مجلة المجتمع - حلم الخلود وحتمية نهاية رحلة الدنيا

حلم الخلود وحتمية نهاية رحلة الدنيا

محمد ثابت الإثنين، 02 نوفمبر 2020 12:52

منذ أبي الأنبياء آدم، عليه السلام، وحلم الخلود يداعب مخيلة البشرية.

كان آدم، عليه السلام، يحيا في الجنة، على خلاف حول مكانها، أي أنه كان يعيش في أدنى قدر من المشكلات؛ ولكن إبليس اللعين وجد المدخل ليؤسس لأبي الأنبياء، إذ أطمعه في الحياة بلا نهاية: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) (طه: 120).

أي أن أمل الاستمرار على قيد الحياة حتى ما لا نهاية حلم بشري قديم يمتد إلى بدايتها.

وما أراد بشر الخلد إلا طمعًا في هناء وسعادة يدومان أبد الدهر فلا ينتهيان ولا يفترقان عنه، ولا يفارقهما ما دامت أنفاسه تتردد في صدره.

ينسى كل واحد منا أن الحياة الدنيا ما جعلها الله لراحته المطلقة، وإنما هي فترة امتحان وابتلاء مهما طالت فإنها قليلة، وصدق الرسول، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، من أنه: اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلتُ: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لي وللدنيا؟! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها" (أخرجه الترمذي).

لكأننا إذاً في الحياة الدنيا نجلس في غرفة منها قرب باب الخروج، حتى يكون من السهل علينا الاستجابة حين يحين الأجل فنغادر مسرعين، وصف الرسول العظيم حياته في الدنيا براكب استظل في ظل شجرة ساعة من نهار ثم مضى، كل هذه الحياة بما فيها من أفراح وأتراح ومنغصات، آلام ومسرات، راحة وعناء، آمال وخيبات، كل ذلك كساعة في ظل شجرة لراكب، لا يلبث إلا أن يواصل المسير من جديد.

تلك هي الحياة التي يتنازع البشر عليها فيختلفون ويتفقون؛ بل يأكل بعض البشر لأجلها بعضًا، ويُكثر آخرون على أنفسهم فيتعمدون إيذاء إخوانهم، فيسلبون مال هذا، ويُطيحون بلقمة عيش ذلك، ويتسببون في أقصى ما يمكنهم من الآلام لثالث.

لا يعرف كثير من البشر أن الحياة الحقيقية ليست هذه التي نحياها فوق ظهر الأرض، بل إن الحياة الأبدية تلك التي تنتظرنا تبدأ عند مفارقة الدنيا، هناك يلقى كل واحد منا نتيجة اختباره في الدنيا، ومحصلة ما قدم لنفسه، إن كان خيرًا، أو غلب عليه الخير والتسبب في إسعاد الآخرين، وكف آذاه عنهم، فإن الجنة تنتظره إلى ما لا نهاية، بلا حدود زمنية أو مكانية، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (رواه البخاري).

نحيا في الجنة، حينما يرضى ويأذن الله لنا؛ بلا منغصات أو آلام، لا مكائد ولا دسائس، لا خيبة أمل ولا انتظار لنهاية أمر نراه مؤلمًا، لا صريخ، ولا معاناة في صمت، لا انكسار قلب، ولا غربة روح، لا صمت طويل على منغص لا نجد سبيلًا لدفعه إلا بالابتهال إلى الله تعالى، لا ظلم ولا ظلمة.. والصبر على كل ما سبق هو الطريق، مع محاولة الفرار إلى الله من كل هذه الآلام أثناء المعاناة منها، وفي النهاية سنجد لدى الله حسن العاقبة والمآل والرحمة والسلوان الذي لا يغادر سقمًا والحياة بلا نهاية أو حد أو تجدد آلام.

ولا يُعيننا على حياتنا الدنيا ويُصبرنا عليها أكثر من الرضا بقضاء الله وقدره؛ واليقين بأننا في النهاية سائرين إليه، فإن قدمنا الخير في هذه الحياة وجدناه مُضاعفًا عند الله، وإن أحسنا وتحملنا كانت لنا العاقبة التي تدوم ولا تنفد بعكس طبيعة الدنيا التي لا تُبقي على حال، ولا على هناء أو سرور أو حبور لأحد.

يُفضل كثيرون تحمل مرارات العباد من أجل أن يكونوا في منعة وعزة ورفاهية في الدنيا، ويتناسون أن وقوفهم إلى جوار ما يغضب الله لن يجر عليهم في النهاية إلا الوبال، من غضبه تعالى عليهم، وخاتمة قد لا تسرهم.

ويتمسك كثيرون ببعض من فتات الحياة الدنيا، وإن جاء إليهم واستمر بين يديهم بغير ما يريد الله، أو بغير الطريق المؤدي لطاعته، فتلك امرأة جميلة تبدي وتظهر محاسنها للعابرين، وذلك غني يحرص على اكتساب مزيد من الأموال بوسيلة مقبولة أو بغيرها، وذلك يريد البقاء في المنصب ولا يسوؤه أن يظلم الآخرين في سبيل ذلك.

ولو تمثلنا الحفرة التي سنبقى فيها، ولو تذكرنا القبر ووضعناه نصب أعيننا آناء النهار وأطراف الليل لتخلينا عن كل ذلك، و لطلبنا الدنيا بعزة النفس لا مهانتها.

ويوم نعرف حقًا أن ما عند الله خير وأبقى فإنه سيكون يوم خلاصنا من هذه الدنيا وآلامها ومتاعبها بتفضيل ما لدى الله تعالى والأمل فيه.

آخر تعديل على الإثنين, 02 نوفمبر 2020 13:14

مجتمع ميديا

  • نائب رئيس حزب "الحرية" الهولندي المتطرف يعلن توبته إلى الله عن إنتاج الفيلم المسيء "فتنة"

إقرأ المجتمع PDF