الأمة الإسلامية.. هوية الأمة الأبدية

الأمة الإسلامية.. هوية الأمة الأبدية

  عبدالعزيز بدر القطان (*) الإثنين، 15 أغسطس 2022 06:09

 

لطالما تفاخرت كنت وما زلت، بالأمة الإسلامية على انتشار رقعتها قديماً وحديثاً، الأمة العريقة التي وصلت إلى حدود واسعة خلال الفتوحات الإسلامية، ونشرت الديانة الإسلامية، بتعاليمها، بمفاهيمها، وأرست العدالة وهو مسطور تاريخياً ولا يحتاج إلى أمثلة أو شواهد، لأنها كثيرة.

ولكن التأكيد الوحيد أن أدعياء الثقافة في العالم كله، خصوصاً أصحاب التوجهات الليبرالية والعلمانية، ومن ديانات أخرى، لكن الغالب وإن اختلف معي البعض (العصبية الدينية) هي محرك لهم بطريقة أو بأخرى، فهم يطرحون ما يتوافق مع موروثهم القديم رغم نكرانهم له في بعض المواضع، تجدهم يفرحون فيما كتب الغرب، لأنهم لم يقرؤوا الإسلام وليكن القرآن الكريم لا الكتب الدينية الأخرى، أو حتى يكلف نفسه عناء الجلوس مع علماء كبار لاستشراف الحقيقة بدل البناء على المعلومات المغلوطة، وبالطبع لاعتقادهم أنهم وصلوا مبلغاً كبيراً من العلم، تجدهم يختلفون مع الآخر.

إن مفهوم الأمة كأمة متشعب وواسع، ولا يمكن فصله عن السياسة والاقتصاد والدين وحالة المجتمعات، وكما هو معروف لكل مجتمع خصوصيته ليس دينياً بل باتباع قواعده الخاصة وعاداته وتقاليده، الدين الإسلامي الذي انتشر حول العالم، لم تكن وظيفته تغيير المجتمعات بل تثقيفها وتهذيبها وفق قواعد ومقاصد حددها القرآن الكريم والسُّنّة النبوية، وما يؤكد ذلك التعايش السلمي بين جميع المكونات، بصرف النظر عن بعض البقع الجغرافية التي تستغل الدين لمآرب وأهداف أخرى والجميع يعرف أن الدين الإسلامي الحق ضد هكذا مشاريع فتنوية سابقاً والآن ولاحقاً، لكن وكما هو معروف أن الغرب استغل نقطة حساسة للفصل بين الأديان من خلال تكريس الإرهاب وربطه بالمسلمين، ليكون الإسلام الراديكالي سمة أصبحت موجودة حتى في الدول الغربية التي حاربت الإسلام تحت ذريعة الخوف من الإرهاب، وهنا لست بصدد هذا الموضوع، لكن لا بد من الإضاءة قليلاً لتبيان وقائع الأمور.

اليوم في العصر الحديث وليكن في الدول العربية والإسلامية غير العربية، الديانة الغالية هي الإسلام، الصلاة والعبادات واحدة لدى كل الشعوب المسلمة، إن كان في أقصى أو أدنى بقعة جغرافية حول العالم، وهنا الجغرافيا غير مرتبطة بالدين إلا من حيث الانتشار، إن نشر الإسلام على المستوى العالمي لا يعني تغيير قواعد الحكم لدولةٍ ما، ولا التدخل في شؤونها الخاصة أو تغيير مناخها السياسي ومزاجها الشعبي، نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان منفتحاً على الشرائع السماوية الأخرى، وكان في حالة سلم معهم ولم يُجبر أحداً على دخول الإسلام رغماً عنه، وهنا قد يقول قائل: إن بعض الحكّام المسلمين أجبروا الناس على الدخول في الإسلام، لكن هذا الأمر لا يعني أنه صك إلهي، أو أنه مرتبط بمفهوم العقيدة الإسلامية، وبرأيي المتواضع أعتبر هذا الأمر (حالة فردية – بعض الحالات الفردية)، وقلتها في مقالات سابقة: إن الديانات ثابتة إسلامية ومسيحية ويهودية، والعقائد واضحة، لجهة العبادات، لكن لجهة الاستخدام فيما يتعلق بالأمور الحياتية للمجتمعات، يجب أن تتطور الأدوات بما يتناسب وتطور المجتمعات، فما كان جائزاً بالأمس، نجده اليوم غير مقبول، وبالعكس.

