مجلة المجتمع - د. محمد العوضي: الواسطة والعنصرية من أهم أسباب انتشار الجريمة بالمجتمع

في حوار له مع «المجتمع»..
د. محمد العوضي: الواسطة والعنصرية من أهم أسباب انتشار الجريمة بالمجتمع

أجرى الحوار- سعد النشوان: الإثنين، 03 مايو 2021 10:35

أكد الداعية الكويتي د. محمد العوضي أن الجريمة بدأت تنتشر بمستوياتها المختلفة في المجتمع، مشيراً إلى أن رصد أسبابها يختلف من شخص لآخر حسب تخصصه ومجال عمله.

وذكر د. العوضي، في الحوار الذي أجرته معه «المجتمع»، أن بعض العصبيات والعنصريات قد تكون أسباباً لهذه الظاهرة، خاصة في ظل غياب التوجيه التعليمي الكافي الذي يعالج كل هذه الظواهر.

ودعا الداعية الإسلامي إلى ضرورة وضع قاعدة أساسية للشعب، وهي أن العدالة فوق الانتماء، وأن العدالة تحكم على الانتماء، كما أكد ضرورة تفكيك البناء العنصري وإدانته، وتربية الأبناء على مواجهته.

نرحب بكم في هذا الحوار مع «المجتمع»، واسمح لنا في البداية بالسؤال عن رؤيتكم لما نراه من انتشار وازدياد لجرائم القتل والسرقة وغيرها ليس في الكويت فقط بل في العالم أجمع.

- أهلاً ومرحباً بكم وبمجلتنا العالمية «المجتمع».

بداية، عندما نتكلم عن ظاهرة إنسانية أياً كانت، سواء أكانت رشوة، أم تهرباً من العمل، أم ضرباً للزوجات، أم الطلاق السريع، أم انتشار المخدرات، أم استسهال أكل أموال الناس.. هنا يجب أن نقول: إن الظاهرة قد تكون واحدة، ولكن في كل بيئة لها خصوصيتها، وبما أننا نعيش في الكويت فسوف نتناول هذه الظاهرة التي بدأت بالانتشار في البلاد.

هل هي ظاهرة بالفعل أم لا؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال، وخصوصاً أننا لسنا في محاضرة أو درس أكاديمي، بل نحن في حوار، وفي الحوار يسود التسامح أكثر مما يسود في المحاضرات والدروس.

هناك تعريفات للظاهرة حتى نستطيع القول: إن تلك الجرائم التي تنتشر هي ظاهرة أم لا.

المشكلة تصبح ظاهرة إذا تكررت حدوثاً، واتسعت رقعة، وتنوعت شرائحَ، وتقاربت زمناً، وتفاقمت حجماً، واستعصت على الحلول النمطية، وانطلقت من فكر يغذيها.

هذا التعريف، هو الذي وقع عليه اختياري من وسط تعريفات كثيرة، وهو تعريف مؤسسة «دوكم»، وبالتالي أستطيع تفسير تلك الظاهرة من خلال هذا التعريف، فأحياناً تكون هناك مشكلة لها ظهور ولكنها ليست ظاهرة.

وقد تكون هناك مشكلة لها صوت عال، والإعلام يضخمها، خاصة أنه يوجد في الإعلام ما يسمى «الأقلية الصارخة» و«الأكثرية الصامتة»؛ فالأقلية الصارخة تجعل بصراخها ما تدعيه ظاهرة وهو ليس كذلك.

وأنا من خلال هذه العناصر التي ذكرتها في تعريف الظاهرة، وهي سبعة عناصر، أقول: إن الجريمة بدأت تنتشر بمستوياتها المختلفة.

وجود «الواسطة» و»الشفاعة السيئة» لمرتكبي الجرائم يدل على ضعف القانون والقدرة على اختراقه

هذه الظاهرة لها أسباب تغذيها يومياً، فما أبرز هذه الأسباب؟

- يختلف رصد الظاهرة وأسبابها من شخص إلى آخر، فحين تسأل رجل الأمن يعطيك أسباباً، وحين تسأل أستاذ الجامعة الذي يرسم من زاويته يعطيك أسباباً أخرى، وحين تسأل إمام المسجد يعطيك كذلك أسباباً مختلفة، ونحن لنا انطباعات عن سبب الجريمة، وأحياناً نعتمد على الدراسة.

ولو تحدثنا عن هذه الظاهرة من الباب الفكري كراصدين للواقع، ونعتمد على بعض ما يتم نشره من دراسات، فسوف نرى أن هناك عدداً من العناصر الظاهرة، منها:

الأول: تفشي ظاهرة الواسطة لمرتكبي الجرائم؛ فوجود «الواسطة» و«الشفاعة السيئة» لمرتكبي الجرائم يدل على ضعف القانون والقدرة على اختراقه وإزاحته.

