الدرس الأول: الانفتاح على الأدلة المخالفة (2)

تصميم برنامج قرآني لدرس العقيدة للناشئة (3)
الدرس الأول: الانفتاح على الأدلة المخالفة (2)

الجمعة، 05 نوفمبر 2021 12:36

 

أصحاب الرؤى الشركية 

      نتناول في هذه الحلقة من درس انفتاح القرآن على المخالفة في بناء العقيدة، ما يتعلق بأصحاب الرؤى الشركية، وتتضمن هذه الحلقة مبدأ القرآن في الانفتاح على المشركين ورؤاهم، ومفهوم الشرك لغة وقرآنًا وإجرائيًا، وصور الشرك وأشكاله كما سجلها القرآن، ونرى ذلك ضروريًا قبل التعرض لحجج المشركين وموقف القرآن منها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

منطلق الدرس:

          يقوم منطلق الدرس القرآني في مناقشة أدلة المشركين على منطق طلب البرهان، الذي يجب أن يكون بؤرة أي حوار علمي بين أطراف متعارضة، وفي ذلك يحدد القرآن منطق النقاش والجدل العلمي في هذه القاعدة القرآنية ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آية: 64]

 والبرهان: بيان للحجة، وهو أوكد الأدلة، وهو الذي يقتض الصدق أبدًا لا محالة، وذلك أن الأدلة على خمسة أضرب:

  • دلالة تقتضي الصدق أبدًا - دلالة تقتضي الكذب أبدًا.
  • ودلالة إلى الصدق أقرب - ودلالة إلى الكذب أقرب.
  • ودلالة هي إليهما سواء [مفردات ألفاظ القرآن، ص121].

   ومن ثم فإن طلب القرآن من المخالفين له أن يأتوا بمعطيات ودلائل للبرهان عما يقولون، هو في الأساس الفكري طلب لتحري أعلى درجات الصدق واليقين والدلالة التي لا تقتضي الكذب أبدًا.

إن جعل القرآن "البرهان" محورًا لمناقشة المخالفين يعني استبعاد الخرافة والتفكير غير الراشد والتلاعب بالألفاظ – غير المحققة لليقين – واستبعاد تزييف الحقائق حين المناقشة. إن القرآن لا يقبل في مناقشة مسألة العقيدة إلا بـــما يلي:

  • طلب اليقين الكامل.
  • استبعاد التفكير الخرافي.
  • رد المعلومات والمعارف المزيفة غير الحقيقية أو التي لا يصدقها منطق عقل أو مشاهدة.
  • إثبات النظر العقلي ورد ما ينفيه أو يكذبه أو حتى يشكك فيه.

الأبعاد التربوي لمبدأ "البرهان" في تأسيس العقيدة:

          نشير إلى بعض الأبعاد التربوية فيما يتعلق بمبدأ طلب "البرهان" في مجال تأسيس العقيدة لدى النشء فيما يلي:

  • تقديم النظر العقلي في التفكير في مسألة العقيدة، عن غيره من أساليب التفكير والوسائل الأخرى، نظرًا لما ينطوي عليه هذا المبدأ -النظر العقلي- في تشغيل وسائل المعرفة الإنسانية الكامنة في الفرد.
  • تفعيل قيمة البحث الذاتي في تحصيل واكتساب مسائل العقيدة، وتجنب التقليد الذي يجعل الإنسان "على حرف" في الإيمان، بما يُعرَّض – حين التعرض لموجات الشك – إيمانه للخطر. حين يؤسس على التقليد بغير بحث جاد.
  • الحث على تتبع الآيات المادية في الكون -كدلائل يقينية لا تقبل الشك- لدعم مبدأ "البرهان" في تأسيس العقيدة، وهذه الطريقة من أظهر ما قدمه القرآن -كما سيأتي لتأسيس الوجدان الإيماني على الماديات قبل الغيبيات- وهي – أيضًا – دعم لمبدأ البرهان القاطع ناحية اليقين والحقيقة.
  • حفز العقل الإنساني على التفكير الفردي والجماعي للوصول إلى البرهان القاطع بشأن الاعتقاد. وهذا يتطلب جمع المعلومات والبيانات ووضعها في مقدمات لمنطق استقرائي للحصول على النتيجة الحقة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمبِوَاحِدَةٍ ۖأَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46].

