د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كافٍ؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76 - 83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن الجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك المفرط، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات والمهرجانات التسويقية التي تحاصر الأسرة في كل مكان وزمان ومن خلال أكثر من وسيلة، فالزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية والمرء نفسه لديه حالة شراهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك وبكميات أكثر من اللازم.

ومن الأسف أن اعتاد بعض الناس على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان التي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي وهي ليست من الإسلام.

ومن ثم فإن الزوجة التي تـُعد وتطبخ والزوج الذي يجلب وينفق كلاهما متهم بالشراهة الاستهلاكية التي تنتاب مجتمعنا في رمضان وغير رمضان.

لذا، يمكن القول، بصفة عامة، إن الإسراف في هذا الشهر (رمضان) وفي غيره، سمة من سمات منطقتنا العربية، فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية تختلف عن الأشهر العادية، وتبدأ بمضاعفة استهلاكها، ويكون النهار صوماً وكسلاً والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.

إنّ صفة استهلاك المسلم هي الكفاية لا التبذير، وإن منفعته وإشباعه يتحقق ليس فقط بالإشباع المادي بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه، وإن منفعته تتحقق حتى في قيامه بواجبه نحو المسلمين وقبل ذلك أهله وزوجته وولده.

ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نعمه ويحمده ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله ونيل ثوابه عز وجل.

إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي ثم فرصة لترتيب سلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.

ثم إن شهر رمضان فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا..." هذه القاعدة، ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

لقد أكدّ الباحثون حقيقة مهمة تنص على أن فوضى الاستهلاك تبرز بوضوح، حينما تبدأ الزوجة بعرض نفقاتها لتكون نفقات من السلع والمواد الغذائية التي تبتلع فعلاً الدخل الشهري حتى آخر قرش فيه.

وتنتقل عدوى التبذير إلى الأطفال؛ فينمو معهم انعدام الحس بقيمة الأشياء فلا يحافظون بالتالي على ألعابهم أو كتبهم، وفي ظل ذلك، لا يعود قضية وقتية حالية، بل مسألة تمتد إلى المستقبل ولا يعود التبذير والترف مقتصراً على الأسرة بل والوطن كذلك، فشهر رمضان يجري تحويله عاماً بعد عام إلى مناسبة للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع، وتسهم في ذلك بقوة مختلف وسائل الإعلام وفنون الدعاية ووكالات الإعلانات.

 

________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأربعاء, 03 أبريل 2019 11:29

اقتصاد اللامساواة

إذا كان من المهم التمييز من حيث المفهوم بين فكرة الفقر كنقص في القدرة والفقر كنقص في الدخل، فإنه ليس في الإمكان ربط المنظورين بعضهما ببعض ما دام الدخل وسيلة مهمة للحصول على القدرات. وحيث إن القدرات المعززة من أجل بناء الحياة تنزع طبعيا إلى توسيع قدرة المرء ليكون أكثر إنتاجية وأقدر على الحصول على دخل أكبر.

إن الأمر لا يقتصر على أن، كمثال، توافر تعليم أساس أفضل ورعاية صحية أفضل من شأنهما أن يؤديا إلى تحسن نوعية الحياة مباشرة، بل إنهما أيضاً يزيدان من قدرة الشخص على الحصول على الدخل والتحرر من فقر الدخل أيضاً. وكلما زاد المدى الذي يتحقق بفضل التعليم الأساس والرعاية الصحية أصبح من المرجح أكثر أن تتوافر لمن يتوقع حالة من الفقر فرصة أفضل للتغلب على ما يعانيه من عوز.

وإذا كان من المهم تأكيد هذه الروابط بين فقر الدخل وفقر القدرة، فإنه من المهم أيضاً ألا تغيب عن نظرنا حقيقة أساسية وهي: أن خفض فقر الدخل وحده ربما لا يكون الحافز النهائي للسياسة المناهضة للفقر. وثمة خطر من النظر إلى الفقر بمعنى ضيق ومحدود هو الحرمان من الدخل، ثم تبرير الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وغير ذلك على أساس أنها وسائل جيدة لبلوغ الغاية وهي خفض دخل الفقر، إذ إن هذا خلط بين الوسائل والغايات.

