تونس: سياسيون ومحللون يطالبون بتغيير النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب

10:14 12 ديسمبر 2019 الكاتب :   تونس: عبدالباقي خليفة

شهد مجلس نواب الشعب التونسي في دورته الحالية مظاهر فوضى وتسيّب، أثّرت وفق مراقبين على صورة الديمقراطية التونسية في الداخل والخارج، علاوة على تعطيل أعمال المجلس، ومصالح المواطنين الذين ينتظرون دوراً مهماً للمجلس في عملية توفير الإطار التشريعي للكثير من الإشكاليات القائمة على أكثر من صعيد، فضلاً عن دوره الرقابي لنشاط الحكومة، وللحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أي للحياة العامة بالبلاد.

وقد طالب بعض المحللين على إثر ذلك بتفعيل مدونة السلوك المتعلقة بالنواب وتعديل القانون الداخلي لمجلس نواب الشعب، بما يضمن استمرارية عمل المجلس، وينهي حالة الفوضى، ويحول دون تكرار ما جرى، مع تعديل النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب بالنص على عقوبات ردعية لكل من تسوّل له نفسه التعدي على هيبة المجلس ومهامه التشريعية بتعطيل جلساته، والإساءة لسمعته ورمزيته.

أصبح من الماضي

وأكد القيادي في حزب حركة النهضة العجمي الوريمي، أن ما جرى في مجلس نواب الشعب أصبح من الماضي، وقال لـ"المجتمع": كانت هناك ثغرات قانونية في النظام الداخلي سمحت للبعض استغلالها وانتهاز الفرصة، والاستعراض، لا سيما وأن الجلسات تبث مباشرة على التلفاز، وهي لا تؤمن بالديمقراطية ولا تؤمن بالقانون؛ ولذلك تصرفت وتتصرف كما لو كانت في عزبة وليس في برلمان محترم.

وتابع: البعض (كتلة الحزب الدستوري الحر) لا يؤمن بالديمقراطية، ولكنه استغل الديمقراطية واستغل الثغرات الموجودة في القانون أو النظام الداخلي من أجل نسف التجربة الديمقراطية كلها، ولكن مؤسسة مجلس نواب الشعب أقوى منه، والنواب الصادقين الأوفياء لناخبيهم كانوا أقوى منه وأقوى من المشاريع التخريبية التي يمثلها وينوب عنها.

وأضاف: وحتى لا تتكرر مشاهد العبث التي حصلت في مجلس نواب الشعب، التي كانت تهدد الآجال الدستورية للمصادقة على ميزانية 2020 وغيرها من مشاريع القوانين، فضلاً عن شل النظام العام وشل البرلمان والنظام السياسي حتى لا يتكرر ذلك، من الضروري اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها وقف هذه الفوضى وهذا العبث.

وأوضح الوريمي أن هناك مساعي لتعديل النظام الداخلي، وهو أمر أصبح أكثر من ملح وضروري ومهم، وتحديد واجبات النائب والعلاقة مع رئاسة المجلس ومع بقية الكتل والنواب بما يمنع ويجنب المجلس أي تعكير للأجواء أو أي تعطيل لأعمال المجلس وأدائه لوظيفته ودوره.

وأيّد الوريمي تفعيل "مدونة السلوك" لتكون بمثابة الميثاق الأخلاقي الذي يلتزم به النائب وتجعله مسؤولاً عن سلوكه داخل المجلس حيال القضايا المطروحة والشعب، وحيال زملائه من النواب، كما شدّد على ضرورة تحميل النائب المسؤولية من خلال تعديل النظام الداخلي في حال خرق مدونة السلوك أو النظام الداخلي المعدل واتخاذ الإجراءات التي سينص عليها في النظام الداخلي بحقه سواء اللجوء للقوة العامة أو القضاء أو النظام العام.

وأشار الوريمي إلى أن للنائب كامل الحقوق في التعبير عن آرائه وطرح رؤيته من الزاوية التي يريد دون منع الآخرين من ذلك، أو منعهم من أداء واجبهم البرلماني، كما حصل في المدة الأخيرة من قبل نواب الحزب الحر الدستوري، ومحاولة فرض إرادة الأقلية على الأغلبية القائمة على مصالح الدولة ومصالح المجتمع والرأي العام.

