خارطة العراق السياسية في العهود المبكرة للخلافة الإسلامية

15:17 25 مايو 2020 الكاتب :   سعد سعيد الديوه جي

من أكثر الأمور تغيراً على مدار التاريخ هي خرائط الجغرافية السياسية (حدود مناطق النفوذ والدول)، وديمغرافية مناطق النفوذ، أي تبدل هوية سكانها.

ففي زمن الخلافة الراشدة، انطلقت جيوش الفاتحين المسلمين في كل الاتجاهات من الجزيرة العربية، وأعقبها جيوش الدولة الأموية التي وصلت إلى حدود الصين شرقاً وإلى جبال البيرنيه غرباً، على الخط الفاصل بين الأندلس وفرنسا.

ولإدارة هذه المناطق الشاسعة فقد قسمها الأمويون إلى ستة أقاليم أو أمصار (ولايات)، لتسهيل إدارتها، وحكام الولايات نواب الخليفة، مع بقاء دمشق عاصمة للدولة، وهذه الولايات هي: الحجاز، العراق (العراقين)، الموصل، والجزيرة، وأجناد الشام، ومصر وأفريقيا، وبلاد الأندلس.

وسنركز هنا على أرض العراق والموصل وما كانتا عليه قبل الفتح وبعده، لنعرف عما كانت عليه جغرافياً وديمغرافياً، ولن نتطرق لباقي المناطق فهي خارج سياق ما نصبو إليه.

أ‌- إقليم العراق أو ما يسمى بالعراقين: ويضم الكوفة والبصرة، فالأخيرة تم تأسيسها في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد عتبة بن غزوان (16هـ/ 637م)، وكان أول والٍ عليها عمار بن ياسر رضي الله عنه، وأما الكوفة فقد أسسها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عام 17هـ/ 638م، بعد معركة القادسية في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم صارت قاعدة لانطلاق جيوش المسلمين نحو المدائن عاصمة الإمبراطورية الساسانية، ثم اتخذها الإمام علي رضي الله عنه عاصمة له بعد أحداث الفتنة في المدينة.

ومن المعلوم أن جيوش المسلمين استكملت فتوحاتها بعد معركة نهاوند "فتح الفتوح"، عام (20هـ/ 641م)، واستكملت الفتوح لاحقاً لتشمل المناطق في حدود الصين، كما ذكرنا، وكانت إمارة العراق هذه تشمل بلاد فارس والأهواز وخراسان وطخارستان (أفغانستان)، والسند، ومركز إدارة الإمارة في الكوفة أو في البصرة في بعض الأحيان، وكانت خراسان تستقل أحياناً بأمير، وقد يضاف إلى إمارة العراق بلاد اليمامة على ساحل الخليج العربي بعض الأحيان.

وأما سكان المنطقة قبل الفتح فكانوا خليطاً من العرب وأنباط وكلدان ومعظمهم على الديانة الزرادشتية أو المانوية أو المسيحية، ثم تحولوا للإسلام بعد الفتح، وتغيرت هذه الديمغرافيا بعد هجرة القبائل العربية لها وصاروا هم الغالبية.

ب‌- إقليم الموصل والجزيرة: والمدينة الرئيسة فيه كانت الموصل وهي نينوى، وهما اسمان مترادفان لأرض واحدة، وأما الجزيرة فهي الأراضي المحصورة بين نهري دجلة والفرات من جنوب الأناضول حتى سامراء، فبعد سقوط نينوى ودمارها على يد الكلدانيين الميديين عام 612ق.م، تجمع الباقون من الآشوريين على التل الشرقي (تل قليعات) وبنوا حصناً لهم.

مع ازدياد الهجرات العربية للمنطقة ثم غلب اسم الموصل على نينوى لاحقاً، وأيام الفتوحات الإسلامية كانت المدينة ترزح تحت نير الروم البيزنطيين.

وفي عام 16هـ، وجه سعد بن أبي وقاص حملة لفتح تكريت والموصل، وعلى رأس الحملة ربعي بن الأفكل العنزي، وقد انضمت القبائل العربية التي كانت حول المدينة، مثل تغلب وإياد والنمر لجيوش الفاتحين، وأزال المسلمون نظام الطبقات في الموصل وهو ما كان يعمله القياصرة ومن قبلهم الأكاسرة، ثم صارت الموصل قاعدة للانطلاق شمالاً نحو أذربيجان وأرمينيا وشهرزور والري وبلاد الكرد، وبعض مناطق شمال الجزيرة وجنوب الأناضول، وصارت الموصل المقر الرئيس لهذا الإقليم (الإمارة).

أما المناطق حول الموصل، فقد كان سكانها من بقايا الآشوريين وفرس وأكراد وأرمن، ولكن قلة السكان في المنطقة وخصوبتها دفعت القبائل العربية فكانت ديار بكر وديار ربيعة وديار مضر، التي ما زال بعضها يحمل الاسم نفسه مثل ديار بكر.

هذا المرور السريع على ما كانت عليه أراضي العراق الحالي كمنطلق الفتوحات الإسلامية وقهر الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، يضعنا في موقف مؤلم لما آلت إليه أحوالنا، وكيف كنا وإلى ما صرنا عليه من اقتتال أهل البلد الواحد واستشراء الفتن والجوع والجهل! ولكل حادث حديث.

عدد المشاهدات 1726

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top