نصيبنا وقسمتهم

نصيبنا وقسمتهم

محمد عبدالرحيم الخميس، 20 يناير 2022 05:56

لكي ينتفع الإنسان من الحمية الغذائية لا بد أن يراعي حصص الطعام وعدد السعرات الحرارية هل هي زائدة عن المعدل الطبيعي أو أقل  وجدت أن رعاية هذا المعنى معنى الحصة المناسبة أمر موجود في الدين والدنيا بل لا يتم دين الإنسان ولا دنياه إلا بمراعاة فكرة الحصة

وفي النصيحة الذهبية التي وجهت لقارون من أولي العلم {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } [القصص: 77] فليس معنى أن يذكر الإنسان ربه أن يخرج من دنياه ويترك ما أحله الله له { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]

والمسألة الكبرى التي تشغل البشر هي مسألة نصيبنا من قسمة الأرزاق فمن راض بقسمة الحكيم العليم سبحانه وتعالى ساع إلى طلب المزيد من فضل الله ومن معترض على حظه من قسمة الله عز وجل ساخط عليها يرى أنه يستحق أكثر مما عنده والسؤال الذي ينبغي أن يطرح  هل تقسيم حصص النعم بين الخلق لابد أن يقوم على التساوي أو على العدل؟؟ قسم الله تعالى  الأرزاق بين خلقه من مال وصحة وقبول اجتماعي وذكاء وغير ذلك وفق العدل والحكمة وأعلمنا أن الفقير قد يغتني وأن الضعيف قد يقوى وأن متوسط الذكاء قد يتحول إلى نابغة وشرع لنا العمل والسعي وأوجبه علينا فمنا من سعى وجد واجتهد ورزقه الله ومن الناس من اكتفى بالحسد والبغضاء والشعور بأنه مظلوم واعترض على قضاء الله تعالى فمضى عمره دون أن يتحرك لتغيير حاله يندب حظه ويبكي دما بينما يتغير العالم من حوله والناس الذين يراهم أقل منه وليس من هذا الباب أبدا من ينكر أن يعمل الناس ويجدون ثم لا يأخذون شيئا بينما هناك من يأخذ ولا يعمل شيئا

وفي عالم السعي بحثا عن المزيد من فضل الله وإحسانه هناك من يستعجل نصيبه من الرزق أو ما يظن أنه رزقه فيسلك سبيل المجرمين وينسى هذه القاعدة:"  من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه" فعقوبة الاستعجال الحرمان وجزاء الصبر والعمل العطاء وما كان لك سيأتيك مع ضعفك وما ليس لك لن تناله بقوتك

تشارك الحصص يجلب البركة ويجلب الرزق:

 ومهما كانت حصص الناس من الرزق قليلة فإن البركة تغمرها عندما يتشاركون هذه الحصص ويقدمونها عن طيب نفس ويتقاسمونها فيما بينهما وهذا ما حدث بين جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرسلهم إلى شاطئ البحر في مهمة طالت المدة وبدأ الزاد يتناقص جمعوا الطعام ووضعوه في مكان واحد لكن الزاد اقترب على النفاد حتى كان نصيب كل واحد منهم تمرة تناقص الزاد حتى لم يبق لهم شئ صنع كل منهم ما قدر عليه لم يدخر شيئا لنفسه كافئهم الله تعالى بأن رزقهم جميعا حوتا كبيرا أكلوا منه ثمان عشرة ليلة في وقت قلة الطعام لم يقل أي منهم هذه حصتي من الطعام لم يقل كيف أعطيكم وأترك نفسي؟؟

شريك أو أجير:

أحد أولئك العصاميين الذين بنوا إمبراطورية مالية ضخمة بدأ حياته عاملا بسيطا لم يقل هذا نصيبي ولابد أن اقنع به جد واجتهد دون أن يعترض على تقسيم الله تعالى للأرزاق  يقول عن سر نجاحه أنه لا يرى أحد يعمل عنده بل يرى جميع موظفيه شركاء والربح الذي يحصل عليه لهم نصيب فيه هذه الفكرة كيف تغير من طبيعة العلاقة بين العامل ورب العمل من علاقة متوترة تملأوها الظنون إلى علاقة شراكة كيف تتغير نفسية العامل حينما يشعر أنه  يعمل في ماله وليس أجيرا عند صاحب عمل يمتص قوته إلى آخر قطرة لاشك أنه سيبذل أقصى جهده لكي يخرج العمل على أتم وجه

