جائزة نوبل.. وعلامات الاستفهام الكبرى (3 ـ 3)

20:36 20 نوفمبر 2019 الكاتب :   القاهرة ـ د. محمود الشرقاوي:

  • حجب جائزة نوبل للآداب للعام الماضي لتورط أعضاء اللجنة في فضائح منافية للآداب ومخلة بالشرف
  • منح نوبل للسلام (لآبي أحمد) رئيس وزراء أثيوبيا هو تكريم أمريصهيوني لإنجاز سد النهضة بكل أضراره وأخطاره الماحقة على مصر
  • رجل السلم الدولي ومهندس المصالحات.. يصل بالمفاوضات مع مصر إلى درجة الصفر.. بكل تعنت وصلف
  • المفاوضات المضنية لم تصل إلى نقطة واحدة للاتفاق خلال سبع سنوات
  • الأيزيدية (ناديا مراد) الفائزة بنوبل ضحية العفريت الظلامي الذي حضرته أمريكا بالمنطقة – داعش – ولم تصرفه إلا بعد أن تركت المنطقة قاعًا صفصفا

 

وفي سراديب نوبل.... نذكر على سبيل المثال هذه التساؤلات، وندع الإجابة عليها للقارئ الكريم:

ماذا لو كانت هذه الجائزة قد ذهبت في باكورة خروجها عن القارة الأوروبية إلى الحكيم الفيلسوف الدكتور محمد إقبال بدلاً عن طاغور؟ ولا يفوتنا أن نذكر حاشية لازمة على هذا التساؤل الموجز.. مفادها أن الهنادكة قد نجحوا في طرح "طاغور" بدلاً عن "إقبال"، كما نجحوا في طرح "غاندي" زعيمًا، بدلا عن زعامة مولانا أبي الكلام آزاد، ثم ماذا لو ذهبت الجائزة إلى د. نجيب الكيلاني بدلاً عن نجيب محفوظ؟

وماذا لو كانت الجائزة قد ذهبت قبل ذلك إلى الدكتور علي مصطفى مشرفة، أو الدكتور يحيى المشد أو د. زغلول النجار أو د. خالد عودة في العلم، أو ذهبت في فرع من فروعها إلى الدكتور رشدي فكار أو العلامة الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي أو د. حامد ربيع أو جمال حمدان، أو الدكتور حسين مجيب المصري، الذي كان يجيد إحدى عشرة لغة، وترك آثارًا علمية وأدبية غزيرة بهذه اللغات جميعًا؟!!

وهل يقف واحد من أمثال نجيب فاضل قيصاكورك، أو عبد الحق حامد دون نوبل؟

وماذا لو أن هذه الجائزة قد ذهبت إلى العقاد نفسه، أو أنها ذهبت إلى عملاق آخر مثل الدكتور عبد الوهاب عزام.. أو أنها منحت لشخصية ذات ثقل عالمي مثل سماحة الشيخ العلامة أبي الحسن الندوي، أو أنها منحت في أيامنا هذه إلى مفكر العصر الدكتور محمد عمارة.. أو "عمر بهاء الدين الأميري" شاعر الإنسانية المؤمنة، واحد من غير هؤلاء من لا يقل عنهم قيمة، أو يقصر عنهم قامة!!!

لا شك أن هذه الجائزة .. ومن يقوم عليها ينطلقون من حاسة الاستشعار الموجه عن بُعد، وهي حاسة لا تملك من المعايير أو الموازيين إلا ما يملكه من مقومات غامضة ومعايير خفية للتقويم والتقييم، لأصحابها.. فيمنحونها لمن شاءوا.. وكيف شاءوا وإذا انقلبوا لأهلهم انقلبوا فكهين...

ومن المضحكات المبكيات، أن الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل للآداب، قد حجبت جائزة عام 2018، بعد فضيحة تورط عدد من أعضاء الجائزة في ممارسات جنسية فاضحة وغير مقبولة بكل المقاييس، وكذلك استقالة عدد من أعضاء مجلس الأكاديمية لأسباب غير معروفة.

