ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

لماذا نُعيد طرح السؤال؟
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

د. محمود المنير الثلاثاء، 05 أكتوبر 2021 09:32

matha-khasr-nadwy.jpg

بيانات الكتاب:

العنوان: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

المؤلف: العلامة أبو الحسن علي الندوي.

الناشر: دار الإيمان، المنصورة.

الطبعة: العشرون (طبعة شرعية مزيدة ومنقحة).

عدد صفحات الكتاب: 262 صفحة.

نبذة عن المؤلف:

الشيخ العلامة أبو الحسن الندوي، مفكر إسلامي وداعية هندي ولد بالهند عام 1333هـ/ 1914م، وتوفي في 23 رمضان 1420هـ/ 31 ديسمبر 1999م، ملأ الدنيا وشغل الناس، وتتلمذ على فكره ومؤلفاته الكثير من الأجيال من الدعاة، والده الشريف العلامة عبدالحي بن فخر الدين بن عبد العلي، الذي ألَّف كتباً كثيرة، أهمها "نزهة الخاطر" في 8 مجلدات.

لا يستطيع دين من الأديان ومدنية من المدنيات بالعالم أن تدعي أنها لم تتأثر بالإسلام والمسلمين

وبالرغم من أن الشيخ لم ينشأ في بلاد العرب، فإنه تكلم العربية وأجادها وكتب بها، وأسمعت كلماته العرب والعجم، وأثّرت دعوته السمحة في الأمة بأسرها؛ لقوة عاطفته وربانيته وإيمانه، قال عنه د. يوسف القرضاوي: «كان الشيخ الندويّ واحداً من هؤلاء الأفذاذ، الذين بعثهم الله لهذه الأمة؛ ليجددوا لها دينها، ويعيدوا إليها يقينها، وينهضوا بها لتؤدي رسالتها».

نال العلامة الندوي عشرات الجوائز، وتمَّ تكريمه في الكثير من المحافل العلمية، واختير عضواً في عشرات المجامع العلمية، مثل: رابطة الجامعات الإسلامية، والمجمع العلمي العربي الهندي، ومجمع اللغة العربية الأردني وغيرها، وتمَّ اختياره لجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1980م.

وهذه السطور وعشرات أمثالها لا تفي بالحديث عن الشيخ، رحمه الله، وعلمه وأثره وجهوده لخدمة الإسلام والمسلمين، ومؤلفاته التي يمكن الحصول عليها في مظانها العلمية، وهي جمة وكثيرة.

من مؤلفاته

وللعلامة الندوي قرابة 128 كتاباً أثرى بها المكتبة الإسلامية، منها:

- الإنسانية تنتظركم أيها العرب.

- ردة ولا أبا بكر لها.

- رجال الفكر والدعوة في الإسلام.

- مستقبل الأمة العربية الإسلامية بعد حرب الخليج.

- اسمعي يا مصر.

- مسؤولية العلماء في الأوضاع المتغيرة.

- دور الأمة الإسلامية في إنقاذ البشرية وإسعادها.

- دور الإسلام في نهضة الشعوب.

- أزمة هذا العصر الحقيقية.

- الإسلام وأثره في الحضارة وفضله على الإنسانية.

- الإسلام في عالم متغير.

- نحو تكوين إسلامي جديد.

- المأساة الأخيرة في العالم العربي.

- مسؤولية الأمة الإسلامية أمام الأمم والعالم.

عداوة الشعوب والأمم لا تنصرف حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في كرهه والمخافة منه

هذا الكتاب:

بدأ العلامة أبو الحسن الندوي في تأليف هذا الكتاب عام 1944م، وأكمله عام 1947م، وقد طُبِعت ترجمتُه الأرديةُ في الهند قبل رحلته الأولى للحج عام 1947م.

وينطلق هذا الكتاب من أن الإسلام عقيدة من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كِبْر وروح الثقة في غير اعتزاز، وشعور الاطمئنان في غير تواكل، وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة هداية البشرية وتعبيدها لله رب العالمين، وتبعة القيادة القائمة على الخيرية المستحقة لها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفكرة المحورية:

يطرح العلامة الندوي في كتابه فكرة محورية، وهي أن انحطاط المسلمين أولاً، وفشلهم وانعزالهم عن قيادة الأمم بعد، وانسحابهم من ميدان الحياة والعمل أخيراً، لم يكن حادثاً من نوع ما وقع وتكرر في التاريخ من انحطاط الشعوب والأمم، بل هي مأساة إنسانية عامة لم يشهد التاريخ أتعس ولا أعم منها، والعالم لم يحسب إلى الآن الحساب الصحيح لهذا الحادث، ولم يقدره قدره، وليس عنده المقياس الصحيح لشقائه وحرمانه.

