الصدارة الاقتصادية للعالم مرشحة لتغيرات جوهرية بفعل العوامل الديموغرافية .. الفرصة أكبر للاعبين جدد

11:40 14 أغسطس 2020 الكاتب :   الإقتصادية

في وقت يتوقع فيه الخبراء وصول الناتج المحلي الإجمالي لأكبر خمسة اقتصادات إلى 160 تريليون دولار عام 2050، تراود الأنظمة العالمية أسئلة حول مستقبل الاقتصاد العالمي.

أهم هذه الأسئلة، من سيقود العالم اقتصاديا خلال العقود المقبلة، وما الدول التي ستهيمن على القرار الاقتصادي الدولي وتوجهه، وهل سيتغير المشهد الاقتصادي جذريا مقارنة بما هو عليه الآن، أم أن التغير واقع لا محالة لكنه لن يكون عميقا أو جذريا، وهل ستحول الحروب والحروب التجارية والنزاعات المالية، والأوبئة دون تغيير التوازن الدولي الراهن، أم أنها تسرعه وتقطع به أشواطا إلى الأمام؟

باختصار هل سيكون عالم منتصف القرن الـ21 هو ذاته عالم بدايات القرن أم سيكون مختلفا عنه قلبا وقالبا؟ الإجماع الراهن يشير إلى أن موازين القوى الاقتصادية في العالم تتغير، وتتغير سريعا.

والفضل في ذلك يعود إلى عديد من العوامل التي قامت بأدوار بنسب مختلفة في توجيه الدفة في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن مركب الاقتصاد لكل دولة يبحر الآن في بحر من الأمواج المتلاطمة، ويرفض أن يرسو ولو مؤقتا في ميناء، خشية أن يسبقه منافسوه، ويواصل التقدم إلى الأمام مهما كانت المصاعب والتحديات، فقيادة الاقتصاد الدولي تؤهل أصحابها إلى المطالبة بأحقية مشروعة لقيادة البشرية، وتشكيلها بصورة أو أخرى.

لا تزال الصين تسير بثبات في طريقها نحو تجاوز الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية في العالم، وستنضم الهند إلى كلتيهما باعتبارها قطبا اقتصاديا عالميا صاعدا، وبحلول منتصف القرن ربما تصبح الهند ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ورغم أن اقتصادات ناشئة مثل المكسيك وإندونيسيا قد تتجاوز المملكة المتحدة وفرنسا بعد عشرة أعوام من الآن، وأن دولا مثل فيتنام ونيجيريا أسرع نموا من الاقتصادات الكبيرة في الوقت الراهن، فإن القوة الغربية التقليدية ستبقى أغنى الدول من حيث نصيب دخل الفرد، لكن سيتم تجاوزها باعتبارها الاقتصادات العالمية المهيمنة، ومع تصاعد المنافسة عبر الأجور المنخفضة، تتصاعد في المقابل الضغوط الحمائية في الاقتصادات المتقدمة، وقد يتغير المشهد فيزداد العمل المشترك بين الاقتصادات المتقدمة، وتزداد المنافسة بين كبار الدول الناشئة.

أما الفقر فسيظل نصيب جزء من أصحابه الحاليين، حيث إن الفقر المدقع سينحصر في جيوب متفرقة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتدهور الوضع المناخي قد يتزايد، بما له من انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكوني، وسيدفع تغير المشهد الاقتصادي وبروز قيادات جديدة، وتراجع القيادات الراهنة إلى تغيير هياكل عديد من المؤسسات الاقتصادية والمالية الحالية، لإعطاء وزن تمثيلي أكبر للاعبين الجدد، أما المؤسسات التي ستفشل في ذلك فستدخل غياهب النسيان.

لكن ماذا عن إجمالي القوة الاقتصادية العالمية؟ تدور التوقعات حاليا حول معدل نمو يزيد قليلا على 3 في المائة في المتوسط من عام 2014 إلى 2050، وسيتضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2037 وسيتضاعف ثلاث مرات تقريبا بحلول منتصف القرن.

عديد من التنبؤات والتوقعات لكنه يختلف عن تنبؤات العرافين والسحرة وكهنة الماضي، حيث كانت ضربا من أكاذيب وتخيلات، لتكون الآن توقعات معتمدة ومبنية على نماذج علمية ودراسات أكاديمية صارمة، فالتنبؤ بمن سيقود الاقتصاد الدولي في منتصف القرن الـ21 أمر لا يجب أن يخضع للأهواء أو التمنيات.

