الكنز المهمل

الكنز المهمل

الأربعاء، 06 أبريل 2022 11:32

 

لو سألنا أنفسنا: ما الشيء الذي إذا ذهب لن يعود أبداً؟ الصحة تذهب وتأتي، والمال يذهب ويأتي، أما الوقت فإذا ذهب فإنه لن يأتي أبداً، لا نتعدى الحقيقة إذا قلنا: إن الوقت هو رأس مال الإنسان، مع الإيمان والعلم يمكن للإنسان أن يتغير إلى أفضل الأحوال ويجني أعظم الأرباح، لكن عليه قبل ذلك أن يدرك الثروات التي بين يديه وعلى رأسها ثروة الزمن، فالذي لا يدرك كنوزه يعيش فقيراً ويموت معدماً، ولأهمية عنصر الوقت في كل عملية تنمية إيمانية أو اجتماعية أو حضارية نجد في كتاب الله تعالى تنبيهاً على أجزاء من الزمان عن طريق القسم بها، فالله تعالى أقسم بالعصر والضحى والليل والفجر.

وإذا كان اليوم مقسماً إلى أربع وعشرين ساعة، وهذه الساعات متاحة لكل الناس الذكي والغبي ومتوسط الذكاء والعالم والجاهل والرئيس والمرؤوس، لكن هناك من يستطيع استثمار وقته استثماراً أمثل، وهناك من يبحث عن كيفيات لقتل الوقت؛ إما لأنه لا يدرك قيمته أو لا يجد ما يفعله في هذه الثروة العظيمة، وإلى الفريقين أقول: إن معرفة الاستثمار الأمثل للوقت يجعلنا نجني المزيد من الأرباح، منها:

1- تجنب الضغوط النفسية والعصبية بسبب تراكم الأعمال.

2- إتاحة الفرصة الملائمة للقيام بحق العائلة والوصول إلى حالة الإشباع العاطفي والنفسي بين أفرادها.

3- إتاحة الفرصة لتطوير الذات للوصول إلى مستويات اجتماعية وفكرية وعملية أفضل.

ويجب أن نعلم أن البركة في الوقت نعمة كبرى من الله تعالى، وأن غيابها علامة على الحاجة لإعادة التفكير في طريقتنا في الحياة، فمن علامات المقت ضياع الوقت، وعلينا أن ندرك أن بعض الأعمال تنجز في وقت قصير، وبعضها يحتاج إلى صبر طويل، كما أن بعض الأمراض تحتاج منا إلى فترة للتداوي تطول أو تقصر، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال في مثل هذه الأمراض أن تتناول العلاج المقرر في أسبوع في جرعة واحدة، وإلا تحول العلاج إلى سم قاتل.

البركة في الوقت نعمة كبرى من الله.، وغيابها علامة على الحاجة لإعادة التفكير في طريقتنا في الحياة

يمكن لنا أن ننجز أكثر من عمل في وقت واحد اقتداء بالملائكة الذين قال الله عنهم: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (غافر: 7)، هذا النوع من الملائكة يحملون العرش ويقومون بوظيفة أخرى وهي الاستغفار للمؤمنين، يمكن للإنسان وهو ذاهب لعمله أن يقوم بألوان من الذكر أو الاستماع للقرآن أو تعلم علم معين أو اكتساب لغة أو يتواصل مع من يحب بنية الحفاظ على الود بينه وبين غيره، وهكذا في الأوقات التي تعقب انتهاء عمل والانتظار لابتداء عمل آخر، يمكن للإنسان فعل الكثير وتعلم الكثير من العلوم والمهارات.

ولا شك أننا أمام تيار جارف ينسي الإنسان نفسه ويغرقه بألوان من الملهيات حتى يمر عمره دون أن يصنع لنفسه شيئاً ينفعه في دينه أو دنياه، ونحن كذلك أمام حاجات حياتية لا تنتهي تكرس من عمل الإنسان كترس في آلة لا يستطيع الخروج من هذه الدائرة الضيقة حتى تنفذ قواه ليستبدل بترس آخر وهكذا.

وحتى يحافظ الإنسان على وقته يمكن له أن يراجع طريقته في أداء الأعمال، ويقدر كم هي الأوقات الضائعة، وكيف يمكن تقليلها وإعادة جدولة الأعمال بحيث نقلل من الهدر.

تقييم العلاقة مع سراق الوقت؛ أولئك الذين يسرقون أثمن ما نملك من صديق لا يجد ما يفعله فيمنعك من الانتفاع بوقتك، أو تقليب في صفحات وسائل التواصل دون هدف ودون جدوى.

هل نحن بحاجة إلى معرفة المزيد عن الوقت وتعلم كيفية استثماره ومنافع هذا الاستثمار أم لا وقت لدينا لفعل كل ذلك؟ ستجد من يصيح بأعلى صوته: إني مشغول جداً، ليس عندي رفاهية لما تسمونه إعادة جدولة للوقت، ولهؤلاء أقول: كان الحطاب يستغرق وقتاً طويلاً لقطع الأشجار في الغابة، مر عليه حكيم سأله: لماذا تستغرق كل هذا الوقت؟ اشحذ فأسك، قال: إني مشغول، ولو شحذ فأسه لانتهى سريعاً من قطع الأشجار وقضى وقتاً أقل، شحذ الفأس بالنسبة للحطاب هو إعادة ترتيب حياتنا.

