قراءة اولية في نتائج الانتخابات الجزائرية وسيناريوهات المستقبل

18:08 13 ديسمبر 2019 الكاتب :   الجزائر: د محمد فاروق طيفور

تعتبر الانتخابات الرئاسية في الجزائر مدخلا اساسيا لتجديد نخب النظام السياسي لذلك تعرف تدافعا كبيرا بين النخب التي تنتمي اليه وتلك التي تعارضه وفي كل مرة يحدث صراعا شديدا في نقطة الانعطاف هذه وهو حال رئاسيات 12-12-2019 حيث اجلت مرتين وحدث حولها جدلا كبيرا سيما انها تجرى في سياق موجة دورية لحراك شعبي سلمي ابهر العالم واعطى رسالة قوية للمراهنين على استخدامه او توظيفه لصالح الاجندة الخارجية .

ولا يمكن قراءة النتائج الاولية لاقتراع 12-12 -2019 الا في هذا السياق الذي احاطت به الشكوك والشحن والاحتقان الى درجة الاستقطاب والانقسام المجتمعي بين رافض و داع لهذا الاستحقاق .

ورغم ان خيار تنظيم الانتخابات في هذه الاجواء كان غير مثالي ولم يتجاوب مع اهم مطالب الحراك السياسية وهي رفض الانتخابات في ظل وجود رموز النظام البوتفليقي الا ان قراءة نسب المشاركة المعلن عنها وهي 41,14 بالمئة يحيلنا الى عدة اسباب كانت تقف وراء هذه النسبة وهي :

اولا : سريان دعاية رمادية في الاوساط الشعبية عنوانها الخوف او التخويف من حالة الانفلات والانزلاق اذا حدث تدافع وصراع في مكاتب الاقتراع مما قد يؤدي الى اعلان الحالة الاستثنائية وفق المادة 107 من الدستور .

ثانيا : مرافقة حملة المترشحين الخمسة بحملات داعمة للانتخابات في مقابل حراك الجمعة الرافض لها مما شجع المترددين على التعبير عن ارائهم المكتومة يوم الانتخاب.

ثالثا : الاستثمار في موقف البرلمان الاوروبي الذي اصدر لائحة حول واقع الحريات في الجزائر وربط ذلك بالرد يوم الانتخابات.

رابعا : تحريك صور وانعكاسات الماساة الوطنية من اعماق الضمير الجمعي الجزائري وتوظيفها لصالح مقاربة الانتخابات.

خامسا: فشل الاضراب العام الذي دعت اليه بعض القوى العلمانية وبعض المعارضين في الخارج كان اثره عكسيا تماما في مقابل حالة الاجماع بين الجزائريين حول رفض التدخل الاجنبي .

سادسا: تصدر الراديكاليين للحراك الشعبي ولاسيما تيار اليسار الذي لا يحضى باي مصداقية عند عموم الجزائريين الامر الذي مكن الدعاية المضادة من اختزال صورة الحراك في صورة زعماء ذلك التيار.

سابعا: نجاح الدعاية المضادة في حصر قضية الاضراب العام في منطقة بعينها مما اعطى الانطباع ان الخطر قد يزول بالمشاركة في الانتخابات.

ثامنا : السلوكات غير المسؤولة التي رافقت العملية الانتخابية في الجالية من منع وضرب لبعض الشيوخ والنساء افرز سلوك انتخابي عكسي تماما لدى الجزائريين الذين يمقتون الحقرة والظلم.

هي ثمانية اسباب وقفت وراء تفسير نسبة المشاركة المعلنة.

اما بخصوص التوزيع الجغرافي للنسب المعلنة فانها ايضا تقف وراءها اسباب قد لا تكون سياسية بقدر ماهي جهوية وقبلية فعدم حضور مرشح من ولايات الوسط في الانتخابات قد يبرر النسب المتدنية للتصويت في مقابل المشاركة المقدرة لولايات الغرب والهضاب والجنوب والشرق حيث يمثل ولايات الهضاب والشرق ثلاث مرشحين(علي بن فليس.عبد العزيز بلعيد.عز الدين ميهوبي) فيما يمثل الجنوب مرشح(عبد القادر بن قرينة) والغرب مرشح (عبد المجيد تبون).ومن الطبيعي ان يتقاسم الاصوات في الشرق والهضاب ويتفرد الجنوب والغرب لمرشح واحد.