وجدّد الوريمي التأكيد على أن تعديل النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب سيتم في القريب العاجل لتحيق أهداف مجلس نواب الشعب وخدمة الصالح العام دون تعطيل أو تهديد للمسار الديمقراطي في البلاد.

جوهر الخلاف

وقال المحلل السياسي كمال بن يونس لـ"المجتمع": جوهر الخلاف ليس ما قالته النائبة جميلة الكسيكسي (عن حركة النهضة) في وصفها نواب الحزب الدستوري الحر بـ"الكلوشارات" (البلطجية)، وإنما لعدم وجود توافقات في الكواليس على مبدأ التعايش؛ لأن رئيسة الحزب المذكور لا تريد أن تلتقي في أي مستوى مع الأطراف الأخرى، وهي بالتالي لا تدرك أن المشهد الحزبي أصبح مشهداً متعدداً وليس حزباً أو وزعيماً أو نظاماً أوحد، وأعرب عن اعتقاده بأن ذلك هو "جوهر الخلاف".

وتابع: التشويش في مجلس نواب الشعب لم ينطلق بعد وصف نواب الدستوري الحر بالكلوشارات، وإنما منذ اليوم الأول لأعمال المجلس، وفوضى أداء القسم، وأردف: لم تكن جميلة الكسيكسي هي الوحيدة التي وصفتهم بالكلوشارات، بل سامية عبو من التيار الديمقراطي، وغازي الشواشي من نفس التيار، ونواب من كتل أخرى، وصفوها بما هو أشنع من ذلك، حسب وصفها ذاتها، ولم يكن رد الفعل موازياً وفي نفس المستوى، رغم أنهم ليسوا تبعاً للنهضة ولا فرعاً منها، كما زعمت عبير موسي المعروفة بتصريحاتها الفاشية منذ عدة سنوات التي عملت على إفشال أولى جلسات البرلمان والجميع يعلم ذلك.

وذكر بن يونس أن مدونة السلوك مهمة وضرورية وطرحت سابقاً، وأعيد طرحها والمطالبة بها من قبل كتل برلمانية في المجلس حديثاً، بيد أن هذه المدونات لا تفي بالحاجة في وضع متوتر، والعزاء هو أن الأغلبية عرفت مرامي ما يجري، وأن هناك أولويات لا بد من بحثها والوفاء بها، مثل المصادقة على قانون المالية وهو ما تم فعلاً أثناء الجلسة العامة.

وشدّد على أن مسار التاريخ في اتجاه التعددية الحزبية والسياسية وغيرها، ولم تعد الديمقراطية كماليات أو ديكوراً للأحزاب الفاشية، لا سيما الحاكمة التي تربت موسى في ظلها، وأن موسى ليست مشكلتها مع حزب حركة النهضة فحسب، بل مع المسار الديمقراطي والديمقراطية والتعددية في المقام الأول، كما تظن أن عقارب الساعة يمكن أن تعود إلى الوراء، وأنه بالفوضى وربما حل البرلمان يمكنها تجميع كل المعارضين لحزب حركة النهضة وأنصار الثورة، بالمقابل الأحزاب الثورية تريد تعزيز مواقعها في الحكومة القادمة.

وأفاد بن يونس بأن الفصل (48) من الدستور يعطي لرئيس المجلس صلاحيات كبيرة لفرض القانون، كما أن تطبيق النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب يغنينا عن المدونات السلوكية في المجالات المهنية، فرئيس المجلس لديه صلاحيات الضابطة العدلية وصلاحيات مطلقة وبإمكانه طرد المشوّشين أو حتى إصدار حكم عليهم وهم في حالة تلبس، بتعبير القاضي وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي.

ودعا بن يونس لتعديل النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب بما يضمن استمرار عمله في كل الظروف، ويمنع تكرار ما حدث بفرض عقوبات رادعة.

ونفى امتناع الأمن عن التدخل وهو ما صدر في بيان للحرس الرئاسي في هذا الخصوص، وإنما رئاسة المجلس هي من أرادت الترفق في القضية ومعالجة الأمر بكل هدوء، رغم أن النص واضح، بل نصوص واضحة في المجال الجنائي بخصوص تعطيل أعمال المجلس، مستشهداً برجال قانون هم في نفس الوقت أعضاء بمجلس نواب الشعب، وقال: إن التساهل مع عبير موسى أثناء تأدية القسم الجماعي جعلها تتمادى في التجاوزات.