هذه المجتمعات الشرقية العائلية المتداخلة التي ديمقراطيتها ديمقراطية صناديق فقط، وهذا البُعد الاجتماعي المتداخل يجعلنا نسقط في هذه الواسطة والشفاعة، وبالتالي يسقط القانون، ويكون غير حاسم، وغير ناجز، ويكون قابلاً للاختراق، هذا هو العنصر الأول وراء انتشار هذه الظاهرة.

والثاني: بعض العصبيات والعنصريات التي تحدث في «هوشات» المدارس أو الأسواق، أو الفرجان، وهذه النزعة موجودة.

فبالتالي، فمن أسباب هذه الظاهرة أننا لم نعالج ظاهرة العصبية والعنصرية من خلال التعليم والإعلام.

مناهج التعليم تحتاج إلى تطوير مواكب للواقع بالتركيز على معالجة العصبية والعنصرية

هل للتعليم ومناهجه دور في هذه الظاهرة؟

- ليس لها (المناهج) دور مباشر؛ لأنها لا تدعو للعنف، لكنها تحتاج إلى تطوير صريح ومواكب للواقع في قضية التركيز على هذا المحور، وبالتالي يتحتم على مجموعات الكشافة أن تسلط أضواءها على هذه العناصر، لأنها حية في حياة الناس.

هل «الشيلات» تغذي هذه العنصرية؟

- «الشيلات» نمط اجتماعي متوارث، فيه تضافر وحمية، وهذه الحميّة والتداعي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «حمية الجاهلية»؛ فهذه الحمية تجعل الشخص المتوازن ينخرط في العقد الجمعي، وتُسقط قضية الخيار، فتجعل الكل العاطفي حكماً على «الأنا» العقلي، وهذه مشكلة مهمة يجب الانتباه لها.

وبالتالي، إذا أردنا حل هذه المشكلة فلا بد من تفكيك البناء العنصري، لذا لا بد من التنويه دائماً على أن العنصرية خطأ وعلينا إدانتها؛ بل يجب عدم الاكتفاء بالإدانة، لكن علينا تربية الأبناء على عدم العنصرية؛ لأنك في الإدانة تعالج العَرض، بينما المرض هو ما تربى عليه الإنسان الذي يتم تغذيته منذ الصغر على احتقار الآخر، هذا الاحتقار يجعلك تستسهل كرامة الشخص بالضرب أو الإيذاء؛ لذا ننادي بأن تكون العدالة فوق الانتماء.

كذلك لا بد من زرع وتكثيف ونشر قيمة العدالة التي نزل بها القرآن الكريم.

وبالتالي، يجب أن نضع قاعدة أساسية للشعب، وهي أن العدالة فوق الانتماء، وأن العدالة تحكم على الانتماء؛ يجب عليَّ أن أقف مع المظلوم، حتى لو كان كافراً بوذياً أو هندوسياً أو من أهل الكتاب؛ فالشخص الكافر كفره على نفسه، فأنت حين تنتصر للكافر لا تنتصر لدينه، بل تنتصر لحقه، فدينه بينه وبين الله تعالى، وهذه نقطة مهمة؛ فمن الخطأ أن نخلط بين عقائد الناس وحقوقهم، فهذا جزء أساسي من العنصرية؛ فالعنصرية تفرق بين المناطق والأعراق والدول والمذاهب والأديان.

لا بد من تفكيك البناء العنصري وعلينا إدانته وتربية الأبناء على محاربته

قديماً لم تكن هنا عنصرية، حيث كنا في الصغر «نتهاوش» في الصباح، ونلعب سوياً في المساء؛ فما تعليقكم؟

- نعم كانت «الهوشة» وقتية، وعما قليل يتم التصالح بين الفريقين، وينتهي الأمر، أما الآن فيعقب «الهوشة» التطاول والعنصرية واستمرار العداء.

في الماضي كانت هناك قيم اجتماعية غالبة يحكم فيها التراحم، فكانت قيمة التراحم هي التي تسيطر، وقيمة احترام الكبير والمشورة التلقائية العائلية؛ فالعائلة لها ثقل، والشارع له ثقل، والفريج له ثقل، والديوانية لها ثقل، وكبار السن لهم ثقل، وذلك لما كانت وسائل التواصل شبه منعدمة، أما اليوم وقد زادت وسائل التواصل، في ظل ضعف دور الوالدية، وانكسار تأثير القبيلة، ولم يعد لكبار السن مكانتهم الجديرة بهم، وتجاهل آرائهم ومشورتهم؛ صار الناس يتأثرون بأعمارهم وهم لا يمتلكون الخبرة الكافية ولا المعايير الناضجة حتى يحكموا على عالم الحركة والصراع، بينما في الماضي كان يستمع إلى الحكمة من هنا، وتأنيب الضمير من هنالك، ونصيحة مباشرة من قريب، وعتاب من شباب، فكانت تتضافر الجهود في سبيل سحب فتيل النزاع.