كلما تقدمت أوروبا في القوة ازداد القطار البشري سرعة إلى الفوضى والقلق الاقتصادي والإفلاس الروحي

لماذا نعيد طرح السؤال؟

سؤال مهم سيطرأ على خاطر الكثير من القرَّاء: لماذا نعيد قراءة هذا الكتاب مجدداً بعد مرور قرابة 60 عاماً على طرح السؤال الذي طرحه الندوي؟

الإجابة تحمل الكثير من الألم والأمل؛ فالحال التي وصلت لها الأمة بل العالم بأسره تستدعي طرح السؤال، ولا سيما أن الجميع خسر بغياب الإسلام عن قمرة قيادة العالم، حيث اجتاحت العالم المادية الجارفة والرأسمالية المتوحشة، وانتشرت الصراعات والحروب الأهلية والعرقية، وبعد أن فقدت الأمة الإسلامية والبلاد العربية الوعي فلم تعد تعرف صديقها من عدوها، ولا تزال تلدغ من جحر واحد ألف مرة ولا تَعتبر بالحوادث والتجارب، وهي ضعيفة الذاكرة سريعة النسيان، وبالمقابل نجد أن الأمم الأوروبية -رغم إفلاسها في الروح والأخلاق وعيوبها الكثيرة التي عرضها الندوي في هذا الكتاب- قوية الوعي المدني والسياسي، بلغت سن الرشد فسادت العالم عندما تخلت عن النزاعات والحروب فيما بينها.

نعيد طرح السؤال لأننا ومن خلال ما يقدمه العلامة الندوي في كتابه ومقارنته بواقع العالم الآن نشعر بمدى حاجة البشرية الملحة إلى تغيير القيادة الإنسانية، وردها إلى الهدي الذي انبثق من الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجور إلى العدل، ومن الجاهلية إلى المعرفة، ومن صدام الحضارات إلى التعاون والتدافع السنني الذي أمر الله تعالى به.

الأمة الإسلامية لا تنهض إلا بالتحرر من سطوة الغرب والرجوع إلى تعاليم الإسلام

رحلة عطاء ممتدة:

يتجول بنا العلامة الندوي في رحلة ممتدة يرسم فيها صورة صغيرة لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى، وكيف سيطرت عليه روح الجاهلية، فإذا فرغ من ذلك، بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية؛ دوره الحضاري والريادي في تخليص البشرية الحائرة والتائهة من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرق ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن فوارق الطبقات، واستبداد الحكام، ودوره في بناء العالم على أسس قيمية عظيمة مثل العفة والطهارة والحرية والتجدد ومن المعرفة واليقين والثقة والإيمان.

أسباب الانحطاط:

ثم يستعرض العلامة الندوي أسباب انحطاط المسلمين (الروحية والمادية)، ويصف ما حل بالمسلمين أنفسهم عندما تخلوا عن مبادئ دينهم وتعاليمه، ويرسم معالم خط الانحدار المأساوي الذي لحق بالأمة حتى أودى بها إلى هذه الحال من التردي الذي نراه ماثلاً للعيان في كل المجالات.

ويشير إلى أن التاريخ شهد بأن كل أمة أصيب رجالها في رجولتهم وغيرتهم، ونساؤها في أنوثتهن وأمومتهن، وطغى فيهن التبرج، ومزاحمة الرجال في كل شيء، والزهد في الحياة المنزلية، وحبب إليهن العقم، أفل نجمها وكسفت شمسها، فأصبحت أثراً بعد عين، وهذه كانت عاقبة اليونان والرومان والفرس، وإن أوروبا لفي طريقها إلى هذه العاقبة، وتلك سُنة من سنن الله في نهضة وانحدار الأمم والحضارات.

ما زال الوعي الذي أوجده الوحي الإسلامي راسخاً في وجدان الأمة يحتاج من يجدده

علة العالم الإسلامي:

يرى العلامة الندوي، رحمه الله، أن علة علل العالم الإسلامي اليوم هي الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان لها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة، والتبذير الزائد في الحياة، ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية -إن وجدا إلى القلب سبيلاً- يحدث صراع بين الإيمان والنفاق واليقين والشك، بين المنافع العاجلة والدار الآخرة، وبين راحة الجسم ونعيم القلب، وبين حياة البطولة وموت الشهادة، صراع أحدثه كل نبي في وقته، حينئذ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي «فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى»، هنالك تفوح روائح الجنة، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء.