تفاضل الأوقات

هناك أوقات أفضل من غيرها، فبالنسبة لأداء صلاة الفريضة أول الوقت أفضل من غيره.

وأول من يقوم بالعمل عندما تظهر أهميته يحتل مكانة لا يبلغها غيره من الذين يأتون من بعده؛ (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد: 10)، قبل الفتح هناك من أنفق وقاتل، وبعد الفتح هناك من أنفق وقاتل، لكن أولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا لا يعدلهم أحد، وهناك من الصحابة من له فضل السبق أسلم في أول الإعلان عن هذا الدين ومدحهم الله تعالى على ذلك فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100)، وهذا أيضاً في دنيا المال والأعمال، فالذين يفتحون سوقاً لمنتج جديد أو يبادرون إلى سوق جديدة ليسوا كمن يأتي بعدهم هم يملكون الفرص ويوزعونها.

الذين يعملون في بداية حياتهم يجنون الكثير من الثمار، منها أنهم يعملون في وقت النشاط والشباب، فإذا جاء وقت الشيخوخة أو الفتور يكونون قد صنعوا لأنفسهم مكاناً تحت الشمس يستطيعون من خلاله تلبية حاجتهم المعيشية وحاجات أسرهم، فالسعي الدؤوب في بداية العمر يوفر الكثير في منتصفه ونهايته.

لا شك أننا أمام تيار جارف ينسي الإنسان نفسه ويغرقه بألوان من الملهيات حتى يمر عمره دون أن يصنع لنفسه

وإذا كانت الأوقات تتفاضل، فإن الناس يتمايزون بمقدار مرور الوقت عليهم وهم يؤدون عملاً معيناً، وهو ما يعرف بالخبرة المتراكمة، عدد سنوات الخبرة أحد المحددات للرواتب، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن من الناس من يعمل سنوات طويلة لكن محصلة خبرته لا تتجاوز أياماً معدودة؛ لأنه لا يضيف لنفسه مهارة أو معلومة فيبقى في محله بينما السنوات تمر.

توفر الوقت.. فماذا استفدنا؟

أحد أبرز منتجات الحضارة الحديثة هي اختصار الوقت، فالرحلة التي كانت تمضي شهوراً لتصل إلى وجهتها أصبحت الآن تستغرق ساعات! والسؤال الملح: وفرت الحضارة الحديثة الكثير من الوقت، فكثير من الأعمال اليدوية والمنزلية وفي المصانع والمطاعم وغيرها أصبحت تنجز في وقت أقل، هذا الوقت الذي توافر للبشرية ماذا صنعت به؟ هل ساعدها على حياة أفضل أو على مزيد من الإنجاز؟ هل أعطاها فرصة لمزيد من الاستقرار النفسي والأسري والاجتماعي، أم خلف فراغاً كبيراً لا يدري كثيرون ماذا يصنعون فيه؟

وأحب أن أشير إلى أن فكر الإنسان كلما اتسع وهمته ارتقت تطلع إلى الكثير من الأعمال، لكن وقته وجهده لا يتسع لذلك، وإن كان حجم إنجازه أكثر من غيره عند أي مقارنة نجريها، لكن النفس الشغوفة بالعمل والإنجاز لا تزال تتطلع إلى المزيد، ما زال في ذهنها العديد من المشاريع والأحلام التي ترغب في تحويلها إلى واقع.

بركة النية

واستجابة لهذه الرغبة الصالحة في عمل الخير مع محدودية الجهد والوقت، كان لزاماً على المسلم أن يراعي النية الصالحة، فنية المؤمن خير من عمله؛ لأن بركة النية تحصل وإن لم يقم صاحبها بما نوى من عمل، فيكتب الله تعالى له الأجر، ومن أبرز الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قَالَ: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ قَالَ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً ؟ قَالَ: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ قَالَ: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ" (مسند أحمد)، فهذا الرجل الصالح الذي يحمل نية طيبة لكنه لا يملك مالا ينفقه في سبيل الله مجرد النية الصادقة رفعته مكاناً علياً وجعلته مساوياً في الأجر لصاحب المال الذي يراعي حقوق الله وحقوق إخوانه.

تاريخنا الإسلامي والإنساني مليء بهؤلاء الذين حافظوا على أوقاتهم، فكانت أعمالهم تدل عليهم لمعاصريهم ولمن يأتي بعدهم، أما أولئك الذين لم يفهموا قيمة الوقت ولم يعمروه بما ينفعهم وينفع غيرهم فوجودهم كعدمه وبقاؤهم كعدمه كذلك.

إن استغلال هذه الثروة التي أعطاها الله تعالى لكل البشر هو الذي يجعل للإنسان قيمة بين بني جنسه، وإذا صلحت النوايا وقصد الإنسان بعمله وجه الله نال الدرجات العليا في الدنيا والآخرة.

آخر تعديل على الأحد, 10 أبريل 2022 11:41

مجتمع ميديا

  • برنامج حوار"المجتمع" يطل عليكم بحلة جديدة كل خميس في الثامنة مساءً

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153