د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصف قرن يمر على صدور مجلتنا مجلة «المجتمع».. فماذا يعني هذا؟!

إن لنا مع هذا الحدث المهم محطات ووقفات:

الأولى: الحدث زمانياً:

إذ إن استمرار إصدار المجلة طيلة هذه السنين الطويلة نسبياً فيه دلالة على القبول والتميز وتحدي الظروف والمتغيرات، إلى جانب تمتع مجلتنا بمزايا نوعية وخصائص فريدة ساعدت في استمرار تدفق أعداد المجلة عاماً بعد عام، مع الحفاظ على الهوية والرسالة والأهداف، حقاً مجلة «المجتمع» كل المجتمع فلها من اسمها نصيب.

الثانية: الحدث مكانياً:

فالكويت واجهة ثقافية فكرية، شهد بذلك العديد من المفكرين والعلماء والباحثين، ومن ثم فصدور هذه المجلة من هذا البلد المحب للثقافة والمثقفين والعلم والعلماء والفكر والمفكرين علامة مضيئة لبيئة مبدعة، تشجع وتدعم كل المبدعين والمتفوقين والبارزين والنابغين، وتدافع وتنافح عن كل المغلوبين والضعفاء والمهجرين والمظلومين وأصحاب الحق.

الثالثة: الحدث تقنياً:

إذ شهد العالم في بداية الألفية الجديد انتقالاً سريعاً من العلم المكتوب الورقي إلى العلم التقني الإلكتروني، فمعظم الصحف والمجلات أصبحت تطبع إلكترونياً، ومن ثم صار لها موقع إلكتروني وتواصل عبر منصات وروابط فضائية «إنترنتية»، وهذا بلا شك شكل تحدياً قوياً لكثير من الصحف والمجلات الورقية في سبيل الصمود والاستمرارية والبقاء.

الرابعة: الحدث جغرافياً:

فرغم أن «المجتمع» مجلة كويتية خليجية، فإن هذا لم يحد من تواجدها وتغطياتها ومتابعاتها لما يحدث في العالمين العربي والعالمي لأحداث وقضايا وطروحات فكرية واقتصادية وسياسية وأمنية، وهذا يحسب لمجلتنا «المجتمع»، ويعلي مكانتها، ويؤكد دورها، ويرفع من قيمة أسهمها في النشر والريادة في شتى مجالات الإعلام المتخصص.

الخامسة: الحدث ريادياً:

فمجلتنا «المجتمع» جمعت بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني؛ أي بين المجلة الورقية والمجلة الإلكترونية، بل وكان احتفاؤها بكتَّابها والعاملين معها والمفكرين على مختلف جنسياتهم وبلدانهم ريادياً بامتياز، كما كان تواصلها مع شرائح المجتمع في أقطار العالمين العربي والعالمي تواصل اللحظة والحدث خبراً وصورة وتغطية.

السادسة: الحدث عولمياً:

لقد شهدت منطقتنا العربية، كما هي مناطق أخرى في العالم، هجمة عولمية، ورؤى شعبوية، وأفكاراً متناقضة، وطروحات متباينة، لكن مجلتنا «المجتمع» بقيت صامدة في وجه هذا الطوفان، ولم يلحظ عليها الكيل بمكيالين، أو الاتجاه لطرف على حساب طرف، أو الانحياز لموقف دون موقف، بل كانت رسالتها واضحة، وأهدافها نبيلة، وتوجهاتها تسير في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

السابعة: الحدث اقتصادياً:

لقد ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية معظم مفاصل العملية الإعلامية، وليست مجلتنا «المجتمع» بدعاً من ذلك، ولقد كان من آثار تلك الأزمة خروج العديد من الصحف والمجلات من المشهد الإعلامي بعد ردح من الزمن الطويل، وبقيت «المجتمع» أبية صامدة بثبات، متجددة متطورة بتوازن، مما مكنها من الاستمرارية والعطاء والانتشار.

الأربعاء, 18 سبتمبر 2019 18:19

اللغة تقوم بوظائف اقتصادية

 

على الرغم من أن النقود واللغة قد رُبط بينهما مجازياً بشكل كافٍ، فإن التشابه الخاص فيما بينهما كثيراً ما يتم إغفاله.