المفاهيم:

    المفهوم الرئيس في هذا الدرس هو مفهوم "الشرك"، نتعرض له بالتحليل من المنظور اللغوي والقرآني، ثم نتبعهما بمفهوم إجرائي للدرس.

  • الشرك لغة: الشرك والمشاركة: خلط الملكين، وقيل هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا؛ عينًا كان ذلك الشيء، أو معنى. ويذكر صاحب المفردات أن شرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور كما في الرياء.

    ويهتم الدرس الحالي بمعنى الشرك الأول: أي الاعتقاد في غير الله في خلق الكون، أو إشراك [شيء] مع الله في هذا الخلق.

  • الشرك في القرآن:

 حدد القرآن مفهومًا للشرك يتخذ صورًا وألفاظًا مختلفة لكنها جميعًا تتفق في المضمون الفكري لمعنى الشرك المراد، وجاء هذا المفهوم في القرآن بالألفاظ والصور التالية:

  • الأنداد: أي اتخاذ الأشباه والمثل والنظائر وهو مما حرمه الله تعالى ونهى عنه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: أية 22]. ثم يثبت للمشركين علاقتهم بالأنداد التي تشبه علاقة المؤمنين بالله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، ثم يصفهم بالجحود والنكران مع اتخاذ الأنداد والمثل والأشباه لله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت: 9].

    ونديدُ الشيء: مشاركة في جوهره، وذلك ضرب من المتماثلة، فإن الـمِـثْلَ يقال في أي مشاركة كانت، فكل ندٍ مِثْلٌ، وليس كل مِثْلٍ ندًا[1].

  • الأرباب: من ربّ: والرب صاحب الشيء ومالكه، وقد اتخذ المشركون صورًا أخرى في الشرك، باتخاذ الملائكة الأنبياء والعلماء والرهبان معبودين مع الله تعالى، قال تعالى : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا، لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة : أية 31]؛ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: أية 80].
  • العدلاء: المساوون لله مع غيره من الكائنات أو المعبودات: وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]. والعدل هنا مساواة الشيء بالشيء، عدلت هذا بهذا، إذا مساويته به عدلًا.

    قال الطبري: أي يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعدلون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك.

       إجرائيًا: الشرك يقصد به في هذا الدرس: الاعتقاد الوجداني والعقلي بأن هناك -أشخاص أو كائنات أو جماد أو غير ذلك- يشاركون الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وما فيه والتحكم في مصيره ومآله، مهما كانت درجة تلك المشاركة والتي وصفها مشركي قريش في أقل درجاتها، حسب اعتقادهم. ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:3]، أي أن الاعتقاد بالله قائم، ولكن له شركاء [وسطاء] يسعى هؤلاء المشركين إلى التودد إليهم للتوسط لهم عند الله تعالى.

     إن فكرة الشرك هنا يقابلها فكرة التوحيد، وهي الفكرة التي ركز القرآن عليها، ودارت حولها أغلب الآيات التي تتعلق بمجال العقيدة والاجتماعي الإنساني.

   صور الشرك:

  سجل القرآن صورًا عديدة للشرك منها:

  • عبادة الجن: ﴿بل كانوا يعبدون الجن﴾ [سبأ: 41].
  • عبادة الأصنام: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: 23].
  • عبادة الأنبياء: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72].
  • عبادة الملائكة: قال تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19].
  • وغير ذلك كما في عبادة الكواكب والنجوم، والتي كانت محورًا لمناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه.

    تنبيه: لابد من إحاطة المتعلم بمعاني الشرك في القرآن الكريم، حتى يكون على دراية كافية بتعدد أشكال الشرك وصوره التي يتخذها المشركون واتخذوها من قبل في التاريخ وفي الوقت الحاضر. مع ثبات المضمون لهذا المفهوم والذي يتحدد في: الاعتقاد بوجوه قوة أخرى سواء انفردت أو شاركت في خلق الكون والعناية به دون الله وحده جل شأنه.

يتبع إن شاء الله..

 

 ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص796.

آخر تعديل على الجمعة, 05 نوفمبر 2021 12:43

مجتمع ميديا

  • فعالية استقبال د. فيصل المسلم للبلاد بعد العفو الكريم

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2160

ملف تفاعلى للعدد 2160

الأحد، 17 أكتوبر 2021 7740 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 9376 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9782 ملفات تفاعلية