على سبيل المثال، كان الحد من الأمور الأساسية قديماً (حد السرقة، حد القتل، حد الزنى.. إلخ)، ويقولون: إن الإسلام يتعارض في تطبيقه الحدود مع حقوق الإنسان، لكن إن ربطنا القديم بالحديث، بماذا يختلف قطع الرقبة عن لف حبل على رقبة المجرم وإعدامه؟ وبماذا يختلف، قطع يد سارق عن حكم بالأشغال الشاقة، أو الحكم المؤبد؟ جميعهم عقوبات صارمة لكن اختلفت الأدوات من زمان إلى آخر، وكذلك فيما يتعلق بالجزية، أليس هو ذاته ما يسمى بقانون الضرائب حديثاً! مع التأكيد على أنه قانون ظالم وجائر لكن الغرب وضعه وتماشى العالم عليه.

فالجغرافيا لا يمكن فصلها عن الأمة الإسلامية، بدليل توسع مدارس الحديث وعلماء الحديث الذين أفنوا حياتهم تجوالاً لزيارة العلماء في الأمصار المختلفة، واكتساب العلوم منهم، وكلما زادت رحلات العالم زاد من علومه ومصداقيتها، خاصة مدوني علوم الحديث، ومنعاً لأي أحكام خاطئة، وضعوا قواعد صارمة لعلم الحديث وكنت قد شرحتها في مواضع كثيرة، علم الرجال وعلوم الجرح والتعديل وغير ذلك، على سبيل المثال، أبو الريحان البيروني من وسط آسيا، والجرجاني، وأبو بكر الرازي، وابن سينا، والفارابي، وغيرهم، ولكلٍ منهم مسقط رأس له هويته وخصوصيته، فهل كانت علومهم مقتصرة على دولهم أو مناطقهم؟ بل على العكس، إن هوية الإسلام هي الانتشار بمعناه الواسع والاجتماعي، فعند دخول العرب المسلمين إلى الأندلس أو أي بلاد لم يكن الحرق والقتل وتدمير العلوم هو الغاية، وإن فعلها أحدهم لا يعني هذا بأن ذلك كما أشرت آنفاً بأن الدين جزء من هذه الأمور، لكن التراث القديم يؤكد أن الحضارة الإسلامية جغرافياً كانت حضارة عظيمة وواسعة وقيمتها كبيرة جداً، وهي أفض حالاً بألف مرة من الأمة الحديثة سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية.

القيم والأخلاق اليوم لا تشبه أخلاق الأمس بشيء، فكانت على سبيل المثال مراسلات الشيخ محمد عبده (الإسلامي) مع ليو تولستوي (المسيحي) ذات طابع إنساني لا ديني، والجميع يعلم موقف الأخير من الكنيسة وما حدث له في أيامه الأخيرة وأثناء وفاته، فإن كان جمهور الغرب رفض سيطرة الكنيسة وله أسبابه، لا يستطيع المسلم رفض الإسلام إلا في حالة واحدة، أولئك الذين يستغلون الدين والإسلام أو المسيحية لمآرب سياسية وهم في عالمنا اليوم موجودون وكثر، وأخصص العراق ولبنان بشكل واسع، مثلاً لمحت صورة أحد المرشحين لأحد البرلمانات العربية كتب على صورة ترشيحه: "رأيت سيدتنا.. وطلبت مني أن أترشح، وأنا أنفذ طلبها"، وهذا يعني هناك من يستغل الدين لتحقيق أهدافه من خلال استغلال حب الشعب لرموزهم الدينية أياً كانت معتقداته، بالتالي، الانتشار الديني هو سمة أساسية للهوية الإسلامية، ومن يقرأ التاريخ جيداً ويتابع سير علمائه يعي تماماً، لا.. بل يُدرك أن العالم اللبناني نجح في مصر، والعالم الأندلسي برع في العراق، والدمشقي والحجازي والآسيوي وغيرهم برعوا في غير مناطق.

وكل قارئ جيد ومتتبع ماهر لسير تحركات الانتشار الإسلامي يتبين أن الحكام الإسلاميين أدخلوا التعريب واستعانوا بالمترجمين من دول غربية وبخاصة اليونان، فاستفادوا وأفادوا، وكان الاقتصاد الإسلامي من أقوى الاقتصادات عالمياً، ولا أستعين إلا بالتاريخ لتأكيد كل ما أقول، أما حروب اليوم وإن كان دولة إسلامية ضد أخرى، فهي عسكرية مغلفة بطابع اقتصادي، يتم بزج الدين فيها كما أشرت لمقاصد ومآرب لا صلة لها بالإسلام والإسلام منها براء، الآن هناك مناوشات قد ترتقي لأن تكون حرباً بين أذربيجان الإسلامية وأرمينيا المسيحية، بين روسيا وأوكرانيا المسيحيتين، ومن الممكن أن تحدث حرب في تايوان التي هي كما تقول الصين تابعة لها وهما كما أعتقد من ديانة واحدة، وبين صربيا وكوسوفو، وفي الداخل الليبي وهويتهم واحدة، بالتالي، هذه الأمور هي تطورات غربية تم زرعها في العالم الإسلامي ولا يمكن تفسيرها إلا كذلك.