فإيكو – مثلاً – يساوي بين الكلمات والعملات باعتبارها علامات لها نموذج مجرد أولي لم يفطن إليه أحد قط، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد على الفرق بين الاثنتين، وهذا الفرق يقوم كما يزعم – على أساس أن العملات، وليس الكلمات، لها قيمة سلعية، وهو يتجاهل بوضوح كلاً من الجانب المادي للكلمات والجانب المعنوي للعملات.
وهناك فرق آخر لا يمكن إنكاره بين التصرف في الكلمات والتصرف في النقود، فالاحتفاظ بذكرى ورقة بمائة ريال هو بشكل واضح ليس مثل الاحتفاظ بذكرى كلمة.
فما دمت أحتفظ بذكرى كلمة في ذاكرتي فإنني أستطيع أن أنفقها مرة ومرة، ولكن الاحتفاظ بالريالات في ذاكرتي لا يساعدني على دفع قيمة فواتير وأقساط الشهر التالي.
بَيْد أننا نؤكد على أن الجانب المادي للكلمات ليس أقل أهمية من الجانب المادي للنقود سواء أكانت عملات أم أوراقاً نقدية.
يقول فلوريان كولماس في كتابه: "اللغة والاقتصاد" مؤكداً ذلك: أن الكلمات يمكن أن تكون لها قيمة سلعية، فإن لم يكن الأمر كذلك، لما استطاعت طائفة من كل صائغي العبارات الرنانة أن تكسب رزقها.
على الرغم من أن هذا ليس هو المثال الوحيد للكلمة التي يُدفع لها مقابل عندما يكون للكلمات ثمن يُدفع.
إن الحكمة الشائعة تقول: إن لم يكن الكلام من ذهب، فهو على الأقل من فضة. ولذلك يزن بعض الناس كلامهم أو يحرصون على ألا ينفقوا منه أكثر مما ينبغي.
إن الكلمات تُسَكّ كما تُسَكّ العملات، وتظل متداولة مادامت سارية المفعول. فهي – أي الكلمات – عملة التفكير، ونحن نمتلك منها أرصدة سائلة، بقدر ما نمتلك ناصية لغة معينة.

وعندما نتفاهم مع أحد فإننا نتفق على ثمن يجب دفعه، وعندما لا نكون مخلصين فإننا لا ندفع إلا كلاماً زائفاً. وعندما نصف اللغة والنقود معاً بأنهما رصيدان، فإنما نلفت النظر إلى دوريهما في تحقق الفردية.
فهما - اللغة والنقود - قدرة كامنة تجعل تحقق الفردية ممكناً عن طريق توسيع نطاق الفعل عند مَنْ يمتلكونها، وبالتالي تعينهم على التكيّف مع المجتمع. كذلك تُعدّ الكمبيالة أو السند شيئاً ذا طبيعة لغوية، والكلمات في الواقع لشيء قائماً في طبيعته. والافتراض الساذج بأن للكلمة معنى متأصلاً فيها إنما هو افتراض يشبه التصور الساذج بأن للنقود قيمة في حد ذاتها.
ولكن الكلمة والعملة كلتيهما لا يمكن أن تكونا على ما هما عليه في الواقع إلا لأن الأمر ليس كذلك.
فهما – الكلمة والعملة – في الأساس أمران اصطلاحيان ويمكنهما أداء وظيفتيهما بفضل تجريدهما، فالأولى عبارة عن أداة تبادل للسلع المعنوية، والأخيرة عبارة عن أداة تبادل للسلع المادية.
وكثيراً ما نظر إلى تشابه النقود واللغة، المعبر عنه بالترميز في اللغة ذاتها، باعتباره مجرد زخرفة أسلوبية.
ففي بدايات القرن السابع عشر الميلادي على سبيل المثال استعمل ذلك ستيفانو جواتسو، حين قال: التعبيرات والكلمات الأخرى ذات القيمة العظمى وذات القيمة الدنيا تخرج من فم المتكلم تماماً مثلما تصدر من الخزانة كل أنواع العملات، الذهبية والفضية والنحاسية.
على أن تشبيه الكلمة بالعملة له أيضاً تقليد ممتد زمنياً باعتباره دليلاً على الارتباط الأصيل بينهما. فجون لوك في كتابه: "مقال في التفاهم الإنساني" حوالي نهاية القرن السابع عشر الميلادي يصف الكلمات باعتبارها القاسم المشترك للتجارة والاتصال.
وفي الفترة نفسها تقريباً يظهر في كتابات ليبنتز مجاز التبادل، الذي يربط بين النقود واللغة، حين يقول: من خلال محاولتنا الوصول للاستنتاج أو الخلاصة، فإننا كثيراً ما نستعمل الكلمات بدلاً من الأفكار والأشياء، كما لو كانت شفرات أو فيشات ومن ثم، نصل في النهاية للب الموضوع. من هذا يتضح لنا مدى أهمية أن تكون الكلمات، بوصفها قوالب للأفكار وبوصفها كمبيالات إذا جاز التعبير، مفهومة ومتميزة وسهلة المنال ومتوافرة وشائعة ومرضية.

