطف معه رغم أنه فاسد، لكنه في النهاية سارق.

وأستذكر هنا الرجل الذي أحضر صدقة البادية، فلما قدم ومعه زكاة الماشية قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر: "ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" (الحديث).

هذا الرجل كان حسن النية (أهدي لي)، ولكن فعله فاسد، ومثله كثير في حياتنا اليومية.

وردت كلمة «فسد» ومشتقاتها في القرآن الكريم 25 مرة، وهي موجودة منذ بدء الخليقة، فما علينا سوى الحذر أن يصيبنا من شررها ولو قل، وعلينا أن نربي أبناءنا على الانتباه للتأويلات السلبية، التي هي مصدر الفاسد حسن النية، الذي سيستغله الآخرون من الفاسدين الحقيقيين، فيقع فيها ويخرج منها الآخرون، وحينها لا ينفع الندم ولا حسن النية ولا التأويل الحسن، والضحية هو المجتمع والوطن.

 

________________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 25 أغسطس 2020 10:15

هل ننصر "الأقصى" بنفس الطريقة؟!

إذا فقدت شيئاً ما، فمن الخطأ أن تبحث عنه بالمكان نفسه وبالطريقة نفسها لأن في ذلك إضاعة للوقت والجهد، دون الاستفادة من أي خبرات سابقة، لكن ينبغي تغيير إستراتيجية التفكير في البحث.

وينطبق هذا الأمر على حياتنا كلها، اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية وثقافية، فلا بد من تطوير تفكيرنا الإستراتيجي وفق متغيرات الحياة، وعدم العمل بنفس الآلية الجامدة.

والتغيير سُنة الحياة، ولن يكون ذلك إلا برغبة حقيقية وصادقة بالتغيير إلى الأفضل؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، سواء على مستوى دول أو منظمات أو أفراد.

استطاعت أمريكا أن تتفوق على العالم كله، رغم أنها عالم جديد لم يتجاوز عمره 300 سنة، ورغم أقدمية الدول الكبرى ذات الحضارات، فتفوقت على نفسها، وتجاوزت خلافاتها وحروبها الداخلية، وأصبحت الأولى في مختلف علوم الطب والفضاء والكيمياء.. وغيرها، وأضحت الأولى في الأنظمة العسكرية والأمنية والتقنية، فأمست تقود العالم، رغم وجود المنافسين الأقوياء روسيا والصين.

استفادوا من تجارب الحروب العالمية الأولى والثانية وفيتنام، وتركوا الاستعمار المباشر، وغيروا إستراتيجية التفكير، وانتقلوا إلى صناعة الفكر واختراق العقل وتوجيه السياسة بكل احترافية، عبر توجيه ثقافات المجتمع المحلي أولاً، ثم العالمي، من خلال الإعلام والسينما والثقافة والمطاعم والملابس، فأصبحت يضرب فيها المثل في المهارة والإتقان، حتى تبنى الناس فكرتهم وثقافتهم.

ثم ظهرت «منظومة» جديدة ليس لها بلد محدد، ولا عناصر بشرية كثيرة، استطاعت أن تسيطر تدريجياً على مؤسسات العالم المالية والإعلامية، فهي لم تيأس من فشلها وتشردها سنوات طويلة من التيه بين مختلف دول العالم، تعرضت خلالها للذل والقتل (لأفعالهم)، وغيرت إستراتيجيتها وسيطرت على المال فقط، وجعلت التنافس على الصناعة والعلوم والخدمات لدى غيرها، وهي التي توجهها عن بُعد.

وصنعت لها واجهة اسمها "إسرائيل" على أرض فلسطين، ومؤسسات أخرى تساندها أسمتها الصهيونية والماسونية.. وغيرها، وغيرت إستراتيجيتها، ونقلت الحروب بينها وبين الآخرين إلى حروب بالوكالة تقوم الشعوب بتنفيذها نيابة عنها في مختلف دول العالم، وبالأخص في العالم الإسلامي والعربي الذي اخترقته بجدارة.. وما زالت.

وما زال العرب والمسلمون يتعاملون مع المتغيرات والمستجدات بنفس الآلية، وما زالوا يبكون على اللبن المسكوب، حتى ألفوا السكينة والاستسلام، فلم تعد تخرج المظاهرات ولا بيانات الشجب والتنديد، سوى «الكويت» بموقفها المبدئي تجاه فلسطين والأقصى.

لست خائفاً على الأقصى، فله رب يحميه، ولكني قلق على الجمود الفكري في التعامل مع الأحداث بنفس الآلية المكررة، دون تطور إستراتيجي.

هل ما زلنا ننشد: من أجلك يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي.. لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن..

عيوننا إليك ترحل كل يوم.. تدور في أروقة المعابد.. وتمسح الحزن عن المساجد..

وبدأت أتساءل: هل فعلا ما زال الغضب الساطع آت بجياد الرهبة؟! وهل ما زلنا متشبثين بأن البيت لنا والقدس لنا، وبأيدينا سنعيد بهاء القدس؟!

إنها دعوة لإعادة إستراتيجية التعامل مع القضية على مستوى عالمي، فالواجهات تغيرت، والوجوه تبدلت، والأجيال تطورت، والكيانات تجددت، ولنعد إلى الله، وإلا سنعود إلى المربع الأول، وليس لنا سوى الدعاء بقلب صامت.

 

 

_________________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

 

 

 

 

الصفحة 1 من 27
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top