فمفهوم الأمة واسع، والأمة الإسلامية أمة عريقة محددة المعالم ونستطيع دراستها من خلال التاريخ في أي بقعة جغرافية وجدت فيها، فإن كان مسقط رأس الإسلام الجزيرة العربية وحدث قتال مع قريش والقبائل الأخرى، يجمعهم عامل القبلية واللغة الواحدة، هذا أمر لا يمكن ربطه برسالة الإسلام، لأن الإسلام بدأ عندما أرسى تعاليمه وتوسع جغرافياً ونشر الإسلام، وتم العمل من الألف إلى الياء بسننه وقواعده، فهل من إنسان عاقل يحاسب مولوداً في رحم أمه، إلا عندما يكبر ويصبح بالغاً راشداً!

بالتالي، الحضارات الأخرى التي نشأت وتطورت إن كانت الإمبراطورية العثمانية أو الروسية أو الهندية أو الفارسية، تبعات الحكم وظروف الوضع التي تم فرضها على الشعوب الأخرى ليست مرتبطة بالدين الإسلامي، فأنا مسلم ومن الممكن أن أتعمق في دراسة اللاهوت، أو لا أنتمي إلى أي دين، أو أمارس سطوة من نوع خاص إذا كنت وصولياً وأريد الوصول إلى غايتي مستغلاً الإسلام، كل شيء جائز، لكن ما هو غير جائز أن يتم الانتقاص من قدر وقيمة الأمة الإسلامية، كما لا يحب أتباع الأمة السورية نقدها، لا يحب العالم الإسلامي الانتقاص منه أو الحد من حضارته، إلا أن واقع الحال هو ربط الأمور التي حدثت في زمانٍ مضى وتقييمها على أساس الحاضر، الجميع يعلم أن هناك فقداناً للهوية بكل مضامينها الدينية والاجتماعية وحتى السياسية، فلو كانت هناك بوصلة حقيقية للعيش المشترك لما كنا في أسوأ أيامنا.

إذ نجد اليوم بعض الكتّاب ينشرون مقالاتهم بعيون من سبقهم من ذاك المركز أو ذاك المفكر الغربي، وكأن كلامهم منزل لا يقبل الدحض أو المجادلة، خاصة أولئك الذين لديهم خصومة مع الإسلام أو بعض التيارات الإسلامية، وبرأيي أن كل التجارب علمانية كانت أو قومية أو أياً كانت مسمياتها، فشلت، وكلنا لنا ملاحظات إن أردنا أن نفتح الدفاتر وننقدها، فإن اتفقنا في جوانب معينة على سبيل المثال مع القوميين، بالمقابل نختلف معهم في جوانب أخرى، وهذا أمر صحي وطبيعي؛ ما يعني أن ما من فكر كامل حولنا، لكن الإسلام لا يتغير وهنا أقصد كثقافة وكروح، الإسلام هو شريعة ومعاملات وعبادات لا يمكن فصله عن الواقع وعن الحياة، الإسلام روح الحياة، ومعاملات موجودة في سلوك المؤمن بصفة عامة، لا دين قتل وإرهاب كما يروج الغرب، على سبيل المثال: "قرأت خبراً عن الكاتب سلمان رشدي الهندي – البريطاني، صاحب رواية "آيات شيطانية"، الذي أفتى الخميني بقتله، قبل 40 سنة بموجب كتابته لروايات أساءت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تم الاعتداء عليه وطعنه أثناء إلقاء محاضرة في نيويورك"، وإلى هنا الأمر يحدث، لكن القصة وصول عدة رسائل صوتية ومكتوبة لي، يعتبرون من نفذ الطعن بطل، وهنا رأيت كيف عاد الموروث القديم ليتحكم بالأكاديميين والمثقفين لتخرج كمية كبيرة من الداعشية المبطنة التي نملك، لكن حقيقة الأمر أن الفكر لا يجابه إلا بالفكر، لا بالقتل، مع التأكيد أنني أختلف مع هذا الكاتب بشكل كبير وهو بعيوني شيطان بكل تأكيد، لكن أختلف مع أسلوب إسكاته بأننا نقتل أصحاب الفكر المخالف، فهذا أمر محبط وتافه، خاصة عندما يصدر عن مثقفين وأكاديميين.

ولكن يبقى الأمل بأن تستيقظ هذه الأمة من سباتها، وبدل أن تنقد بعضها أو تحارب بعضها، أن تشد من أزر بعضها وتتحد ضد العدو الحقيقي، وغير ذلك هو إسهام منّا في تحقيق مآرب هذا العدو.

 

 

 

 

 

___________________

(*) كاتب ومفكر كويتي.

آخر تعديل على الثلاثاء, 16 أغسطس 2022 08:35

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • الإمام القرضاوي.. رحلة قرن من العطاء

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads