التكبير عند المصائب والشدائد

02:34 29 مارس 2020 الكاتب :   د مسعود صبري

في ظاهرة لم تكن مألوفة في المجتمعات المسلمة بسبب انتشار وباء الكورونا، انتشرت ظاهرة الجهر بالتكبير بين الناس، وقد أخذ التكبير صورتين:

الصورة الأولى: بقاء الناس في بيوتهم، ووقوفهم في شرف البيوت، يكبرون جميعاً من بيوتهم، دون النزول في الشوارع.

الصورة الثانية: خروج الناس في الشوارع جماعات، وتكبيرهم في الشوارع، رغم الحظر المفروض عليهم من قبل السلطات في بلاد المسلمين.

وقد تسارعت الفتاوى في تحريم مطلق التكبير، وأن التكبير جماعة بدعة منكرة في الدين، مستدلين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة- رضي الله عنها-:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

ونقرر هنا بعض الحقائق، من أهمها:

لا خلاف بين المسلمين في أن التكبير مشروع في مواطن كثيرة، منها: التكبير في الأذان، وفي الإقامة، ورفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة، والتكبير في طريق مصلى العيد، والتكبير في أيام التشريق، والتكبير عند استلام الحجر الأسود، والتكبير في السعي بين الصفا والمروة، والتكبير أثناء الوقوف بعرفة، والتكبير عند رمي الجمرات، والتكبير عند الذبح والصيد، والتكبير عند رؤية الهلال.

وقد وردت في كل تلك المواطن أحاديث كثيرة.

وفي الأمر عدة مسائل:

المسألة الأولى: التكبير عند النوازل:

فالتكبير – في الجملة من الذكر المشروع، بل هو من أعلاه، ودليل ذلك من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم من السلف والخلف.

أما من الكتاب، فقوله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، والآية عامة، فدلالتها دلالة عموم على الإطلاق، فيشرع تكبير الله تعالى على كل حال، ولمن ادعى التخصيص؛ فلابد فيه من دليل.

جاء في تفسير الألوسي = روح المعاني (8/ 184):" والتكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، وفي الأمر بذلك بعد ما تقدم مؤكدا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بإقدام المذلة في حضيض القصور والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا وإن طالت القصور".

وقال القنوجي في نيل المرام من تفسير آيات الأحكام (ص: 375):" أي عظمه تعظيما، وصفه بأنه أعظم من كل شيء".

ومن ذلك قوله سبحانه: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]

جاء في تفسير المنار (2/ 132): (ولتكبروا الله على ما هداكم) إليه من الأحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده، وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤدبهم بما يختار من التكاليف، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم (ولعلكم تشكرون)ا.ه

فكل هداية من الله تعالى تستحق التعظيم له من العباد، سواء كانت هداية دينية أو هداية دنيوية.

ومنه قوله سبحانه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3].

أي: " كبر ربك وحده، فهو وحده الكبير الذي يستحق التكبير، فكل شيء، وكل أحد، وكل مخلوق، وكل قيمة، وكل كائن صغير، والله وحده هو الكبير، والسموات والأرض، والأجرام والأحجام، والأحداث والأحوال، كلها تتوارى وتنمحي في ظلال الجلال والكمال لله الواحد الكبير المتعال" موسوعة فقه القلوب، محمد التويجري (3/ 2153)

وقد ورد في السنة ما يدل على أن التكبير باب لتفريج الكروب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا

رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد. (الترغيب والترهيب للمنذري (2/ 385).

كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في الغزو والجهاد، كما في صحيح البخاري عن أنس- رضي الله عنه- قال:صبّح النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خيبر وقد خرجوا بالمساحي «آلة كالفأس» على أعناقهم، فلمّا رأوه قالوا: محمّد والخميس «الجيش» ، محمّد والخميس، فلجأوا إلى الحصن، فرفع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يديه وقال: «الله أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

ولما كان الجهاد في سبيل الله وقتال العدو من كبريات الأمور؛ سن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير فيه، فيكبر في كل مدلهمة وبلاء ووباء.

القياس على التكبير عند الحريق:

وقد رأى كثير من الفقهاء مشروعية تكبير الله تعالى عند الحرائق؛ مقاومة لها، أخرج الطبراني في المعجم الأوسط (8/ 259): عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطفئوا الحريق بالتكبير»

وورد عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الحريق فكبروا".

قال في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (6/ 436): له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإن التكبير يطفئه" رواه الطبراني في كتاب الدعاء.

وقال في المطالب العالية محققا (14/ 134): هذا مرسل حسن.

وقال المناوي في فيض القدير (1/ 360) : " وقد رمز لحسنه وذلك لاعتضاده بما قبله ولخبر الطبراني أطفئوا الحريق بالتكبير.

 وخبر ابن السني: " إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح عظيمة فعليكم بالتكبير فإنه يطفئ العجاج الأسود". وهذا الحديث في نسخ لا تكاد تحصى ولم أره في خط المؤلف

وإن كان شرع التكبير عند الحرائق، وهو من المصائب والبلايا التي تقع على العباد، فيقاس عليه كل ما يصيب المسلمين من البلايا والرزايا، كما هو الحال في فيروس كورونا وغيره.