ونشير هنا الى ان حالة الرفض التقليدي لولاية تيزي وزو وبجاية حيث كانت نسبة المشاركة صفرية وهو تحدي كبير وتهديد متجدد للوحدة الوطنية ينبغي تداركه رغم انه حدث نفس الشيء سنة 2002 في الانتخابات التشريعية والمحلية.

وهذه المرة رافق الانتخابات حراك في بعض المدن الجزائرية وفي مقدمتها العاصمة ولكن سلمية الحراك وبيان بعض الشخصيات العاقلة فوت امكانية الصدام بين الرافضين والداعمين .

متغيرات تحكمت في النتائج:

ان مقاطعة 59 بالمئة من الهيئة الناخبة يعبر عن حالة سياسية محتقنة تضعف من درجة الشدة الديمقراطية وتغذي حالة العزوف الانتخابي بالرغم من تسجيل حالة ارتفاع محسوسة في نسب المشاركة حيث يمكن اعتبارها مفاجئة قي مقابل حالة الاستقطاب التي كانت تميز المشهد السياسي وبالرغم من برودة الحملة الانتخابية للمترشحين الخمسة حيث لم نشهد حملة قوية تكافئ نسب المشاركة وحتى تنظيم المناظرة لم يساعد على رفع نسبة التفاعل الجماهيري ولولا الحملات الست التي رافقت حملة المترشحين لكان الضعف مرافقا لنسبة المشاركة .

وفي هذه الحالة الموصوفة كانت نتائج الانتخابات وترتيب المترشحين منطقيا من الناحية السياسية على اعتبار ان اغلبهم لايملكون هياكل محلية قوية ولا حتى وسائل اعلام واتصال جماهيري كاف لاحداث الفرق.

ففوز عبد المجيد تبون الوزير الاول السابق تحكمت فيه عدة متغيرات اهمها خروج وعاء انتخابي متوعد على الانتخابات خاصة في الولايات الداخلية وهذا الوعاء فاعل محليا يتشكل من جميع الذين يشعرون ان الحراك الشعبي استهدفهم وادخل الخوف على مصالحهم الفردية فخرج بقوة في المسيرات العفوية في ردة فعل ارتدادية في مقابل ان وعاء باقي المترشحين ثابت وجزء منه مقاطع للانتخابات وهو في الغالب لاينتخب ولكنه كثير النقد والرفض وقد استفاد تبون من جمهور المترددين الذين يفضلون الاستقرار على المغامرة فضلا على كون تبون له صفة معارض للعصابة التي عملت سابقا على اقالته من منصب الوزير الاول وهي اليوم في السجن وهو معيار اعطاه في حينها مصداقية عمل على ترميمها في الحملة الانتخابية فضلا على ان اغلب وعاء الحزب الحاكم انتخب تبون .ويمكن ان نقول في الخلاصة ان كثير من الاسباب تحالفت ليكون تبون رئيسا .

اما بخصوص عبد القادر بن قرينة فان استفراده بالجنوب وجراته في الحملة الانتخابية بتنظيمه لاعمال جوارية جريئة وقدرته على انهاء الحملة الانتخابية بطريقة استعراضية خدمت صورته ولا سيما في ولاية ورقلة كما ان امتناع بعض الاحزاب الاسلامية القوية عن المشاركة في الانتخابات فتح المجال امام حزب بن قرينة البناء للاستثمار في الوعاء الانتخابي للاسلاميين الذين اعلن بعضهم دعم بن قرينة.كما ان جمهور مقدر من المترددين انتخبوا انتخابا عقابيا لصالح بن قرينة.

اما بخصوص علي بن فليس و عبد العزيز بلعيد فقد اقتسموا وعاء واحدا في الشرق الجزائري فهما من ولاية واحدة وتصنيفهم كابناء لمنظومة الحكم جعل التفضيل لتبون عليهما كما ان حادثة الجوسسة ضربت بن فليس في العمق في زمن الصمت الانتخابي.