إن القضايا التأسيسية الرئيسة تلزمنا بأن نفهم الفقر والحرمان في ضوء الحياة التي يمكن للناس عمليا أن يحيوها، والحريات التي يمكن فعليا أن يحظوا بها.

فالفقر المدقع يتركز الآن، بكثافة شديدة الوطأة، في إقليمين محددين في العالم: جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. إذ إن بها من بين جميع مناطق العالم أدنى المستويات من حيث دخل الفرد.

بيد أن هذا المنظور لا يعطينا فكرة واضحة وكاملة عن طبيعة ومحتوى حالات الحرمان في كل منهما ولا عن فقرهما النسبي. إننا بدلا من هذا، إذا نظرنا إلى الفقر باعتباره حرماناً من القدرات الأساسية، فسوف نحصل على صورة أكثر وضوحاً ودلالة من المعلومات عن مظاهر الحياة في هذه الأجزاء من العالم.

إنَّ هناك من ينتقد الاقتصاديين أحياناَ لإفراطهم في التركيز على الفعالية دون المساواة. وقد نجد بعض العذر لهذه الشكوى، ولكن يجب ملاحظة أن ظاهرة عدم المساواة حظيت باهتمام الاقتصاديين أيضاً على مدى تاريخ البحث العلمي.

إن آدم سميث الذي غالباً ما يراه البعض "أباً للاقتصاد الحديث" كان معنياً للغاية بالهوة بين الغني والفقير.

كذلك فإن بعض العلماء الاجتماعيين والفلاسفة كانوا جميعاً من المعنيين موضوعياً بهذه الظاهرة، وهم اقتصاديون نذروا جهدهم لدراستهم.

والملاحظ في السنوات الأخيرة ازدهار الدراسة الاقتصادية لظاهرة عدم المساواة كموضوع دراسي، وذلك على أيدي رواد عظام.

وليس معنى هذا إنكار أن تركيز الاهتمام على الفعالية واستبعاد الاعتبارات الأخرى مسألة شديدة الوضوح في بعض المؤلفات الاقتصادية. ولكن الاقتصاديين كمجموعة لا يمكن اتهامهم بإغفال ظاهرة اللامساواة كموضوع للدراسة.

ختاماً أقول وإذا كان ثمة سبب للامتعاض، فإنه ينصب على الأهمية النسبية التي توليها أغلب الدراسات الاقتصادية لحالة عدم المساواة داخل نطاق محدود، أعني اقتصاد اللامساواة.

 

___________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 10 فبراير 2019 10:44

سوق رأس المال الفكري

 طوال التاريخ، نشب جدال حول طريقة إحراز تقدم اقتصادي.

لكن مفهوم أن التجارة تنتج تقدماً بشرياً وأن فقدانها يحكم على الناس بعيش الكفاف، لم يقبله الجميع، فهذه العداوة القديمة نحو التجارة والمتاجرة، كوسيلة لزيادة ثروة الأمم، من الصعب أن تموت، وحتى القرن الثامن عشر، قلّما كان ينظر إلى التدفق الحر للتجارة بأنه مفيد.

إن الخرائط التي ننظر إليها الآن، والعلاقات التجارية التي نعتبرها الآن كأمر مُسلّم به، تحمل القليل من شبه تلك الخرائط والعلاقات التي كنا نعرفها قبل جيل من الزمن.

فالسوق هي الطريقة الوحيدة المعروفة لتوفير معلومات تمكّن الأفراد من أن يحكموا على المزايا النسبية لمختلف استعمالات الموارد التي ليست لديهم عنها معرفة مباشرة، التي عن طريق استعمالها، سواء قصدوا ذلك أم لا، يخدمون احتياطات أفراد بعيدين غير معروفين، وهذه المعلومات مشتتة تشتتاً جوهرياً ولا يمكن جمعها معاً وإيصالها إلى هيئة مفوّضة بمهمة خلق نظام خلقاً متعمداً.