وبعد عقود قليلة فقط أوضح ديفيد هيوم في كتابه: "رسالة في طبيعة الإنسان". أن تشبيه الكلمة بالعملة أكثر من مسألة تفسير مجال معين للخبرة الإنسانية بطريقة مجازية باستعارة أدوات مفاهيمية من مجال آخر، ولكن هذا التشابه من وجهة نظره، قد وجد في التطور المتوازي للغة والنقود وفي وظائفهما في المجتمع، حيث يقول: وبصورة متماثلة تأسست اللغات بالتدريج عن طريق الأعراف والمواضعات الإنسانية دون أيّ تعهد أو تعاهد. وبصورة متماثلة أيضاً الذهب والفضة أصبحا المعيارين العامين للتبادل، واعتبرا مقابلاً كافياً لما يساوي قيمتهما مائة مرة.
ويتحدث يوهان جورج هامان قائلاً: النقود واللغة موضوعان يتسم البحث فيهما بدرجة من العمق والتجريد توازي عمومية استعمالهما. وهما مرتبطان أحدهما بالآخر بشكل أقوى مما هو متصور، ونظرية أحدهما تفسِّر نظرية الآخر، ويبدو أنهما يقومان على أسس مشتركة. فثروة المعرفة الإنسانية كلها تقوم على تبادل الكلمات. ومن ناحية أخرى فإن كل كنوز الحياة المدنية والاجتماعية ترتبط بالنقود بوصفها معيارها العام.
ولقد كان لقول أنطوان دي رفارول ما يبرِّره حين كتب قبل سنوات من قيام الثورة الفرنسية، وكانت الأنشطة المجتمعية قد أصبحت تمارس بالفعل عبر واسطة النقود: الكلمات مثل النقود: كانت لها قيمة محدودة قبل أن تعبِّر عن كل أنواع القيمة.
إن الأوراق النقدية والكلمات تجسِّد العلاقة المثيرة بين تفرد الشيء المادي وعمومية الأمر المجرد، وهي – الأوراق النقدية والكلمات – بسبب هذا فقط يمكنها أن تقوم بوظيفتها بوصفها أداة للتبادل.
وحقيقة الأمر فإن بين النقود واللغة علاقات ذات أهمية فيما يتعلق ببناء المجتمع. فالنقود تقوم بوظائف اتصالية، كما أن اللغة تقوم بوظائف اقتصادية.
ختاماً أقول إننا ما لم نفهم اقتصاديات اللغات، فإننا لن نتمكن من فهم تطور الخريطة اللغوية للعالم. ومن ناحية أخرى فإن الفهم الصحيح لبعض التطورات الاقتصادية يعتمد على قبول الكلمات بقيمتها الاسمية، بمعنى أن نتعامل مع اللغة بوصفها عاملاً اقتصادياً مستقلاً بذاته...

_________________________
(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 15 أغسطس 2019 15:21

الحج وترقية شؤون المسلمين

 