اما عز الدين ميهوبي فقد عاقبه الجميع عقابيا سياسيا قاسيا لانه يمثل حزبا امعن رئيسه في ايذاء الجميع وهو داخل السجن الان كما ان دعاية ارتباطه بالامارات اقبرته. وكان يمكن ان يكون نفس العقاب للافلان لو دخل ولعل دعمه لميهوبي كان ضربة قاضية للاثنين معا وهو ماسيفتح الافق في الاستحقاقات القادمة.

الورقة البيضاء او الملغاة كانت دوما الحزب الثاني في كل الاستحقاقات واصبحت اليوم الحزب الثالث بعد بن قرينة يمثلها فريق الممتنعين الذين يشاركون ولكن لم يستطيع احد ان يستقطبهم فهم مع الجزائر فقط يعبرون عن حالة رفض وعدم رضى على الجميع ...

التجاوزات :

هذه المرة التجاوزات كانت قبلية رغم ان الانتخابات هذه المرة نظمت من طرف سلطة وطنية مستقلة وبنظام انتخابي جديد لم تتشكل بطريقة توافقية مما جعل عديد القوى السياسية تقاطعها وهي القوى التي بامكانها فضح التزوير او كشف مصداقية الاستحقاق بسلطة مستقلة منقوصة الادوات المحلية مع ملاحظة وجود قاضي على راس اللجنة البلدية والولائية ...اما اثناء العملية الانتخابية فمازال اغلب المترشحين لم يعلنوا عن تظلماتهم التي سجلوها طيلة مجريات يوم الاقتراع وباستثناء مقاطعة ولايتين للاستحقاق بصفة كاملة كانت نسب المشاركة في 46 ولاية متفاوتة بين 17 الى 65 بالمئة.

اولويات الرئيس القادم 

1) معالجة حالة الاحتقان والاستقطاب المجتمعي باطلاق سراح معتقلي الرأي في الحراك والذهاب الفوري لحكومة بدوي بعد نهاية عهدة رئيس الدولة بن صالح.

2) مواصلة محاكمة الفاسدين وتعميم العملية بدون انتقائية مع تثبيت تحرير العدالة من كل الضغوطات.

3) الاعلان عن فتح حوار وطني جامع وواسع للتوافق حول مقاربة المستقبل وتحديد رزنامة الاستحقاقات القادمة بما فيها تغيير الدستور والتشريعيات والمحليات وفق منظومة قانونية جديدة تتوافق و التحولات الجديدة.

4) تنظيم منتدى وطني جامع للخبرات الجزائرية لتحرير رؤية تنموية اقتصادية واجتماعية شاملة .

5) تشكيل حكومة كفاءات وطنية تضطلع بهمة تجسيد هذه الرؤية.

سيناريوهات المستقبل.

عقدت الانتخابات في اجواء مشحونة ومنقسمة ولكن لم يحدث فيها انفلات او انزلاق موصوف كما توقع البعض فهل ينجح الرئيس الجديد في معالجة الازمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد اليوم .

السيناريو الافضل :

ان ينفتح الرئيس الجديد على الحراك والطبقة السياسية ويحاول معالجة التوترات بطريقة توافقية تستثمر في حالة السلمية التي يتميز بها الحراك باتخاذ اجراءات تهدئة جدبدة تتعلق باطلاق سراح معتقلي الحراك واستعجال تنظيم تشريعيات ومحليات تستوعب فئات عريضة من المجتمع و الحراك وفق منظومة قانونية جديدة تبدأ بتعديل الدستور مع بقاء الحراك جزئيا في الشارع والذي ينبغي ان يتحول الى قوة اقتراح ورقابة حقيقية.

السيناريو الاسوأ :

ان يغتر النظام السياسي الحالي بانتصاره على الحراك وتطبيق مقاربته بسياسة الامر الواقع ويواصل تجسيد اجندته دون استيعاب لمطالب الحراك واختزاله في مجرد تيار انفصالي يمثل تهديد للبلاد .ويتساهل مع رموز النظام السابق ويعيد بعضهم الى مراكز القرار مما قد يتسبب في حالة انفلات وانزلاق نحو العنف او الاحتقان المركب الذي قد ينتج حراكا اشمل لكل ربوع الوطن ونعود الى نقطة الصفر.

عدد المشاهدات 1104

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top