فاليوم أصبحت القيم استهلاكية تعاقدية نفعية، وهذه نقطة في قضية التربية، وهو ما يطلق عليه «أخلاق تجارية»، و«أخلاق فردية» لا تلقي اعتباراً للمجتمع، بقدر ما تلقي اعتباراً لـ»الأنا»: ماذا خسرت؟ وماذا كسبت؟ أما المحيط الذي أعيش فيه فلا قيمة له.

إذن يمكن تلخيص أسباب هذه الظاهرة فيما يلي:

1 - الشفاعة التي تتجاوز القانون.

2 - ضعف القانون.

3– العصبيات.

4 - غياب التوجيه التعليمي الكافي الذي يعالج العرض ولا يعالج المرض.

5 - ضمور دور الوالدية بسبب الحداثة التي فرضت نفسها علينا، فبدأ الشباب يتمحور حول نفسه، وليس له علاقات خارج دائرته، وبالتالي ليس عنده قيم عليا يتلقاها، بل عنده قيم آنية.

وما دور المسلسلات في تغذية هذه الظاهرة؟

- المسلسلات سحبت قيمة الاحترام المتبادل وتقدير السن والمكانة الاجتماعية، وعندما يتم سحب قيمة الاحترام توقع أن يحدث أي شيء، هذه واحدة، الأمر الآخر الأفلام الأجنبية المدبلجة، أو المسلسلات العربية عندما تعالج مشكلة، لا تعالجها بطريقة صحيحة، وبالتالي تعطيك هذه الأفلام والمسلسلات الوافدة الجريمة مفصّلة والمعالجة مختصرة، فتبقى الجريمة في الأذهان مترسخة، ويتبخر العلاج ويبقى الداء، وهذه مشكلة كبيرة.

هل نحن بحاجة إلى تغليظ القوانين؟

- نعم، مع أن القوانين جيدة ويتم مراجعتها باستمرار، لكن التحولات الاجتماعية تستدعي قوانين جديدة، وتستدعي تطوير القوانين، حسب الواقع.

وللأسف، اليوم هناك ظاهرة عند البنات، بأنهن لا يذهبن إلى مواقف السيارات المكشوفة أو المغلقة، إلا إذا كان الهاتف في أيديهن، مجهزاً على رقم الأب أو الأخ أو الزوج، خوفاً من التحرش، وهذا أمر غير طيب؛ لأنه يفقد الأمان النفسي، وإذا فُقد الأمان النفسي عند المجتمع، يجعل الإنسان في دائرة التوتر الدائم، ويعطيك مؤشراً على أن الأمان النفسي لم يُفقد إلا لأن هناك واقعاً سيئاً، وهذا الواقع السيئ يكشفه جرأة الشباب، التي تأتي بسبب عدم تطبيق القانون.

على الشاب تحمُّل المسؤولية ما دام عاقلاً وهناك قانون معلن ولا ينبغي أن نبقيه في عالم الطفولة

لكن، هل يمكن القول بأن الشباب ضحية؟

- جزء من الشباب ضحية، لكننا لن نكون مثل بعض علماء النفس الذين يبررون الجرائم بأن المجرم ضحية مجتمع، أو ظروف؛ فلا شك أن الإنسان مسؤول، ويراعى هذا الشيء حتى في الشريعة، وقوانين تطبيق العقوبات تراعي حال الجاني، ولها شروطها ودراستها، والقضاة والمستشارون القانونيون والمحامون يعرفون هذا الأمر جيداً.

لكن ما يحدث ليس بالصورة التي تُطرح بأن الشباب ضحية ونسكت، فالشباب ليس ضحية، ما دام عاقلاً ومسؤولاً، وهناك قانون معلن، وبالتالي يجب على الشباب أن يتحمل المسؤولية، ولا ينبغي أن نبقيه في عالم الطفولة، بمعنى أن نقوم بتكبير عقله على عمره، والمشكلة أن العمر الزمني لا أحد يستطيع أن يتصرف فيه.

فأنا عمري قد يكون 20 أو 30 أو 50 عاماً، ولكن العمر العقلي هو الذي ينبغي أن نقفز به، ومن ثم يجب على كل من هو على منصة تربوية سواء كانت متواضعة أم كبيرة أن يغذي الجانب العقلي، ويعطي رسائل للشباب، تحملهم المسؤولية.