البروفسير إل. إم . أرسل، أستاذ الدراسات المستقبلية في جامعة جلاسكو يعتقد أن المكانة الدولية في المجال الاقتصادي ستتطلب أن يظل هناك انفتاح حقيقي على التدفق الحر للتكنولوجيا والأفكار غير التقليدية ومنح مكانة خاصة للموهوبين، عادّا تلك هي القوى المحركة للنمو الاقتصادي للحاق بالركب العالمي.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "ستظل الدول المتقدمة المصدر المهيمن لقطاع الابتكار التكنولوجي، لكن لا تجب الاستهانة بجهود الاقتصادات الناشئة لتعديل التكنولوجيا لتناسب الاحتياجات المحلية، ووفقا لعديد من الدراسات فإن إمكانية اللحاق بالركب التكنولوجي ممكنة حتى عندما تكون الإنتاجية ودخل الفرد منخفضين، لكن بصفة عامة إن اللحاق بالركب سيعتمد على قدرة كل دولة على تبني التكنولوجيا وتكيفها".

وتعد قضية الموارد ومدى توافرها عنصرا أساسيا في دفع العملية التنموية، سواء عبر تعظيم الاستفادة الوطنية بشكل مباشر من تلك الموارد بتصنيعها وإعادة تصديرها إلى الخارج أو عبر التصدير المباشر والاستفادة من العوائد المالية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، إلا أن سيمون كريج الباحث الاقتصادي يعتقد أن الموارد وتوافرها بشكل مفرط قد تكون أحيانا عقبة أمام تفجير قدرات أخرى كامنة في الاقتصاد الوطني.

ويؤكد لـ"الاقتصادية"، أن الإفراط في الاعتماد على الموارد الطبيعية يمكن أن يعوق النمو طويل الأجل في بعض الدول، والشرط الأساسي لتغيير المكانة الاقتصادية سيعتمد على مدى قدرة الاقتصاد الوطني على تنويع مصادر الدخل القومي.

يعتقد بعض الدراسات الدولية أن عديدا من الاقتصادات القوية حاليا مثل اليابان وألمانيا قد يتراجع في التصنيف العالمي لتحل محله دول مثل الهند وإندونيسيا، التي تعد أسواقا صاعدة الآن، وباستثناء الولايات المتحدة التي ربما تحتل المرتبة الثالثة في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050، تسبقها الصين والهند فإن الترتيب العالمي لأقوى الاقتصادات سيتغير، وسيبلغ مجموع الناتج المحلي الإجمالي لأكبر خمسة اقتصادات "الصين، الهند، الولايات المتحدة، إندونيسيا، والبرازيل" ما يراوح بين 150 و160 تريليون دولار سنويا مقابل ما يراوح بين 45 و50 تريليون دولار حاليا.

الدكتورة إيملي كريس أستاذة اقتصادات السكان والعمالة في جامعة كامبريديج تشير إلى أن الدوافع الديموغرافية ستؤثر بشكل كبير في التحول الاقتصادي المستقبلي خاصة مع نمو القوى العاملة العالمية بسرعة في الدول النامية، وهذه الدول ستراكم الفوائد الاقتصادية للنمو السكاني خاصة في سن العمل، بينما ستتراجع تلك الفئة في الدول الصناعية.

وتستشهد الدكتورة إيملي في تعليقها لـ"الاقتصادية" بتقرير للأمم المتحدة، يشير إلى أن عدد سكان العالم سيصل إلى 9.2 مليار نسمة في منتصف القرن، ومن ثم يتوقع أن تزيد القوى العاملة العالمية بنحو 1.3 مليار نسمة، وستشهد المناطق النامية زيادة في القوى العاملة بمقدار 1.5 مليار شخص، بينما ستتقلص القوى العاملة في المناطق المتقدمة بأكثر من مائة مليون شخص، وستسهم إفريقيا والاقتصادات النامية في آسيا بمعظم هذه الزيادة بإضافة 1.4 مليار عامل للقوى العاملة.

وسيترتب على تلك التغيرات أن نسبة الإعالة "عدد الأشخاص الذين لا يعملون مقارنة بمن يعملون" في الدول المتقدمة سترتفع، نتيجة الانخفاض الحاد في السكان في سن العمل من 62.8 في المائة من إجمالي السكان عام 2009 إلى 52 في المائة عام 2050، المقياس ذاته سينخفض أيضا في الاقتصادات الناشئة لكن بنسبة متواضعة من 61.1 إلى 59.5، وبالتالي فإن النمو السكاني والقوى العاملة سيسهمان بشكل ملحوظ في النمو الاقتصادي العالمي، وسيكون ذلك في مصلحة الدول الناشئة وتحول الثقل الاقتصادي لمصلحتها.

 
عدد المشاهدات 1239

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top