مجلة المجتمع - المغرب: فقدان الثقة في الأحزاب يؤدي إلى عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات

المغرب: فقدان الثقة في الأحزاب يؤدي إلى عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات

وكالات الأربعاء، 14 أبريل 2021 08:57

أصبحت مشاركة الشباب المغربي في الانتخابات رهاناً تخوضه الحكومة والأحزاب من أجل حث هذه الفئة على الإدلاء بدلوها في الاستحقاقات، حيث إن نسبة مهمة جداً منهم تتراجع إلى الوراء وتعزف عن المشاركة.

ويقف الشباب المغربي على طرفي نقيض، بين متحزب يريد أن يجد لنفسه موطئ قدم في الخارطة السياسية وتحمل المسؤولية، وبين شباب لا مُنتمٍ يُطالب بدوره بحضوره في مختلف مناحي الحياة السياسية وإيجاد الحلول لتوفير العيش الذي يحلم به.

وبين هذا وذاك، لم تقف الدولة في موقع المتفرج، بل عملت على تحفيز الشباب من أجل المشاركة الفاعلة والفعالة في الاستحقاقات الانتخابية، آخرها القوانين المحددة للانتخابات التي غيّرت الكثير من ملامح المشهد، وأهمّها إلغاء لائحة الشباب التي كان بموجبها يجري تخصيص نسبة من المقاعد في مجلس النواب للشباب.

الإلغاء الذي قوبل باستياء كبير لدى شباب الأحزاب، قابله ترحيب واسع لدى الشباب غير المتحزب الذي أفاد بأن اللائحة لم تخرجهم من الهامش الحزبي، وعليه فإن القوانين الجديدة المنظمة للعملية الانتخابية تدفع في اتجاه تحميل الأحزاب مسؤولية إشراك هذه الفئة العمرية المهمة في لوائح مرشحيها.

ويبدو أن الهدف الأسمى من إلغاء لائحة الشباب، هو حث الأحزاب السياسية على إدماج وإشراك شبابها في العملية ككل، بدءاً بالترشح ومروراً بتجديد الهياكل بدماء فتية.

وتكشف معطيات “المندوبية السامية للتخطيط” (هيئة رسمية مكلفة بالإحصاءات والمسوح الاقتصادية والاجتماعية) عن علاقة الشباب المشهد السياسي والحزبي ككل في المغرب، إذ تفيد بأن 70 في المئة من الشباب لا يثقون في جدوى العمل السياسي، و5 في المئة يؤمنون بالعمل الحزبي، و1 في المئة فقط يزاولون الفعل السياسي من داخل الهيئات السياسية، بينما يشكل الشباب 40 في المئة من الكتلة الناخبة.

هذه الأرقام تحيل مباشرة على مكمن العطب الذي يحول دون دوران آلة المشاركة الشبابية في الانتخابات، وتؤكد غياب الثقة في الأحزاب المشكلة للمشهد ككل، مما يؤشر على أن الهيئات الحزبية المغربية مطالبة بتطوير آليات تواصلها وتجديد دمائها، وفق ما يقول مراقبون.

تناوب على السلطة

بالنسبة لعادل المخنتر، رئيس “رابطة الإبداع والتنمية الاجتماعية”، في تصريح لـ “القدس العربي”، فإن الشباب قوة انتخابية لكنه لا يأخذ حقه في العمل السياسي كفاعل وشريك في اتخاذ القرارات.

وأضاف أنه من هنا يمكننا أن نتكلم بشكل واضح وصريح عن فقدان الثقة ما بين السياسي والشاب المثقف، خصوصاً أن البرامج الانتخابية التي على أساسها وقع تشكيل المشهد السياسي الراهن جرى تجاوزها وعدم تطبيقها، سواء لتهاون الأحزاب السياسية وعدم جديتها في تفعيلها، أو لاعتبارات أخرى، علاوة على انتصار المصالح الشخصية على حساب مصلحة الوطن، لتصير فقط مجرد دكاكين حزبية.

المخنتر الشاب المغربي الذي عاش تجربة أحزاب يسارية وأخرى يمينية، يرى أن كل هذه الأطياف لم تستطع أن تحرك عجلة تنمية حقيقية، مشيراً إلى أنه يرى العملية الانتخابية مجرد تناوب على السلطة فقط، لتلبية أهداف وأجندة معينة دون تحقيق طموحات المغاربة التي تتمثل في توفير العيش الكريم.

أرقام مخجلة

وأكد شاب متحزب تصريحات اللامنتمي، مشيراً إلى أن شباب اليوم لا يمكنه أن يساير الخطاب السياسي التقليدي.