تأثيرات إقليمية

من جانبه، أشار المحلل السياسي زياد الهاني إلى وجود مدونة سلوك في رفف مجلس نواب الشعب منذ الدورة الماضية لمجلس نواب الشعب لم يقع تفعيلها، وقال لـ"المجتمع": الصراع داخل مجلس نواب الشعب أكبر وأبعد من مجرد صراع بين نظام قديم لم يمت بعد، ونظام جديد لم يتجذر بعد كما ينبغي، وإنما له ذيول أخرى، فكثير من كوادر وشخصيات النظام السابق منخرطة في المسار الديمقراطي، وتساهم في إنجاحه من داخل وخارج منظومة الحكم، وهناك فئة قليلة من النظام السابق تستهدف هذا المسار ومن قبل قوى داخلية تكمن مصالحها في إضعاف الدولة حتى تتمكن من استدامة مصالحها غير المشروعة، وتلتقي مع مصالح أطراف إقليمية ترى التغيير الحاصل في تونس شراً يهددها، وتريد القضاء عليه، خاصة وأن الانتقال الديمقراطي في تونس رغم تعثره يجد صدى وتفاعلاً في مختلف الأقطار العربية.

وقال: هذا ما يجعل بعض الأطراف الإقليمية تتوجس خيفة وتحرك بعض ذيولها في الداخل لإحداث الفوضى في البرلمان وفي المجتمع لضرب التجربة التونسية والعمل على إفسادها.

تعديل النظام الداخلي

ووصف الكاتب والمحلل السياسي سمير حمدي ما جرى بمجلس نواب الشعب بأن الديمقراطية تتضمن إمكانية سوء استعمالها، فالديمقراطية يمكن أن يستغلها غير الديمقراطيين، بمعنى أنك لا تستطيع أن تمنع غيرك من الترشح لرفضه للديمقراطية، وهذا موجود في الديمقراطيات جميعاً، واستدرك: لكن القانون هو الذي يضع له حدوداً للسلوك بما يمنعه من تمثيل الخطر على الديمقراطية، وقال لـ"المجتمع": هذا لا يدعونا للقمع أو استخدام العنف أو المنع بأي شكل من الأشكال؛ لأن الديمقراطية تتناقض مع القمع والعنف والمنع وتسقط جميع الذرائع لذلك.

وتابع: السلوك الذي أبدته كتلة الحزب الدستوري الحر يتناقض مع الديمقراطية ومع الدستور ومع الحرية سواء كان الدستور الذي طالب به التونسيون في عهد الاحتلال بقيادة عبدالعزيز الثعالبي أو حتى دستور 1959 في عهد بورقيبة فضلاً عن دستور الثورة 2014، فعندما وضع بورقيبة في الإقامة الجبرية لم تصدر من أي منهم أي كلمة تنتصر له وانخرطوا مع من انقلب عليه.

وأردف: هؤلاء نتاج "التجمّع" الحزب الذي قامت عليه الثورة، وهم الشق الأكثر فاشية في حزب التجمّع المنحل، ووصف سلوك رئيسة الحزب عبير موسى بالشاذ والبلطجي، وهدفه إفساد الحياة السياسية في البلاد ونشر الفوضى خدمة لأجندات إقليمية مدفوعة الأجر.

وأضاف: هناك مزاج عبثي يقود هذه المرأة التي تنفخ في الرماد لعلها تشعل البلاد، فهي ليست ضد التيار الإسلامي، وإنما ضد الديمقراطية والحريات العامة، وتحلم بالالتفاف على الديمقراطية والعودة إلى مربع الاستبداد، وهي واحدة من أدوات الاستبداد العربي.

وأشار حمدي إلى أن مدونة السلوك مهمة لمن لديهم مبادئ ويحترمون القانون والدستور ويحترمون الآخرين وينزلون عند رغبات شعوبهم، ولكن هناك من لا تردعهم سوى العقوبات، لا سيما من هم خارج كل ضابط أخلاقي، وكما يقول المثل: "من أمن العقوبة أساء الأدب".

وطالب حمدي بتعديل النظام الداخلي حتى لا يعدل النائب عن دوره الحقيقي ولا يتجاوز بالتعدي على حقوق الشعب.

عدد المشاهدات 1525

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top