وهكذا يتطور التحيز داخل قبو نوبل من الأعضاء واللجان، إلى شذوذ وانحراف فاضح، حيث تواجه الأكاديمية السويدية المكونة من كبار الكتاب واللغويين والمفكرين، تبعات جسيمة، جراء اتهامات مثبتة بالسلوك الجنسي الفاضح لزوج واحدة من أبرز الأعضاء المحكمين في الأكاديمية، وهو المصور الفرنسي الشهير "جون كلود أرتو" الذي يواجه اتهامات بالاعتداء الجنسي المثبت على 18 سيدة... وهكذا تتحول أكاديمية نوبل إلى بيت سيء السمعة، ومن ثم حجبت الجائزة لهذا العام وأصبح بابها مغلقًا للتحسينات!!!

ويبلغ العجب مداه، حين تمنح اللجنة الدنماركية هذه الجائزة العجيبة لهذا العام لرئيس الوزراء الأثيوبي (أبي أحمد علي) لجهوده الحثيثة في تحقيق السلام والتعاون الدولي، وخاصة ما يتعلق بمبادرته الحاسمة التي طوت ملفًا مؤلمًا للصراع والنزاع الحدودي مع الجارة أريتريا، مما استعادت معه البلدان العلاقات الثنائية من أول يوليو عام 2018، بعد عشرات السنين من الصراع والحروب الحدودية المريرة.

كما أن مشاركاته الهامة ووساطاته الناجحة في المصالحات والمواءمات السودانية بين العسكر والثوار – هكذا قالت: بيريت رايتس أبروتس – رئيس اللجنة – قد جعلت منه نموذجًا صانعًا للاستقرار والسلم المجتمعي في المنطقة مما حدا بالبعض أن يطلق عليه لقب (مهندس المصالحات).

وللعلم فإن اللجنة المانحة، تقوم بفحص ملفات المرشحين بداية من سبتمبر من العام الماضي وحتى أول فبراير هذا العام.

وأبي أحمد علي .... ينحدر من أب وجد مسلمين، وأم مسيحية، لكنه على دين والدته...

وإنه يترأس الحكومة من أول إبريل عام 2018م بإثيوبيا التي تتولى رئاسة الدولة فيها، (امرأة) ، وهو الأمر الذي يعد غريبًا في إفريقيا ذات الأعراف العشائرية والقبائلية.

وتشير أسهم (آبي) إلى أنه أصغر زعماء إفريقيا (43 عامًا) وأنه يقود واحدة من أسرع النماذج الاقتصادية نموًا في العالم، فيما أطلق عليه ظاهرة (آبيمانيا)...

كما أنه قد أطلق سراح آلاف السجناء، ومنح الحريات في التعبير عن الرأي للجميع.. وسيكون الرجل في استكهولهم في 10 ديسمبر / كانون الأول أواخر هذا العام، لتسلم الجائزة التي تبلغ قيمتها نحو مليون دولار أمريكي.. كما يحصل على شهادة وميدالية جائزة نوبل، مما يعزز هيبة ومكانة الرجل، ودعمه دوليًا من جهات وهيئات شتى.

ويشير التاريخ السياسي (لآبي أحمد) أنه كان شاهدًا وشريكًا في مشروع سد النهضة، الذي دشنته إثيوبيا بكل ما يحمله من إضرار وأخطار ماحقة على دول المنطقة – خاصة مصر – بلد المصب البعيد، والمتضرر الأكبر جراء هذا المشروع الذي يزف (آبي أحمد) بشائره لشعبه على حساب الهلاك والإهلاك، والموت جوعًا وظمأ وظلامًا للآخرين.

ولا يخفي الرجل – آبي – أمر مظلة الصواريخ الإسرائيلية التي تتكفل له بحماية السد، ولا الشراكة الإيطالية الأساسية في بناء السد، الذي يضرب بكل القوانين الدولية عرض الحائط (خاصة البنك الدولي والأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية وكل اتفاقيات وادي النيل).

فلمن يسمع بعد منحه نوبل، وتتويجه مهندسًا للمصالحات ورجلاً دوليًا للسلم المجتمعي وفض الصراعات والنزاعات.

