التطرف ديني أم فكري؟

التطرف ديني أم فكري؟

د. حسان عبدالله حسان(*) الأحد، 26 يونيو 2022 03:01

 

تنطلق هذه المقالة من جملة تساؤلات حول مصطلح "التطرف الديني[1]" في واقعنا العربي والإسلامي، وهي تساؤلات ربما تكون في محلها، وربما تكون غير ذلك. وربما تكون انعكاسًا لتأثير المفهوم نفسه وتلقيه في المشهد الثقافي العام، وربما يكون أمرًا ذاتيًا عند صاحب هذه المقالة.

   أما هذه التساؤلات فهي: ما الصورة الذهنية التي يمكن أن تروج لدى الناشئين والشباب من استخدام مفهوم "التطرف الديني" في وسائل الإعلام والنقاشات المرئية؟ هل الدين يحمل بذور التطرف؟ أم الفكر وطريقة التفكير في التعامل مع "الدين"؟ هل "الدين" وحده يبقى موضعًا للتطرف (لو افترضنا) جدلا باستحقاق المفهوم؟ ألا يوجد تطرف فلسفي واقتصادي وسياسي ورياضي؟ هل التطرف حصرًا على "الدين"؟ ولماذا هو كذلك في منصاتنا ووسائلنا الثقافي والإعلامية؟ ما حكاية التأسيس لمفهوم "التطرف الديني" في مجتمعاتنا العربية؟

مفهوم التطرف:

لغة: إن التطرف بالمعنى المتداول كانحراف ما عن التوسط أو الوسطية، لم يظهر في المعاجم القديمة بهذا المعنى، ولكن أدرجته بعض المعاجم المعاصرة بهذا المعنى، جاء في المعجم الوسيط التطرف من طرف: جاوز حدَّ الاعتدال ولم يتوسط. والشيء أخذ من أطرافه (المعجم الوسيط/555). وفي معجم الغني: متطرف: تعني: المتجاوز في آرائه حدود الاعتدال.

اصطلاحاً: لم نلاحظ تعريفًا موضوعيًا للتطرف، ولكن هناك تعريفات متعددة بعضها ينطلق من التوظيف السياسي للمفهوم، أو التوظيف الديني المتحيز (بوصف دين ما بالتطرف) أو مفهومًا طبقيًا اقتصاديًا (تطرف طبقة ضد طبقة)، والشائع هو ربط التطرف بالدين في مصطلح روج له وهو (التطرف الديني). ورغم وجود موضوعات مختلفة يمكن أن يرتبط بها مفهوم التطرف وفقًا للمعنى اللغوي (مجاوز حد الاعتدال أو التوسط) كالتطرف الاقتصادي، والتطرف السياسي، والتطرف الرياضي. إلا أن المعنى الأكثر تداولًا وتعلقًا في الذهن العام (العربي خصوصًا) كان ذلك المرتبط بالدين (التطرف الديني).

التطرف: المفهوم الإسلامي

يمكن أن نلاحظ عدة ألفاظ استخدمت في المصادر الإسلامية تدل على هذا المعنى اللغوي للتطرف ومنها:

  • الغلو: وذلك في قوله تعالى)يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ( [النساء:171]. والغلو: مجاوزة الحد للشيء المحدود به. وقد حدد الله تعالى للدين حدوده، واي تجاوز فيه بالزيادة أو النقصان، أو الإفراط (التشدد) أو التفريط (التقصير) يعد غلوًا، فالغلو يكون في القرب وفي البعد. وكان القرآن محددًا عندما وصف الغلو بأنه فِي الدين (فِي دِينِكُمْ) أي الغلو موقف خارجي عن الدين من أصحاب الدين أو معتنقيه، وليس كامنًا في الدين أو متضمنًا فيه. ثم خص هذا العام وأوضح حدود الدين التي لا ينبغي تجاوزها وهي (قول الله)، فقول الله تعالى هو الذي يمثل حدود الدين. وتجاوز هذا القول بقولٍ مخالف من البشر والادعاء بأنه من الدين هو قول مردود على أصحابه وليس على الدين.
  • التشدد: حذرت النبوة باتخاذ "التشدد" منهجًا فكريًا في التعامل مع الدين، وأثبتت في ذلك يسر الدين، وهو نقيض التشدد، قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)[2]،

النبوة هنا تؤكد – وفقًا للوحي والإخبار بالسير السابقة- وجود منهجيين فكريين للتعامل مع الدين، منهج قائم على التيسير (وهو الذي يراعي حدود الدين وقول الله تعالى ولا يتجاوزه بالإفراط أو التفريط)، ومنهج قائم على المغالاة والتشدد في التعامل مع الدين (وهو الذي لا يراعي حدود الدين ولا قول الله تعالى ويتجاوزه بالإفراط تارة أو التفريط تارة أخرى أو بكليهما).

وقد حذرت النبوة من التشدد كمنهج فكري ليس فقط في التعامل في الدين، ولكن أيضا في المجال السياسي، وفي المجال الاجتماعي: ففي المجال الاجتماعي ذكرت النبوة (من شدَّد على أُمَّتي في التقاضي إذا كان مُعسرًا شدَّد اللهُ عليه في قبرِه)[3]. وفي المجال السياسي (من شدد سلطانه بمعصية الله، أوهن الله كيده يوم القيامة)[4]، (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه)[5].

مواجهة "الإسلام" لمظاهر الانحراف الفكري:

  • رهبانية:

واجه الوحي الكريم بعض صور التطرف الفكري في فهم الشريعة ومقاصدها، وفي ذلك ذم اتخاذ العزلة كمقصد للدين، واعتبرها بدعة فيمن سبقوا ) وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ( [الحديد: 27]، فقد يتمادى الإنسان في تأدية بعض النوافل والعزلة عن الناس بعض الوقت ليستمد زادًا روحيًّا يساعده على المسير في الحياة، والقيام بما يلزم من أعبائها وفق منهج يتسم بالأخلاقية الإلهية التي هي الإطار الذي يتحكم في بناء الشريعة ويتغلغل في أرجائها.

  • الإصر: مواجهة أخرى للوحي في الانحراف الفكري في فهم التشريع لدى أهل الكتاب (اليهود). والإصر: جملة الأعمال التي اكتسبها بنو إسرائيل في مسيرة الإيمان مع موسى عليه السلام، وما ترتب عليها من جملة عقوبات فُرِضت عليهم كالسبت، وتحريم بعض الطيبات، إلى التيه في الأرض. فهي إجراءات اتُّخِذت فيما بعد عقابًا لهم على سوء عملهم من التشدد والتنطع. ولهذا كان الإسلام – الفطرة هي إعادة اعتدال ميزان شريعة الله في الأرض، بما يتفق مع الفطرة والطبيعة الإنسانية، بما يمكِّن الرحمة من تأدية وظيفتها في حركة الكون ونشاط الإنسان.

إن الشريعة الإسلامية وفي أول وظائفها الحيوية للإنسان في البناء الجديد للبشرية قامت برفع الإصر الذي وضعه الإنسان على نفسه في الشرائع السابقة ) وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (  [الأعراف: 157]. واستبدلت بهذا الإصر الرحمة ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( [الأنبياء: 107].

  • وقد واجهت النبوة مجالات الانحراف الفكري الأولى في التطبيق العملي للشريعة في الواقع الاجتماعي، وتمثَّل ذلك في الحادثة المبكرة في مجتمع المدينة، وهي حادثة الثلاثة رهط المشهورة بين المسلمين. وهم أولئك النفر الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته ﷺ، قالوا: وأين نحن من عبادة رسول الله، وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فإني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله سلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني[6]... وهكذا يواجه النبي محاولات وضع الإصر الأولى، ويفصح قولًا وعملًا وشرحًا للوحي وتطبيقًا للشريعة في يسرها وحركتها على الأرض البكر الممهدة للإسلام.

لم تستلم النبوة لهذا العوج الفكري الذي يريد أن يرى التشريع حسب ما يملك من الاستطاعة والقدرة والإرادة بصورة شخصية وفردية، لا حسب قواعد فهم التشريع، التي تنضبط بضوابط: التيسير ورفع الحرج والتخفيف وكلها مجموعة في قيمة (الوسط) التي تحتص بها هذه الأمة في الفكر والشريعة والعمل.

     عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم*، وصام معه الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناسًا صاموا، فقال: أولئك العصاة؛ لأنهم شق عليهم الصوم وخالفوا الرخصة[7].