   حصتك في أعمال الآخرين:

قد يعمل الآخرون وتحصل على حصتك من أعمالهم الصالحة او الفاسدة فمن رزقه الله جاها يستطيع به أن ينفع الناس ويقربهم من حقوقهم إذا أعان صاحب الحق أو نصر مظلوما فله نصيب من هذا الخير وبالمقابل من كان له صوت مسموع وأعان من لا يستحق  فإن شفاعته هذه في ميزان سيئاته { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85] ومثلهم في الأجر من فتح للناس بابا من ابواب الخير وأخذ بأيديهم لكي يعبروا هذا الباب فله أجر كل من فعل الخير  قال رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»

ويمتد انتفاع الإنسان بأعمال الآخرين حتى بعد وفاته ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ "[سنن ابن ماجه]  لقد مات الوالد وانقطع عمله وحددت درجته لكن العمل الصالح للولد نفع الوالد ورفع درجته

حصة الآخرين من أعمالك:

ما من إنسان إلا وخلف نجاحه قصة بل قصص ورجال ونساء ما نصيب أولئك الذين ساعدوني لأقف بين الناس عزيزا مقدرا هل أذكرهم كلما مدحني أحد هل أدعو لهم لأبي وأمي ومن علمني مهارة او معلومة او أهدي إلى نصيحة هل اشكرهم ليعلم الناس أن المعروف لا يضيع

هل كلما رزقني الله تعالى رزقا تذكرت أولئك المحتاجين فقدمت ما يسره الله من مساعدة شكرا لله على هذه النعمة وطلبا للمزيد من فضل الله تعالى وإحسانه

حصة من الصمت:

هناك حصة من الصمت عندما يكثر الكلام هذه الحصة توفر الطاقة الذهنية وتمنح الإنسان فرصة للتفكير والتقدير. ومن وصايا عيسى عليه السلام: لا تكثر الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي

هناك حصة من الذكر تعطي الإنسان قوة بدنية وروحية تعينه على الوفاء بمتطلبات الحياة وتقربه من الله تعالى وخير الذكر كتاب الله عز وجل

حصتك من كتاب الله:

بعضنا يقرأ كل المنشورات التي تأتيه وعدد من الصحف وبضع كتب لكن نصيبه من كتاب الله في رمضان فحسب وهذا حرمان كبير للنفس من الاطلاع على الحق والخير وعلى مفاتيح فهم الكون والحياة واستخراج خيرات الأرض واستنزال بركات السماء

حصتك من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  وفيها رفعة للدرجات وتكفير للسيئات وتفريج للكربات ودفع للهموم والغموم

نصيبنا من الحكمة: يحزن الكثيرون لأن نصيبهم في المال أو في غيره من الأرزاق قليل وينسون أعظم الأرزاق وهي  الحكمة ويكفينا فيها قوله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] الحكمة التي يدير بها الإنسان أموره في حال الصحة والمرض والقوة والضعف والغنى والفقر  الحكمة التي تمنعه أن ينتقل من الشكر إلى البطر مهما كان حاله من زيادة النعم وتمنعه أن ينتقل من الصبر إلى الضجر مهما كان حاله لأنه يوقن بقوله تعالى { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } [الشرح: 5، 6]

تختلف حصص الناس من الأرزاق وتدل التجارب أن الرضا خير النعم وأن النعمة قد تكون موجودة ويحرم الانسان من الاستمتاع بها فكم من غني محروم من أكلات وكم من متزوج محروم من بر ابنائه والسعادة مع زوجه وأن على المسلم أن يسعى لتحصيل ما يستطيعه من أرزاق دون أن يضيع نصيبه من الدين ونصيب أولاده من أكل الحلال ونصيب اسرته من رضوان الله تعالى وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • "المجتمع" ترصد ردود فعل الشارع الكويتي حول مقاطعة داعمي الشواذ

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads