مجلة المجتمع - مواقف مشرفة في الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام

مواقف مشرفة في الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام

محمد علي الخلاقي الأحد، 22 نوفمبر 2020 12:13

ما خلق الله تعالى أكرم ولا أجل من نبيه عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس رضي الله عنهما: والله ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غير محمد فقال جل وعلا: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: 72]، وقد خصه ربه بالشفاعة وأعطاه الوسيلة وهي منزلة في الجنة لا يبلغها نبي مرسل ولا ملك مقرب غيره، وقرن اسمه إلى اسمه، وأمر الأمة باتباعه والاقتداء به وجعل ذلك علامة على محبة الله تعالى وتعظيمه قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾.. [آل عمران: 31]، فمحبته أصل من أصول الإسلام، وعلامة من علامات الإيمان، فلا يصح إسلام أحد إلا بمحبته ولا يذوق طعم الإيمان وحلاوته إلا من قدم محبته على جميع من سواه يقول عليه الصلاة والسلام: « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان.. وذكر منها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما... »، وعدم محبته مؤذن بالعقوبة، وسبب للهلاك قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]، يقول ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة اللّه ورسوله، وعلى تقديمها على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من اللّه ورسوله، وجهاد في سبيله‏.‏

وعلامة ذلك، أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله، وليس لنفسه فيها هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله، أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه، على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه‏.

وقد جاء في الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين »، فلا إيمان لمن لم يحب النبي عليه الصلاة والسلام ويعظمه حق التعظيم، ويوقره غاية التوقير وينزله المنزلة التي أنزله إياها ربه سبحانه وتعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « إن قيام المدحة والثناء عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله »، فمن أذى نبيه أو انتقصه أو استهزاء به فقد خرج من الإسلام، وأبق من الدين واستحق العقاب والخسران، وإذا كانت منزلة النبي عليه الصلاة والسلام بهذا المقام السامي، والمكانة الرفيعة فإن الدفاع عنه واجب والذود عنه فرض، والوقوف أمام من تنقصه أو استهزاء به، فلا نرضى أن يتعرض لنبينا بالسخرية أو الاستهزاء ونحن نرى ونسمع ثم لا نحرك ساكنًا، فلا قيمة للعيش إذا استهين بنبينا وانتقص من حبيبنا.

ولو نظرنا إلى حال صحابته الكرام كيف كانوا يفدونه بأرواحهم وأموالهم وأبنائهم، لا يرضون أن يشاك شوكة أو يتعرض له بكلمة أو أذى، والسيرة مليئة بقصص هؤلاء العظماء الذين كانت لهم مواقف مشرفة، وتضحيات جليلة، تبين مدى حبهم له عليه الصلاة والسلام، فهذا:

♦ أبوبكر الصديق رضي الله عنه: عندما تعرض كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي حيث جاءه عقبة ابن أبي معيط فوضع رداءه في عنقه وجذبه إليه بشدة يريد خنقه، فجاءه أبوبكر الصديق ودفعه عنه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.

فأقبلوا على أبي بكر وأخذوا يضربونه حتى غشي عليه فحُمل إلى داره وهو يقول ما صنع محمد عليه الصلاة والسلام، وجاء من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي عنها قولها: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك، قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا رجع معه.

فانظر كيف ضحى بنفسه ليدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان رضي الله عنه لا يهاب العواقب في سبيل الدفاع عنه ونصرته رضي الله عنه، لذلك استحق هذه المنزلة العالية رضي الله عنه. 

♦ وهذا خبيب ابن عدي رضي الله عنه يضرب لنا أروع مثال في كمال الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يقدمه على نفسه التي هي أغلى ما يملكه، فعندما رفعه المشركون على الخشبة ليصلبوه نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدًا مكانك وأنت في بيتك؟ فقال: لا والله ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه.

وفي رواية قال لهم: والله ما أحب أني بين أهلي ومحمد صلى الله عليه وسلم في المكان الذي هو فيه تشوكه شوكة، فقال بعضهم:

 

أسرتْ قريش مسلمًا في غزوةٍ

فغدا بلا وجَلٍ إلى السيافِ

سألوه هل يُرضيك أنَّك سالمٌ

ولك النبيُّ فدا من الإتلافِ

فأجاب كلَّا لا سلمتُ من الرَّدَى

ويصابُ أنفُ محمَّدٍ برعافِ

 

فلله دره كيف قدم روحه على أن يصاب محمد بشوكة تؤذيه أو ضر يمسه، ففاضت روحه وهو يصرح بحبه لنبيه ودفاعه عنه رضي الله عنه، حتى إن أبو سفيان حين سمعه يقول ذلك قال: ما رأيت أحدًا يحب أحًدا كحب أصحاب محمَّدٍ محمَّدًا. 

قمة في الحب وروعه في التضحية، ونماذج في الشجاعة رضي الله عنهم جميعًا.

♦ ومن النماذج المشرقة الخالدة: موقف طلحة بن عبيد الله في غزوة أحد لما عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من على الجبل فانقض المشركون على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، فقتلوا منهم سبعين ثم أرادوا بعد ذلك قتل النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع بعض الصحابة للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان على رأس هؤلاء طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - فهذا جابر بن عبدالله يخبر بقوله: لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجلًا منهم طلحة، فأدركه المشركون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من للقوم؟» قال طلحة: أنا قال: «كما أنت» فقال رجل أنا، قال: «أنت» فقاتل حتى قُتل ثم التفت، فإذا المشركون فقال: «من لهم؟» قال طلحة: أنا، قال: «كما أنت» فقال رجل من الأنصار: أنا قال: «أنت» فقاتل حتى قُتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله (طلحة) فقال: «من للقوم؟» قال طلحة: أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه فقال: «حس» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون» ثم رد الله المشركين عن رسوله، واندحر أعداءه وسلم نبيه وقد أصابه من الجراح وشج في وجهه الشريف وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم، قال قيس بن حازم: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي يوم أحد وجرح في تلك الغزوة تسعًا وثلاثين أو خمسًا وثلاثين وشلت أصبعه أي السبابة والتي تليها.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه يومئذ: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» انظر المنزلة التي بلغها ببركة دفاعة عن النبي عليه الصلاة والسلام والذب عنه، حتى أنه جعل جسمه له وقاء من النبال والرماح رضي الله عنه.

ومما نقل إلينا دفاع شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام الذي سخر شعره في الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام وهجاء قريش ومن حالفهم.

♦ هذا هو شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي كان يقف بلسانه يهجو قريش ويدافع عن نبيه ويرسل عليهم الأبيات والقصائد التي تقع كالنبل عليهم أو أشد، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أمره أن يتعلم من أبي بكر نسبه الشريف في قريش حتى لا يهجوه معهم فلا يتعرض لهم بسوء، فرجع إليه حسان فقال: يا رسول الله، قد خلص لي نسبك، والذي بعثك بالحق، لأسلنَّك منهم كما تسلُّ الشعرة من العجين"، قالت عائشة: "فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لحسان: «إنَّ روح القدس لا يزال يؤيِّدك، ما نافحت عن الله ورسوله»، فسل عليهم لسانه حتى أفراهم فقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى».

ومما قاله حسان بن ثابت دفاع عن نبيه عليه الصلاة والسلام قصيدته الرائعة الذائعة يهجو فيها أبو سفيان الحارث بن عبدالمطلب الذي كان كثير الإيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام قبل إسلامه فيقول:

 

هجوت محمدًا فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء

هجوت محمدًا برًّا حنيفًا

رسول الله شيمته الوفاء

فإنَّ أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

ثكلت بُنيتي إن لم تروها

تثير النقع من كنفي كداء

يبارين الأعنة مصعدات

على أكتافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متمطرات

تلطمهن بالخمر النساء

فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا

وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لضراب يوم

يعز الله فيه من يشاء

وقال الله: قد أرسلت عبدًا

يقول الحق ليس به خفاء

وقال الله: قد يسرت جندًا

هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا في كل يوم من معد

سباب أو قتال أو هجاء

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

وجبريل رسول الله فينا

وروح القدس ليس له كفاء

 

فرضي الله عن حسان بن ثابت وأرضاه وجمعنا بهم جميعًا.

ومن الذين تشرفوا بالدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام الصحابية المقاتلة: أم عماره نسية بنت كعب رضي الله عنها حيث شهدت أم عمارة غزوة أحد مع زوجها وولديها، فقد خرجت تسقى الجيش وتداوي الجرحى، ولكن لما انكشف المسلمون وظهر عليهم المشركون، أخذت سيفها وربطت وسطها وقاتلت قتال الأبطال وأبلت بلاء حسنًا في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جرحت اثنى عشر جرحًا: وسمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان".

وقد وصف ابن سعد شدة بلاءها يوم أحد فقال: « وكان يراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وأنها لحاجزة ثوبها على وسطها، حتى خرجت ثلاثة عشر جرحًا، وكانت تقول: إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فدواته سنة، ثم نادى منادى رسول الله: إلى حمراء الأسد، فشدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم.

فانظر إلى شجاعتها وقوة بأسها كيف وقفت أمام ابن قمئة الذي كان من فرسان العرب عندما جاء يتوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبحث عنه يريد قتلة واستئصال شوكته.

♦ وهذا عبدالله بن عبدالله بن أبي ابن سلول رضي الله عنه، والده هو عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. في غزوة المريسيع عندما وقع نزاع بين المهاجرين والأنصار فتداعى كل واحد منهم إلي فريقه، فقال عبدالله بن أبي: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، يقصد أنه هو العزيز ورسول الله هو الذليل وقال أيضا ما نحن وهؤلاء إلا كما قال الأول: (سمن كلبك يأكلك)، يعرض بها برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فنزلت الآيات مخلدة ما قال وفاضحة ما أنكر في نفسه قال تعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقين: 8]، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعني أضرب عنقه فقال عليه الصلاة والسلام: "لا حتى لا يقال إن محمَّدًا يقتل أصحابه"، وعندما رجعوا إلى المدينة سمع عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول مقولة أبيه، فقال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أَبِى، فإن كنت لابد فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه.

ثم وقف على باب المدينة شاهرًا سيفه، ومنع أباه من دخولها حتى يأذن له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدخولها، وحتى يقول:إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو العزيز، وأنه هو - أي عبد الله ابن أبى - هو الذليل.

فانظر إلى فعل الابن مع أبيه المنافق حيث شهر عليه سيفه ومنعه من دخول المدينة حبًّا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم لشانه، فلا كرامة لمن آذى رسول الله أو انتقصه كائنًا من كان.

فهذه بعض المواقف المشرفة لبعض الصحابة الكرام الذين فدوا رسول الله بأرواحهم وأنفسهم، والمواقف كثيرة جدًّا لم نذكرها خشية الاطالة، فلا يوجد صحابي إلا كانت محبته لنبيه متوقدة في قلبه كالشعلة الملتهبة، والنور الساطع الذي يضيء، لو سأل أحدهم عن حبه لنبيه عليه الصلاة والسلام لأجابته الدموع قبل الأفعال فرضي الله عنهم.

وليعلم الجميع أن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب، ضحى الإنسان من أجله بكل شيءٍ، واسترخص في سبيله كل غالي.

 

 _________________________________

 المصدر: "الألوكة"

 

 

آخر تعديل على الأحد, 22 نوفمبر 2020 18:44

مجتمع ميديا

  • نائب رئيس حزب "الحرية" الهولندي المتطرف يعلن توبته إلى الله عن إنتاج الفيلم المسيء "فتنة"

إقرأ المجتمع PDF