الجاهلية ليست فترة زمنية:

لعل مما يلفت النظر تعبير العلامة الندوي دائماً عن النكسة والارتكاسة التي حاقت بالبشرية كلها منذ أن عجزَ المسلمون عن القيادة بكلمة الجاهلية، وهو تعبير دقيق الدلالة على رؤية الندوي، رحمه الله، للفارق بين روح الإسلام والمادية التي سيطرت على العالم قبله وتسيطر عليه اليوم بعد تخلي الإسلام عن القيادة؛ «إنها الجاهلية في طبيعتها الأصلية؛ فالجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة ولكنها طابع روحي وعقلي معين».

كليات الروح الإسلامي:

لقد تميز كتاب العلامة الندوي الذي نحن بصدده بفهم عميق لكليات الروح الإسلامية في محيطها الشامل، ومن هنا يعد نموذجاً للبحث التاريخي، فالأوروبيون يؤرخون للعالم كله من زاوية النظر الغربية متأثرين بثقافتهم المادية وفلسفتهم، ثم وقعوا في أخطاء نتيجة إغفالهم لقيم كثيرة في هذه الحياة لا يستقيم تاريخ الحياة ولا يصح تفسير الحوادث والنتائج دونها.

والباحث المتحمس لروح القيادة العالمية لا ينسى بجوار الاستعداد الروحي، أن يلح على الاستعداد الصناعي والحربي، والتنظيم العلمي الجديد، وأن يتحدث عن الاستقلال التجاري المالي، لنرى بعد ذلك نظرة شمولية لكيفية استعادة الإسلام دوره القيادي.

يرى العلامة الندوي أن الحل الوحيد هو تحول القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى بريئة حاذقة.. إن التحول المؤثر الواضح هو تحول القيادة من أوروبا -بالمعنى الواسع الذي يشمل بريطانيا وأمريكا وروسيا ومن كان على شاكلتها من الأمم الآسيوية والشرقية- التي تقودها المادية والجاهلية، إلى العالم الإسلامي الذي رسم سيدنا صلى الله عليه وسلم برسالته الخالدة ودينه الحكيم معالم قيادته الراشدة.

ويشير إلى أن الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة، واسعة جداً، نستطيع أن نجمعها في كلمتين؛ «الجهاد»، و«الاجتهاد».

خلاصات الأفكار:

- كل داء من أدواء المجتمع الإنساني، وكل عيب من عيوب الجيل الحاضر، يتطلب إصلاحه حياة كاملة، ويستغرق عمر إنسان بطوله، وقد يستغرق أعمار طائفة من المصلحين ولا يزول، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب والخطب، لا تهجره إلا بتغيير نفس عميق، وإذا أرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة.

- بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة، وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة فدانت لهم طوعاً وكرهاً.

- توافرت في المسلمين بالصدر الأول الصفات التي أهَّلتهم لقيادة البشرية، وهي: أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم؛ لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، وأنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس، ولم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن.. إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده، وأنهم أدركوا أن الإنسان جسم وروح، وقلب وعقل وعواطف وجوارح، ولا يمكن أن توجد مدنية صالحة إلا بذلك، فجمعوا ذلك كله.

- من سوء حظ المسلمين -فضلاً عن سوء حظ الأتراك- أخذ الترك في الانحطاط ودب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء واستبداد الملوك وجورهم وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم وخيانة الأمراء وغشهم للأمة وإخلاد الشعب إلى الدعة والراحة.. وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم وفي صناعة الحرب وتنظيم الجيوش.

- الذي يُوجِد الاعتدال ويخفض من المادية الجامحة ويجعل منها حياة معتدلة هو النظام الروحي الديني الخلقي الحكيم الذي يوافق الفطرة الإنسانية الصحيحة، وهكذا فعل الإسلام، فقد صرف شجاعة العرب من المنافسات القبلية والتقاتل إلى الجهاد في سبيل الله، وصرف تبذيرهم وسماحتهم إلى الإنفاق في سبيل الله.

- لا تنصرف عداوة الشعوب والأمم بعضها لبعض حتى يكون لها عدو من غيرها تشترك في عداوته وكرهه والمخافة منه، وتتعاون في الحرب معه.

- كلما تقدمت أوروبا في القوة والسرعة، وازدادت وسائلها ووسائطها؛ ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية؛ حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعية والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس الروحي.

- إذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لا بد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، يضعون منهاجاً تعليمياً يجمع بين محكمات الكتاب والسُّنة وحقائق الدين التي لا تتبدل، والعلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار، ويدونون العلوم العصرية على أساس الإسلام وبروح الإسلام.

آخر تعديل على الثلاثاء, 05 أكتوبر 2021 10:08