لو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض، لكفاها ذلك عاملاً قوياً في دفعها إلى تبادل الوسائل والتعاون على سد المفاقر، ولوصلت جميعاً على هذا النحو من التكافل إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم.
ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله من الحج، فإن المشاهد لدى أكثر المسلمين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادراً.
إذا تقرر هذا كان من أوجب واجباتنا أن ننوه بمنافع الحج للدين والدنيا معاً، وأن نكثر من ترويج هذه الحقيقة في الأذهان، وأن ننبه خطباء المساجد إلى ملاحظة هذا الأمر الجلل في شهور الموسم من كل عام.
حين جاء الإسلام جعل الحج ركناً من أركانه الخمسة، وهو أشد أركانه كلفة، لذلك أحاطه بكثير من وجوه الإعفاء جرياً على أسلوبه الحكيم في دفع الحرج عن متبعيه مصداقاً لقوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) سورة الحج: آية 78. وقوله: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)) سورة المائدة: آية 6. فاشترط له الاستطاعة من صحة ومال، وكره أن يرهق فيه أحد نفسه ولو تطوعاً وتطلباً لزيادة الأجر.
لقد أقر الإسلام الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الأجساد رجالاً ونساءً مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقد سجل الله عليهم ذلك، فقال تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية)) سورة الأنفال: آية 35. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قوي سلطان الإسلام أن لا يدخل البيت عريان.
ونظم صلوات الله وسلامه عليه الحج فجعل له أميراً يتقدم الناس ويتفقدهم، ويدفع بوائق الطريق عنهم، حتى إذا انتهوا إلى البيت تولاهم هو وخطباؤه بالإرشاد لخيري الدنيا والدين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تعميم العلم بأمر من الأمور خطب به الناس في الموسم، أو أوعز إلى أميره أن يخطب الناس به هنالك.
فحوَّل الإسلام الحج على هذا الوجه من عبادة جسدية لا روح فيها إلى عبادة اجتماعية روحية ذات أثر بليغ في ترقية شؤون المسلمين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المزايا العظيمة بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)) سورة الحج: الآيتان 27ـ28. وقد فسَّر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، وهذا شأن الإسلام في كل ما فرضه على الناس: يراعى فيه مصلحة الحياتين جميعاً.

____________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 04 أغسطس 2019 11:31

رحلة الحج زاد الجسد والروح

أوضح علماؤنا أن من الممكن قياس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام، فلدفع هذه الشبهة نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة: 198)؛ أي تطلبوا عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والاسترباح منها.

كما أن في الآية إشارة إلى أن ما يبتغيه الحاج هو من فضل الله مما يعينه على قضاء حقه ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدّين، فهو محمود، وما يطلبه لاستبقاء حظه، أو لما فيه نصيب نفسه، فهو معلول.

ثم إن الشبهة كانت حاصلة في حرفة التجارة في الحج من وجوه، منها: أن الله سبحانه منع الجدال وفي التجارة جدال، وأن التجارة محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: لما أمر الله سبحانه بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخّص في التجارة وهي من فضل الله.

ومن رحمته سبحانه أن سمّى إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، ابتغاءً من فضله، ليشعر مَنْ يزاولها أنه يبتغي من فضله، حين يتجر، وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق.

ومتى ما استقر في قلب الحاج إحساس بأنه يبتغي من فضل الله حين يكسب ويحصل على رزقه، فهو، إذن، في حالة عبادة لله تعالى، لا تتنافى مع عبادة الحج.

ومن أجل ذلك، فلقد أمر عز وجل عباده المسلمين الحجاج بالتزود لرحلة الحج، فقال سبحانه: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197).

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: أمر الله سبحانه عباده باتخاذ الزاد، حيث كانت طائفة من العرب تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد.

وغير خاف أن التزود يشمل التزود للأسفار الدنيوية، والتزود للأعمال الصالحة، فقد قال علماؤنا: أمر عز وجل بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده التقوى والعمل الصالح.

كما أن في الآية دعوة للتزود في رحلة الحج، زاد الجسد وزاد الروح، فقد جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام، والتقوى زاد القلوب والأرواح.

إن الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر بشري عظيم، يجد فيه المسلمون أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، الحج مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع المادية الاقتصادية والمعنوية الفكرية والثقافية والإعلامية.

يقول عز وجل في كتابه العزيز: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26} وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}) (الحج).

قال المفسرون رحمهم الله: إن الله سبحانه لما أمر بالحج في قوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، ذكر حكمة ذلك الأمر بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

واختلف المفسرون في هذه المنافع، إذ حملها بعضهم على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم الآخر حملها على منافع الدنيا، وهي التجارة في أيام الحج.

والأولى حملها على الأمرين جميعاً، يقول ابن الجوزي رحمه الله في تفسيره: والأصح مَنْ حملها على منافع الدارين جميعاً، لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع.

ثم إن المنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة، فهناك المنافع الروحية التي تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وهناك المنافع الاقتصادية المادية إذ يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية، كما أن في الحج رواجاً اقتصادياً للمسلمين من خلال توزيع وتبادل وبيع وشراء السلع والخدمات اللازمة، إضافة إلى منافع البُدْن والذبائح للفقراء والمساكين والمحتاجين، ومنافع التجارة وكسب المعيشة أيام الحج خاصة. ولذا، قال عز وجل في محكم كتابه وهو يخاطب سبحانه عباده المؤمنين الحجاج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ).

 

___________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 31
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top