وحسب حمزة الحمداوي، عضو المكتب التنفيذي لشبيبة حزب “الحركة الشعبية” ورئيس “رابطة الشباب الديمقراطي والاقتصادي”، فإن الأرقام المخجلة التي تتحدث عن ضعف مشاركة الشباب في العملية الانتخابية ونسبة المشاركة الضعيفة التي لم تتجاوز 5 في المئة من الشباب في التصويت، أمر لا بد من الوقوف عليه بشكل جدي وتناول أسبابه بشكل صريح، لأن شباب اليوم الذي يعيش عصر التكنولوجيا الرقمية لا يمكن تهميشه من اللعبة السياسية ولا يمكنه أن يساير الخطاب السياسي التقليدي، وإلا فإن القادم سيكون أسوأ.

وأبرز في تصريحه لـ “القدس العربي”، أن من بين ما نلاحظه كشباب هو أن ما جاء به دستور المملكة من مواد مشجعة ما زال حبراً على ورق، حيث إن الأحزاب السياسية لم تستوعب بعد الإشارات القوية للدستور ولم تواكب التوجيهات الملكية التي أولت اهتماماً بالغاً للشباب على جميع الأصعدة، كما نلاحظ غياب الإرادة الحقيقية للقيادات السياسية في تقليص الهوة بين الشعارات والواقع، حيث نجد أن البرامج السياسية للأحزاب لا تهتم بشكل واضح بشريحة واسعة من الشباب وعلى الخصوص شباب العالم القروي الذي يعاني من عدة مشاكل بنيوية وهيكلية، إذ إن الأمية والفقر المتفشية بين الشباب يلعبان دورين أساسيين في العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية، فلا تكوين على الثقافة الديمقراطية لدى الشباب ملائم ولا فرص عمل مناسبة. وتبقى كل الخطابات والبرامج السياسية مجرد شعارات بدون تطبيق على أرض الواقع، وفق تعبيره.

واستطرد قائلاً إنه بالرغم من أهمية عدد من المكتسبات، فإن الرفع من منسوب المشاركة السياسية في صفوف الشباب يبقى رهيناً بالمزيد من الإجراءات الكفيلة بتشجيعهم على ذلك، من قبيل تعزيز التربية على المبادئ الديمقراطية، وتنظيم دورات تأطيرية لتأهيل وإعداد القادة الشباب، وتكوينهم على الهوية والمواطنة.

ما يجب أن يعلمه القادة السياسيون، يضيف حمزة الحمداوي، أنه لا مفر من فتح مقرات أحزابهم للتأطير والتكوين، وإمدادهم بكل الوسائل الكفيلة على تشجيعهم على الانخراط الفعال في الحقل السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات أكثر من أي وقت مضى، لأن المغرب يتوفر على طاقة شبابية حيوية ونشطة وتمتلك وعياً سياسياً حاداً وقادرة على طرح الحلول البديلة للعزوف السياسي والإتيان بخطط ناجعة واستراتيجيات فاعلة، وذلك لاعتمادها على الوسائل التكنولوجية الحديثة وتطوراتها المتسارعة، خاصة في مجال الاتصال والتواصل.

وقال إن الشباب بمختلف فئاته الاجتماعية يشعر بالقلق والتوتر إزاء سلوك رجال السياسة الذين يملكون زمام الأجهزة التقريرية ويتحكمون في تحديد الاختيارات والتوجهات، زد على ذلك ما تعيشه الأحزاب السياسية من سيادة الزبونية والمحسوبية وغياب الديمقراطية الداخلية، وهو ما يشكل عائقاً في وجه تجديد النخب بواسطة استقطاب الشباب ذوي الكفاءات والقادرة على وضع المشاريع المبتكرة للحلول، علماً أن الفصل السابع من الدستور المغربي ينص على أنه تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.

ضعف المشاركة

عبد الرحمن سيكري، فاعل جمعوي، أكد أن تغييب اهتمامات الشباب في البرامج الانتخابية للأحزاب يجعل العزوف عن المشاركة نتيجة طبيعية.

وأضاف في تصريحه لـ”القدس العربي”، أن ضعف مشاركة الشباب في الانتخابات يعود إلى اجترار الخطاب الحزبي نفسه والبرنامج نفسها، وعدم وجود وجوه شابة معروفة في أوساط المجتمع في هرم التنظيمات الحزبية، مؤكداً أن هذا العزوف يهم المشاركة في الانتخابات وليس في السياسة.

وتطرق الفاعل الجمعوي، إلى الإعلام المغربي الذي ـ حسب رأيه ـ لا يقوم بدوره في بث برامج تشجع الشباب في المشاركة وتعريف بنماذج ناجحة سياسياً ورفع مستوى الوعي بأهمية المشاركة، باستثناء فترة الحملة الانتخابية.

