مجلة المجتمع - لقاحات كورونا.. رؤية إسلامية
طباعة

لقاحات كورونا.. رؤية إسلامية

د. مسعود صبري الإثنين، 08 فبراير 2021 07:34
  • عدد المشاهدات 16121

بعد ابتلاء العالم بفيروس كورونا ( كوفيد 19)، وما أصابه من فزع وهلع للناس، وضرب للاقتصاد العالمي، وتعطيل للمؤسسات والمدارس والجامعات، وشلل للحياة بشكل ملحوظ في جميع أنحاء العالم، تسابقت الشركات العالمية إلى إنتاج لقاح مضاد للفيروس، للحد من انتشاره وتفشيه.

فائدة اللقاح:

إن الفائدة من اللقاحات هي أن تجعل أجسادنا قادرة على مكافحة العدوى، فهي تمنع الأجساد من استقبال الفيروس، وأن تكون اللقاحات هي الحاضنة للفيروس بدلًا من أجسادنا، فينمو الفيروس في تلك اللقاحات، أو على أقل تقدير أن تجعله أقل تأثيرًا.

وإن الإستراتيجية العالمية المطروحة اليوم هي الجمع بين اللقاحات المانعة لاختراق الفيروس للأجساد، بجوار المعالجات الطبية.

أهم اللقاحات:

ومن أهم تلك اللقاحات؛ لقاح أكسفورد- أسترا زينيكا، ولقاح موديرنا، ولقاح فايزر- بيونتيك، ولقاح جامالايكا ( سبوتنيك في)، ولقاح سينوفاك الصيني).

وقد يرى الناس أن اللقاحات حتى الآن لم تنجح بصورة فعالة، ويرون أن هذا أمر سلبي، والحق أنه أمر إيجابي، فإيجاد لقاح لمرض قبل مرور عام من انتشاره يعد أمرًا إيجابيًا في عالم الطب، خاصة إذا قارناه بغيره من الفيروسات السابقة في تاريخ البشرية.

غياب العالم العربي والإسلامي:

حسب الترتيب العالمي للدول المنتجة للقاح كورونا، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى، والهند في المرتبة الثانية، والصين في المرتبة الثالثة، وانجلترا في المرتبة الرابعة، وألمانيا في المرتبة الخامسة، وكوريا الشمالية في المرتبة السادسة.

وغابت الدول العربية مطلقًا عن إنتاج اللقاح، وحتى الدول الإسلامية لم تنجح حتى الآن في إنتاج لقاء، باستثناء تركيا التي أعلنت عن سعيها لإنتاج اللقاح، والذي ما يزال قيد الإنجاز.

رؤية الإسلام في إنتاج اللقاح:

من يطالع القرآن الكريم والسنة النبوية سيجد نصوصًا مقدسة تدعو العقل المسلم بل العقل الإنساني إلى السعي نحو الابتكار والاكتشافات المبكرة للأدوية والعلاجات، من خلال السعي والبحث والأخذ بالأسباب، مع الاستعانة بالله تعالى للتوفيق للوصول إلى تلك الأدوية التي تخفف معاناة المسلمين والبشرية جميعا.

ولقد ضرب الله تعالى لنا مثلا باثنين من الأنبياء، هما إبراهيم وأيوب – عليهما السلام-.

أما إبراهيم – عليه السلام- فقد اطلعنا الله تعالى على عقيدته تجاهه سبحانه وتعالى، ومنها أن الله تعالى هو الشافي، فقال:" الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ). وأما أيوب- عليه السلام- فقد ضرب الله به المثل في الصبر، وهو أحد أهم الاستراتيجيات التي تحافظ على حياة الإنسان عند ابتلائه بالمرض، وألا يسارع إلى الانتحار أو الاستسلام للموت.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أطباء الأمة نحو السعي إلى البحث عن الأدوية والعلاج النافع لكل مرض، وصك لنا قاعدة ذهبية في هذا المجال بقوله صلى الله عليه وسلم:" لكل داء دواء"، وهو صلى الله عليه وسلم يرشد أنه ليس هناك مرض في الوجود ليس له دواء، وعلى الأطباء والمتخصصين الاجتهاد وبذل الجهد في الوصول إلى هذا الدواء؛ كي يداووا به المرضى، ويرفعوا عنهم معاناته.

وتلك القاعدة النبوية الذهبية ( لكل داء دواء)، ينفي ما يتردد في أروقة الطب من أن هناك أمراضا ليس لها دواء، بل يشير إلى تقصير البحث العلمي في الوصول إلى ذلك الدواء، بل يبين النبي صلى الله عليه وسلم تأثير الدواء على الداء فيقول:" فإذا أصيب دواء الداء؛ بر بإذن الله عز وجل".

وهذا يعني أن الأدوية نافعة بإذن الله تعالى، وأن لها تأثيرا في التداوي ورفع المرض عن الإنسان، وذلك من سنن الله في الكون والحياة.

بل يشير الحديث إلى عدد من الفوائد الطبية، ومنها، أنه ليس كل دواء صالح لكل داء، بل لابد من التوافق في التأثير، فيجب على الأطباء اكتشاف الأدوية أولا، ثم وصفها الوصف الصحيح المناسب لكل داء، وقوله صلى الله عليه وسلم:" لكل داء دواء"، يحتمل أكثر من معنى، ومن أهمها:

الأول: ما من داء إلا وله دواء، ونفي عدم وجود دواء لأي داء.

الثاني: أنه لابد من التوافق والاختيار المناسب للدواء الذي يوصف للداء.

الثالث: أن الطبيب قد يصف الدواء ولا يشفى المريض، لعدم تأثير الدواء في الداء، إما لخطأ التوصيف الطبي، أو لضعف تأثير ذلك الدواء في ذلك الداء، وهو ما يشير إلى قضية الجرعات والنسب، فلابد من أن يكون الدواء مناسبا للداء في الكمية والكيفية والزمان والتعاطي، بل والمكان أيضا، وقد قيل: إن أفضل الأدوية ما استخرج من الأرض التي يعيش عليها المريض، وقد أقر بذلك الأطباء منذ آلاف السنين.
وقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم معنى وجود دواء لكل داء، كما في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".

ولهذا جاء الأمر الشرعي بطلب التداوي، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يعلم الأمة الأخذ بالأسباب، وأن طلب التداوي لا ينافي التوكل على الله الشافي سبحانه، ففي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء، إلا الموت والهرم".

وهذا المنهج الرباني يعلم المسلمين والإنسانية أنه ما من مشكلة إلا ولها حل، وإن الله تعالى يعين عباده على حلها، فهو سبحانه يبتلي العباد؛ ثم يعينه على تجاوزه، وذلك من رحمة الله بعباده، وهو يبث الأمل والتفاؤل في حياة المسلمين والناس جميعا، نحو الحياة الأفضل.