لقد كانت قدرة الدول ذات السيادة التقليدية هذه تتآكل تقريباً بنفس السرعة التي تتآكل فيها سلطات الدول الفردية في التحكم بالتقلبات قصيرة الأجل في قيم عملاتها الخاصة، وتتآكل على نحو كبير؛ لأن المفهوم الكلاسيكي للتجارة الدولية آخذ في أن يصبح مهجوراً.

وقد ظلّ العالم يتحرك بخطوات متقطّعة، ومع حدوث عدد كبير من التراجعات، نحو اقتصاد عالميّ منذ بداية الزمن تقريباً، لكن هذه العملية تسارعت كثيراً في العقود القليلة الماضية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى أن شبكة المعلومات العالمية المتنامية والأسواق المالية العالمية والتحسينات في النقل قد سهّلت كثيراً صعوبات التجارة والإنتاج الدولية.

ولقد نتج عن هذا التسارع نحو اقتصاد عالميّ تغيير أساسي في عمل العالم، والقوة الدافعة لهذا التغيير هي تقنية المعلومات، وخاصة الأهمية النسبية لرأس المال الفكري بعلاقته برأس المال المادي.

فرأس المال الفكري -الذكاء الإنساني- أصبح الآن العامل المسيطر في الإنتاج، وأهم سوق في العالم، جوهرياً، هي سوق رأس المال الفكري.

والدول التي تحترم حرية رأس المال الفكري، وتتكيف معه تبعاً لذلك، ستزدهر في الاقتصاد العالمي، أما الدول التي تتخيل أنه يمكن استبعاد أو تذليل هذا الشكل الأقوى من رأس المال، فإنها ستذوى.

إن انفجار التجارة العالمية الهائل لم يخلق سوقاً عالمية فقط، بل إن شبكة المعلومات العالمية جعلت في الإمكان كذلك نقل تقسيم العمل عبر جميع حالات الإنتاج والتسويق مع اكتساب قيمة مضافة في عدة أقطار.

إن الكثير من هذه التجارة، وخاصة التقنية الغنية بالمعلومات، تتم أو تسهّل بشبكة معقّدة بدرجة متزايدة من التحالفات بين شركات تشترك في موارد تقنية وفكرية ثمينة، وهذه المشاركة في رأس المال الفكري قد تأخذ شكل منتوجات متطوّرة تطوراً مشتركاً، تصبّ كل منها في خطوط إنتاج الآخرين أو تورد مكونات حدود قاطعة للآخرين، أو ببساطة توفير أفضل وأحدث التنافسات التقنية فائقة السرعة.

قد نرى المساحة بين الذكاء (ما نعرفه) والجهل (ما لا نعرف أننا لا نعرفه) فرصة لاستكشاف مدينة المعرفة المستقبلية، وتعتبر هذه المساحة فرصة لروح المبادرة في المجتمع، بما يضيف إلى عملية تطور مدينة المعرفة، وهذه التساؤلات –التي يمكن اعتبارها علماً وفناً– يمكن أن تكون بعداً مبدئياً لحفز واستثارة العقل، لكن ما أهم التساؤلات الواجب طرحها لحفز عملية التفكير لما يكمن في مدن المعرفة؟ إليكم بعض الاقتراحات:

ما الذي يحكم اليوم؟ ما الذي نعرفه عن مدن المعرفة مقابل ما لا نعرفه عن هذه المدن؟ ما الخواص أو المميزات الأهم لمدينة المعرفة؟ ما الذي يوجه نشأة وارتقاء مدينة المعرفة، الذي يمكن تسميته بعوامل العرض أو الطلب؟ إذا كنت تهاجر إلى مدينة أخرى، ما الذي تبحث عنه في هذه المدينة؟ أما إذا كنت ستقيم، فما أكثر شيء تقدره في مدينتك؟ ما الذي يجعل مدينتك جاذبة للطبقة المبدعة من العاملين في مجال المعرفة؟ كيف نحول مرفأ البضائع التقليدي إلى مرفأ معرفة؟ ما نوع التجديدات الاجتماعية التي نراها اليوم في مدينة المعرفة؟ إذا طرحت مدينتك للبيع، هل كنت تشتريها؟ هل ظهر في المجتمع منطق للقيمة أو أنماط من الذكاء الخلاق، مما يستدعي وجود روح المبادرة لدى هذا المجتمع؟ وأخيراً، ما إمكانات الربح المستقبلية، أو الجذور التي تخلق ثمار مدينة المعرفة؟