وقد ذهب الإمام ابن تيمية – رحمه الله- إلى جواز التكبير في كل الأمور العظام،

فقال في مجموع الفتاوى (24/ 229): وروي " أن التكبير يطفئ الحريق ". فالتكبير شرع أيضا لدفع العدو من شياطين الإنس والجن والنار التي هي عدو لنا.

 وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع أو لعظمة الفعل أو لقوة الحال. أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة: ليبين أن الله أكبر وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار فيكون الدين كله لله ويكون العباد له مكبرين فيحصل لهم مقصودان. مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه.ا.هـأعلى النموذجأسفل النموذج

وجاء في غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، للحموي (2/ 24): قوله: لا يكبر جهرا إلا في مسائل إلخ. في شرح التمرتاشي على الجامع الصغير: قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن إلا بإزاء العدو واللصوص. ثم قاس البعض على هذا الحريق والمخاوف كلها انتهى.

وفي البناية شرح الهداية (3/ 104): قال أبو بكر الرازي، قال مشايخنا: التكبير جهرا في غير هذه الأيام لا يسن إلا بإزاء العدو واللصوص معينا له، وقيل: وكذا في الحريق والمخاوف كلها، وفي جميع النوازل ويكبر كلما لقي جمعا أو هبط واديا كالتلبية.

المسألة الثانية: التكبير الجماعي:

أما تكبير الناس جماعة، فالراجح أنه جائز مشروع، ليس هناك دليل قطعي على تحريمه، بل تشهد له النصوص، جاء أنه تكبير جماعي مؤقت، وليس تكبيرا  وذكرا جماعيا دائما.

وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- كما جاء في مجموع الفتاوى (22/ 523): وسئل - رحمه الله -:

عن عوام فقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرءون شيئا من القرآن ثم يدعون ويكشفون رءوسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة بل يفعلونه على وجه التقرب إلى الله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله، الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة - كالاجتماعات المشروعة - ولا اقترن به بدعة منكرة وأما كشف الرأس مع ذلك فمكروه لا سيما إذا اتخذ على أنه عبادة فإنه حينئذ يكون منكرا ولا يجوز التعبد بذلك والله أعلم.

وقال أيضا في الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 384):

الاجتماع لذكر الله واستمتاع كتابه والدعاء عمل صالح، وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات، ففي الصحيح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم» وذكر الحديث، وفيه: «وجدناهم يسبحونك ويحمدونك» . لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة، فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المداومة عليه من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك.

وهو ما أفتى به الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في فتاواه (2/ 225)، فقال:

"والأَصل في ذلك أَن الاجتماع لذكر الله إِذا كان يفعل أَحيانًا حسن، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه صلى التطوع في جماعة أَحيانًا. وكان أَصحابه إِذَا اجتمعوا يأْمرون في بعض الأَحيان واحدًا منهم أَن يقرأَ وهم يستمعون. أَما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر لذلك فمبتدع محدث، لأَنه يضاهي الاجتماعات المشروعة كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والحج. ومن هنا نص أَحمد وغيره من الأَئمة على أَن ملحظ التفرقة بين ما يتخذ سنة وعادة أَن ذلك يضاهي المشروع.

المسألة الثالثة: التكبير الجماعي في الشوارع مع الحظر:

وهنا لابد أن نفرق بين أمرين؛ الأول بين التكبير الجماعي، فهو مشروع، أما الخروج في جماعات مع ما قد يحصل فيه من الفساد وانتشار الوباء، مع وجود تعليمات لعدم الخروج فهو حرام من أكثر من جهة:

الجهة الأولى: ما يترتب عليه من الفساد وأذية المؤمنين بعضهم بعضا، وهو حرام بنص القرآن الكريم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]، وقد تقرر أن الضرر في الشريعة مرفوع، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار".

قال ابن عبد البر في  الاستذكار (7/ 191): " لا يضر أحد أحدا ابتداء ولا يضره إن ضره وليصبر". ا.هـ

وهو عام في كل ضرر، ماديا كان أو معنويا، تعلق بالأجساد أو بالأرواح أو بالأديان أو بالأموال أو بالعقول، أو الأفراد أو المجتمعات.

الجهة الثانية: مخالفة ولاة الأمور فيما فيه مصلحة الناس، وقد أمرنا بطاعتهم فيما ليس فيه معصية، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره: (8/ 492): " فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة".ا.هـ

وأمر الحكام والسلطات بعدم الخروج في الشوارع هو مما فيه مصلحة الناس من حفظ الأبدان، فكان الواجب طاعتهم.

وإنما تعلقت الحرمة من جهة النزول في الشوارع في جماعات مع ما فيه من ضرر، وليس من جهة التكبير، وإن كان ينهى عن التكبير الجماعي في مثل هذه الحالة، ليس لذات التكبير، فإنه لا ينهى عن ذكر الله تعالى، وإنما لما صاحبه من المخالفة التي هي مظنة وقوع الضرر.

عدد المشاهدات 2178

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top