وكان آخر اجتماع لخبراء اللجان الفنية المشتركة، الذي يُعقد تحت سمعه وبصره، قد انفض دون الوصول إلى نقطة اتفاق  واحدة، بعد أربعة أيام من المفاوضات المضنية.... والفاشلة!!!! وأصبحت مصر لا تملك حيال هذا التعنت سوى إعلان الحرب، أو الشكوى للمنظمات والهيئات الدولية ومجلس الأمن ..... الأمر الذي سيتكفل الفيتو بوأده في المهد ووضع حد مبكر لنهايته.

ولا ندري أي صانع للسلام والسلم المجتمعي هذا الذي يغلق الباب (بالضبة والمفتاح) في  وجه شريك تاريخي في المصير والمياه والحياة منذ بدأت الحياة على وجه الأرض وكان للإنسان فيها وجود؟!!

ويتنكر تاريخيًا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية الراعية للحبشة، ويطوي صفحات من تاريخ الاقتصاد المصري الذي كان يتكفل بميزانية الحبشة حتى عشرينيات القرن الماضي.

كما أن ذهاب الجائزة النوبلية المشبوهة إلى الناشطة الأيزيدية (ناديا مراد) في الأعوام السابقة جعل منها أيقونة للاغتصاب والعنف الجنسي المنسوب لجماعة تنسب نفسها زورًا وجهلاً وجهالة للإسلام والمسلمين (داعش).... والنظام الأمريكي هو الذي حضّر هذا العفريت البغيض بالمنطقة ومنحه نفسًا من نفسه، ولم يصرفه إلا بعد أن مزق المنطقة إربًا... وأحرق أخضرها ويابسها.. وفي واحدة من أسوأ عمليات التسويق التشويهي ضد الإسلام والمسلمين لهذا الإجرام العالمي المنظم، تمنح إحدى ضحاياه (ناديا مراد) لقب سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، و تطوف بها الآلة الإعلامية الأمريصهيونية على البلاد والعواصم شرقًا وغربًا وتلقى الجوائز تحت قدميها والتي كانت آخرها جائزة (سخاروف).

حقًا إن بيت نوبل أصبح بيت سيء السمعة، وعائلة نوبل أصبحت هي العائلة المسمومة.

وهكذا عندما ينفصل العلم عن رسالته والأدب عن غايته، حيث يتحول إلى وبال وضلال، ويصير في مجمله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء...

يقول المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري: "حين سألت العالم الألماني الأمريكي (فرانز اوبتهايمر) الذي أسهم في اكتشاف وصناعة القنبلة النووية، والذي ندم ندمًا بالغًا بعد إلقائها على المدن اليابانية...، فكانت إجابته قصيرة ومقززة، قال: "لقد تقيأت".

ولما وجه بعضهم السؤال نفسه إلى زميله الألماني الأمريكي (ألبرت أينشتاين) قال: "لقد تمنيت أن أكون إسكافيًا ولم أكن فيزيائيًا".

إنها "شيزوفرانيا" العلم والأدب: والرسالة الأخلاقية.. والمهمة الإنسانية.. فويل للمطففين.

وعلى الدرب تسير أشهر الجوائز العالمية – حتى العربية منها – دون ذكر أسماء أو أشخاص، ألا ما رحم ربي وعصم.

 

 ــــــــــــــــــــــــــ

المراجـــع:

1-السلام وجائزة نوبل: عثمان نويه، دار المعارف، القاهرة، 1978.

2- موسوعة الجوائز الأدبية: محمود قاسم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2014.

3- جوائز الأدب العالمية (مثل من جائزة نوبل): عباس محمود العقاد، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، مارس 1964م.

4- شاعر اندلسي وجائزة عالمية: عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1956.

5- الإسلام والعلم: د. أحمد عبد الحميد غراب، المركز الإسلامي للدراسات والبحوث، القاهرة، 1981.

6- المسلمون والعلم: د. محمد عبد السلام، الغد للنشر والدعاية الإلكترونية، القاهرة، 1986.

7- علي مصطفى مشرفة، هرم مصر العلمي: أشرف صبحي عبد العاطي، دار مكتبة  الإسراء، القاهرة، 1999.

8- جريدة الأهرام: الأحد 12/10/2008 "ملف خاص عن نوبل" عالم نوبل" إشراف مها النحاس.

9- جريدة أخبار اليوم، السبت 5/5/2018.

10- BBC News Arabic ووسائل الإعلام العالمية في 11/10/2019.

 

عدد المشاهدات 1498

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top