عبد المجيد الحمداوي، إعلامي ومحلل سياسي في قضايا الشباب، قال لـ”القدس العربي” إن إثارة موضوع موقع الشباب في المنظومة الحزبية ليس وليد اليوم، فهي إشكالية قديمة جديدة، أملَى اقتراب موعد الانتخابات الحديث عنه اليوم، للتأكيد مرة أخرى أن العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية تتميز في المغرب، كما كان في السابق، بالتوتر، ومازالت الفجوة بين الأحزاب والشباب واسعة.

ووفق تصريح المحلل السياسي، فإن هذا يعود بالأساس إلى كون الأغلبية من الشباب الذين مرت أمامهم عدة تجارب فاشلة، لا يثقون بالأحزاب السياسية. ويضيف أنه بالرغم من كون معظم الأحزاب السياسية تتوفر على تنظيمات شبابية وتعمل على إنتاجها في الهياكل التنظيمية الحزبية، فإن الشباب لا يحظى باهتمام واسع من حيث الحصول على التزكيات للترشيح في الانتخابات، لأن القيادات الحزبية هي الجهة التي تسيطر على تحديد المرشحين للانتخابات وتعتمد في ذلك على الأعيان الذين لهم حظوظ وافرة للفوز بالمقعد الانتخابي، وبالتالي تتحول النخبة السياسية في غياب تمثيلية شبابية إلى قوة اقتراحية ومؤثرة على الحقل السياسي وعلى صناعة القرارات؛ مما يفيد أن الشباب الذين لديهم طموح سياسي للوصول إلى مناصب قيادية في الأحزاب السياسية أو مقاعد انتخابية في البرلمان أو المجالس المنتخبة لا تمنح لهم الفرصة لتحقيق ذلك.

ومن نافلة القول، يضيف المحلل السياسي والإعلامي، أنه بالرغم من اهتمام الدستور المغربي بالشباب، وبالرغم من القوانين الداخلية والأساسية للأحزاب التي تنص على مشاركة وتشجيع الشباب في الهياكل التنظيمية الحزبية، فإن هذا المراد مازال بعيد المنال، مما دعا إلى عزوف الشباب عن السياسة والانخراط في الأحزاب، أي أننا نعيش حالة غياب الديمقراطية داخل الأحزاب بسبب غياب التمثيل السياسي للشباب.

وهذا أمر، يوضح المتحدث نفسه، أصبح يرهق الأحزاب والدولة، لأن إبعاد الشباب عن الممارسة السياسية يؤدي إلى شعور الشباب بالإحباط السياسي وعدم قدرته على التأثير في القرارات والقوانين التي تنظم كيفية مباشرة حقوقه في المعيشة والحياة والسياسة.

وشدد المحلل السياسي في تصريحه لـ “القدس العربي”، على أنه بالفعل، هناك عدد من المكتسبات التي تحققت لفائدة الشباب ومبادرات اتخذت توفر الحد الأدنى من شروط المشاركة السياسية للشباب، تتجلى في خفض سن التصويت إلى 18 سنة، وترسيم تمييز إيجابي في التنظيم الانتخابي السابق يتمثل في اعتماد “كوتا” للشباب (حصة) في الغرفة الأولى للبرلمان، ولقد شهدت هذه التجربة الرائدة انتقادات لاذعة من طرف بعض الجهات الحزبية التي اعتبرت أن “الكوتا” تحولت إلى ريع سياسي تتوزع مقاعدها بين أصحاب الحظوة في الأحزاب، مما أدى إلى إجماع حول إلغاء لائحة الشباب التي كانت تخصص لها ثلاثين مقعداً برلمانياً، كما أن دستور 2011، أقر بدوره عدداً من المكتسبات، من بينها السعي نحو إدماج الشباب في شتى مناحي الحياة، وإشراكه في صنع القرار العمومي، وتمكينه من مؤسسة تعنى بقضاياه وهي المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

وختم المتحدث تصريحه بالتأكيد على أن كل الجهود التي بذلت من أجل تشجيع الشباب على الممارسة السياسية والمشاركة في الانتخابات كناخبين ومنتخبين، لم تعط أكلها بالقدر الكافي، نظراً لغياب الإرادة الحقيقية للأحزاب في منح الشباب ما يستحقه من إمكانيات ووسائل للقيام بدوره كفاعل سياسي حقيقي. وللأسف، في كل موسم مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يظهر لنا سياسيون يتبجحون بالدفاع عن مصالح الشباب، وهم في الأساس ليس لهم دراية أو علم بدقة حاجيات وتطلعات الشباب، بل إنهم يجهلون بأن الشباب واعٍ بموقعه ولم يعد يقبل أن يظل وقوداً للانتخابات أو عنصراً لتأثيث المشهد السياسي.

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • كيف مكّن دحوُ الأرض البشرَ من الصعود إلى الفضاء؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153