ألا يمكن القول بأن الشباب في حاجة إلى دورات «علوم المرجلة»؟

- نعم، و«علوم المرجلة» مصطلح جميل، فعمر بن عبدالعزيز عندما تولى الخلافة، بدأ في تغيير الولاة الظلمة، وبدأ يتحسس الرجال الصالحين، فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين، إن لم تجد من أهل الديانة، فعليك بأهل المروءات، فإن لم يمنعه دينه منعته مروءته.

فسُمعة الإنسان ومروءته وتجنبه لكل ما يخل بالمروءة عوامل تساعد في كمال الإنسان ونأيه عن الظلم؛ فالأعراف الإيجابية يجب أن تبقى وتعطى حماية، وبالتالي يجب تعزيز مروءات الإنسان ورجولته، ليتحلى بها الشباب، وأحبذ أن يكون هذا العلم من الشباب وإلى الشباب، وبذلك أدعو إلى إنشاء فرق تطوعية تقوم بنشر «الرجولة».

للأسف، حالياً أكثر فرقنا التطوعية ينحصر دورها في تنظيف الشواطئ، أو الإغاثات، أو زيارات المرضى، نحن بحاجة إلى فرق تطوعية قيمية، فرق «المرجلة»، وهذا مصطلح جديد، أدعو عبر منبر «المجتمع» إلى تأسيس فرق تطوعية لتأصيل المرجلة، والمرجلة ليست مقصورة على الرجال فقط، بل تمس النساء أيضاً؛ لأن المرجلة هي قيم وعادات نبيلة.

هل تدعو وزارة الإعلام إلى تقنين وسائل التواصل الاجتماعي أو الأفلام والمسلسلات؟ وهل هناك حل لهذه المعضلة؟

- لا شك أن كل دولة لديها قانونها، ولها محرماتها القانونية أو الشرعية أو الثقافية، حتى أرقى دول العالم، تطبق وفق منظومتها المعرفية، والثقافية والأيديولوجية، العلمانية والليبرالية، حتى إن العلمانية والليبرالية مستويات كما يتم مشاهدتها في العالم الغربي، ونحن أيضاً لدينا مرجعيات خاصة بنا.

فأنا أدعو إلى ضخ كمية ضخمة جداً في الساحة الإعلامية -سواء الرسمية أم غير الرسمية- من القيم مثل برامج تبسيط العلوم، المترجمة أو المنتجة، والأفلام والمسلسلات التي تحمل القيم المفيدة، لأن الدراما أصبحت سحراً ومؤثرة في النفوس؛ لذا لا بد من إيجاد البديل للناس.

هذه النقطة ينتبه لها الذين يحملون همَّ التغيّر السريع الذي تحدثه وسائل التواصل والدراما وبقية المواد الإعلامية.

أنتم كدعاة ومفكرين متهمون من قِبل الشباب أنكم تعيشون في برج عاجي، فما تعليقكم على هذا الكلام؟

- الإجابة عن هذا السؤال اليوم تختلف عنه قبل 15 أو 20 عاماً، فاليوم الجيل الجديد تجاوز الدعاة، وتجاوز الآباء والأمهات، وتجاوز التربية والتعليم، جيل صغير منفتح على كل شيء، وسقطت قضية ما تربينا عليه وتربى عليه التاريخ، وهو مراعاة الفروق الفردية والمراحل الزمنية في التعليم، هذا الجيل يحتاج، ليس فقط من الدعاة أو الملتزمين، لأن كلمة ملتزمين كلمة عامة، بل يحتاج من الآباء والأمهات والدعاة أن ينزلوا إليه؛ لأنه في السابق كنت تأمر الولد فيطيع، وتوجّه الكلام للمتلقي فيسمع، أما اليوم فأنت تقول للشاب: «أرجوك استمع إليَّ»، فأصبحنا نتوسل إلى الشباب أن يستمعوا إلينا، لأنه إذا لم يقتنع يدير لنا ظهره، ويبحث عن إجابات لأسئلته ليس من الآباء أو الأمهات أو الدعاة، بل من الجهاز الذي يحمله في يده، بل ويقوم بالتعقيب على إجابات الآباء والأمهات والدعاة باستدراكات يأخذها عليهم.

ولا شك أن كثيراً من الدعاة ابتداء من خطبة الجمعة إلى إمام المسجد إلى الأكاديمي الشرعي إلى الداعية الذي يعمل في العلوم الدنيوية، يجب عليهم النزول في الأسلوب وفي التعاطي الطبيعي مع الناس.

آخر تعديل على الإثنين, 03 مايو 2021 10:58

mugramadan-2021

مجتمع ميديا

  • كيف مكّن دحوُ الأرض البشرَ من الصعود إلى الفضاء؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153