التطرف حالة فكرية:

     في ضوء هذه المقدمات (العاجلة) يمكن القول إن التطرف لا يمكنه أن يكون (دينيًا)، ولكنه حالة فكرية يمكن أن نخطط لها هرميًا: بأن تكون قاعدتها حالة فكرية غير مقصودة (كما في حالة الثلاثة رهط) والتي واجتها النبوة بالتصويب العملي والتطبيقي على حالة النبوة ذاتها، ثم وسط الهرم معاضدة هذه الحالة الفكرية المنحرفة في فهم التشريع بالتقعيد لها بالوسائل والمتابعة كما في حالة (الرهبانية)، وهو ما واجهه الوحي الكريم بالنفي أنها كتبت عليهم بهذه الطريقة وتلك الشاكلة التي هم عليها ( أي من ابتدعوها وأحدثوها واخترعوها)، أما قمة هرم الانحراف الفكري في فهم التشريع فهي حالة الإصر والأغلال (تلك التي تضيف إلى ما سبق تحويل كذل ذلك التشديد والابتداع إلى أن يكون وثيقة وعهد يمثلون به للأحكام أو العبادة) وهو ما رفعه الإسلام عن الأمة الإسلامية، وكل من يحاول أن يعيده (أي يعيد حمل هذا الثقل والإصر) فإنه يقع تحت طائلة الانحراف الفكري في فهم الدين والتشريع المتعلق به.

التطرف الديني: مخاطر الصورة الذهنية

نقصد بالصورة الذهنية هنا، ذلك الانطباع الذي يترسخ في ذهن المتلقي لمفهوم "التطرف الديني"، سواء كان ذلك بالسلب أم بالإيجاب. والحقيقة إن وصف التطرف بالديني هنا أمر ينطوي على مخاطر ثقافية تتعلق بما يستقر عن مفهوم "الدين" عند الناس، خصوصًا فئة الشباب في مرحلة نمو الشعور الديني، فهو إما أن يتلقف هذا المفهوم بالنفور من "الدين" أو بمحاولة الانغماس والتشدد فيه كرد فعل على هذا الوسم.

إن اختزال مفهوم "الدين" في مجموعة من الأفكار التي حرفت السبيل، أو انعدمت البصيرة لفهم قواعده ومقاصده، أو لأسباب مجتمعية دفعت إلى ذلك، أو لغير ذلك من الأسباب والعوامل المعتبرة. اختزال الدين – في ضوء كل تلك السياقات- في منحى التطرف به (وليس فيه) أمر ينطوي على مخاطر نفسية واجتماعية شديدة التعقيد في نتائجها الاجتماعية على مستوى الفرد والمجتمع. بالإضافة ولا شك على تلك المخاطر العقدية القابعة في نفس أصحاب الدين ومعتنقيه.

إن الدعوة هنا التي يحرص عليها صاحب هذا المقالة المتواضعة، هي مراجعة الموقف من المصطلح "التطرف الديني" عند الترويج له إعلاميًا بل وأكاديميًا، وأن تكون تلك المراجعة من منطلق حر وموضوعي يقي المجتمع فعلًا من مخاطر "التطرف" الذي هو بالأساس حالة فكرية تختلف باختلاف موضوعها وحدثها وموقفها، ولكن تظل تستند إلى خلل في التفكير لدى الفرد المتطرف، وليس خللًا في موضوع الدين ذاته. وهو ما يفهم منه – خطأ- عند اختزال مصطلح التطرف في الدين، بل وصف التطرف كلية بأنه "ديني". مع وجود مجالات أخرى للتطرف: مثل الفلسفة، والسياسة، والاقتصاد، والرياضة.

    إن الصورة الذهنية التي تربط "التطرف بالدين"، إنما تحصر الموقف من الدين إما في موقف الدفاع ضد هذا التطرف، أو الموقف السلبي والامتناع عن الحديث في "الدين" جملة. والحقيقة إن الموقفين يعطلان الدين عن أداء مهامه لا سيما في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تحتاج إلى تفعيل "الدين" ومقاصده للخروج من الأزمة الحضارية التي تعيشها تلك المجتمعات.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  يقصد بالتطرف الديني كما في مضمون المواد المقدمة تحت هذا العنوان سواء مواد إعلامية أو ثقافية او بحثية أكاديمية بالتطرف الإسلامي، حيث تناقش في هذا المضمون بصورة دائمة ما يتعلق بأفكار الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام، وليس أي دين آخر كاليهودية مثلًا أو المسيحية. وقد حصرت على استخدام ذات المصطلح الذي يروج له دون استبداله بكلمة الإسلامي.

[2] النسائي (5049).

[3] ميزان الاعتدال (4/12).

[4] كنز العمال (43678).

[5]  مسلم (1828).

[6] البخاري (5063).

* موقع بين مكة والمدينة.

[7] مسلم (1114).

(*) أستاذ أصول التربية المساعد- جامعة دمياط

آخر تعديل على الأحد, 26 يونيو 2022 16:22