إن من مهام الاقتصاد إيجاد وسيلة لدمج وسائل الإنتاج بأكثر الطرق كفاءة، ويقتضي هذا تحديداً لعوامل الإنتاج الضرورية لإيجاد نظام قادر على صنع القيمة، وكذا تحديد السياق الملائم لذلك، وكما يرى «ليف»، فإنه يمكننا اليوم أن نلاحظ في كثير من المنظمات أن التعبير عن المعرفة –على أنها عامل من عوامل الإنتاج– أصبح أكثر انتشاراً مع الوقت.

ويشير «كاريللو» إلى المعرفة كحدث تتمثل عناصره الأساسية في: «المفعول به»؛ وهو المعرفة ذاتها (الأفكار، والصور، والعروض التقديمية)، و»الفاعل» للمعرفة (الوكيل الذي يؤدي الفعل)، و»السياق» المعرفي ذو الطبيعة المرجعية (إعطاء معنى للعلاقات الممكنة ذات الصلة بالحدث)، وتتضمن التنمية القائمة على المعرفة تحديداً للفئات المتعلقة بالقيمة، والوكلاء، والمستفيدين من النظام المعرفي.

في الاقتصاد ما بعد الصناعي، احتلت الأنشطة المتعلقة بالمعرفة موقع القلب من جهود خلق الثروة الوطنية والحفاظ على النمو الاقتصادي، فيما عرف باسم «الاقتصاد المعرفي»، «الاقتصاد القائم على المعرفة»، «الاقتصاد الكوني المعتمد على المعرفة»، «الاقتصاد الشبكي الجديد» أو اختصاراً «الاقتصاد الجديد»، وقد عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) “الاقتصاد القائم على المعرفة” بأنه “الاقتصاد الذي يكون فيه إنتاج ونشر واستخدام المعرفة محركاً رئيساً للنمو وصناعة الثروة وخلق فرص للعمل في جميع الصناعات”، وفي هذا الصدد، أشار عديد من الكتاب والمؤلفين إلى تقنيات الاتصال والمعلومات وكذا العولمة باعتبارها المحرك الرئيس لهذا الاقتصاد.

في جميع أنحاء العالم، تقود المتاحف وغيرها من المرافق الثقافية عمليات التنمية الاقتصادية الإقليمية والحضرية الجديدة، ولا يمكن للتنمية الإستراتيجية للمدن أن تحدث من دون دور مناسب للثقافة والمعرفة، وتنشأ المدن وأقاليم المدن والفراغات الجديدة –أكثر من أي وقت مضى– كوحدات وثيقة الصلة بالتجمعات البشرية، وتقوم هذه الفراغات بدور حاسم في تعزيز السياسات الجديدة لدعم التنافسية والرفاهية.

وقد تحولت هذه الفراغات من نطاقات سلبية لإدارة الموارد المادية إلى عوامل نشطة حقيقية، بالإضافة إلى ذلك، فقد تطورت المعرفة والثقافة من كونها عوامل إنتاجية جامدة –مع رأس المال والقوى العاملة– وميزة نسبية في الماضي، إلى كونها مكوناً حيوياً يدعم الميزة التنافسية للأمة والمنطقة أو المدينة.

وللأسف، اليوم تموت العديد من المدن في مختلف أنحاء العالم، ويعتبر الركود إحدى أهم المشكلات الرئيسة التي تواجهها هذه المدن، وقد وصلت بعض المدن إلى مستوى عدم القدرة على تجديد خدماتها، أو تنفيذ بناها التحتية، أو الاستثمار في رأس المال البشري فيها؛ وبالتالي، فإن هذه المدن تفقد جاذبيتها لدى المواطنين بشكل عام ولدى المجموعة الشابة المتعلمة على وجه التحديد.

ونتيجة لذلك يغادر المواطنون المدينة التي ذهبوا فيها إلى المدرسة، ونشؤوا في ظلالها وشعروا فيها بأنها لهم بمنزلة البيت الكبير.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top