مجلة المجتمع - "أَن تَقُومُوا لِلَّهِ" في رمضان (1)

"أَن تَقُومُوا لِلَّهِ" في رمضان (1)

د. حسان عبدالله حسان[1] الإثنين، 12 أبريل 2021 12:13

     نتناول في هذه الحلقات الأسبوعية الرمضانية قيمة من قيام المسلم لله تعالى في شهر رمضان المبارك، نتحرى فيها ما يساعد على تحقق غاية الصيام والقيام والصلاة والصدقة والزكاة، أي تحقق التغيير الذاتي للفرد والمجتمع، فإن بعثة الرسل والكتب والعبادات والتشريعات والأحكام إنما جعلت جميعها من أجل تحقيق تلك الغاية)حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (. ولا يتحقق ذلك إلا بقيام الإنسان لله تعالى خالصًا رغبته في تحقيق هذا التغيير المنشود نحو الهداية الربانية الكاملة.

الأولى: إحسان القراءة لكلمات الله

    أولى هذه القيم التي نحفز إلى القيام بها في رمضان هي "إحسان" القراءة والتعامل مع كلمات الله، ونقصد بكلمات الله هنا القرآن الكريم، حيث تلتقي الأمة في رمضان على كلمات الله (القرآن الكريم) وتتسابق في القراء أيما تسابق، ورغم أهمية اللقاء، وأهمية السباق، إلا أن المسلم مطالب بالإحسان في كل شيء، (إنَّ اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ)[2]، والإحسان: استقامة، وسلوك الطريق المستقيم الذي درج السابقون عليه) وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ ( [النور:100]. وأيضًا مراقبة الله في السر والعلن، والإحسان أعم من الإنعام، والإحسان فوق العدل وذاك أن العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلَّ مما له.

   إن كلمات الله (القرآن الكريم) هي الأجدر في تحري المسلم للإحسان معها، رغم أنه الأخذ منها، ولكن القاعدة هنا تقول كلما أحسنت القراءة والتعامل مع هذه الكلمات كلما كان عطاؤها لك أكثر وأكثر. ونتناول هنا بعض من وجوه صور الإحسان مع كتاب الله في رمضان من باب التواصي بالحق.

نقرأ لنتعلم

      إن المسؤولية الأولى في باب إحسان القراءة لكلمات الله تعالى، هي الوعي بحقيقة القراءة لتلك الكلمات، ولماذا نقرأ، وليس فقط كيف نقرأ الحرف واللفظ والوقف والوصل؟

   هذا الواجب (واجب المدارسة، التعلُّم) ثابتٌ، بالغاية من القرآن ذاته بأنه كتاب هدايةٍ )هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( فكيف يتحقق الهدى من القرآن دون دَرسِه؛ أي تعلُّم ما فيه من مقومات تلك الهداية بجانبيها العقلي والقلبي. وقد أثبت القرآن هذا الحق بشكلٍ مفصَّلٍ لا لبْسَ فيه، قال تعالى: )وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ( [آل عمران: 79]. كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما من مؤمنٍ ذكرٍ ولا أنثى حُرٍّ ولا مملوكٍ إلا ولله عز وجل عليه حقٌّ أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه" ثم تلا هذه الآية [آل عمران: 79] [3].

     وقوله تعالى: )تَدْرُسُونَ( من التدريس. وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة )تعلِّمون( بالتشديد من التعليم، واختارها أبو عبيدة لأنها تَجمع بين المعنيين (التعليم والتعلم)[4]. وقال صلى الله عليه وآله سلم: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان -أو العقيق-، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين[5] زهراوين[6]، بغير إثم بالله عز وجل، ولا قطع رحم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، قال: فلَأَن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله، خير له من ناقتين، وإنْ ثلاثٌ فثلاثٌ مثلُ أعدَادِهنَّ"[7].

     المدارسة -أيضًا- من الدرس والتعلم والتفقه والتدبر التي تحقِّق غاية القراءة للقرآن )لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ(، والتدبر لا يتحقق بالقراءة العابرة للنص القرآني، وإنما يتحقق عبر الوقوف على الدلالات والغايات والمقاصد التي تتضمنها السور والآيات، ولا يتحقق كذلك عبْر منهجيةٍ جزئيةٍ تجزئ القرآن، وإنما عبْر رؤيةٍ كليةٍ -تأتي عبْر الدرس والمدارسة- تدرك:

- غايات القرآن.

- موضوعات -مضامين- القرآن الرئيسة والكلية.

- أحكام القرآن وتشريعاته وأخلاقه وعقائده.

- موقف القرآن من المشكلات الإنسانية والحلول التي يقدمها.

- توجيهات بناء الحياة الإنسانية ونُظُمها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والثقافية والتربوية.

- السنن وحركة التاريخ.

- أحوال النفس وعلاج انحرافها... وهكذا.

كما يمكن الاستفادة -أيضًا- في تحسين تعالمنا مع القرآن مما أَنتجَه العقل المسلم حول القرآن مثل:

  • المعاجم القرآنية، للتعرف على ما أشكل من الألفاظ القرآنية، ومواضع الكلمات ومعانيها بحسب السياقات، وهكذا.
  • التفاسير القرآنية، بغير أن تكون ذاتها صارفةً عن التعامل الراشد مع القرآن، أي أنها لا تغني عن اكتشافاتٍ ذاتيةٍ للدارسين في القرآن.
  • الاتجاهات الجديدة في التعامل مع القرآن في القرنين الماضيين، والتي كُتبَت تحت عنوان «كيف نتعامل مع القرآن»، كما يمكن لهذه الكتابات الرائدة -أيضًا- أن تكون مصدرًا مهمًّا وملهمًا للمؤسسات التربوية في تعلُّم ودرْس القرآن، وحتى على المستوى الفردي من خلال القراءة الحرة.

الإنسان الباب الأول للتعليم القرآني

    غني عن الاثبات أن القرآن حفز الإنسان إلى التعلم، من باب القراءة الراشدة للقرآن (كتاب الله المسطور) وللكون (كتاب الله المنظور)، وكانت أول آية فيه هي )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ( فكان شرط القراءة الأول هو القراءة باسم الله، وشرطها الثاني هو قراءة الخلق، والخلق كل الكائنات، وكل ما في الكون، وضرب لنا القرآن مثلًا في الآية التالية، بالبحث في خلق الإنسان، كأوعى المخلوقات في الكون، )خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( [العلق].

     طرح القرآن هذه القراءة للإنسان كمدخل لقراءة الكون كله، لأنه إذا نجح الإنسان في الوعي بذاته وحقيقة نفسه، و تحديد غايته، ومعرفة معيار التفاضل في الكون، والوعي بالمسؤولية المكلف بها، فإنه يكون قادرًا على أن يقرأ باقي الكون المسخر له، والمطوع له.

واجبات منزلية قرآنية حول باب الإنسان

    نصل في ضوء هذا الفهم إلى القول بأننا لا نتعلم الحرف والوصل والقطع،...لنقرأ القرآن وفقط، بل نقرأ القرآن لنتعلم، والباب الأول في التعلم في القرآن هو باب "الإنسان"، أما فصول هذا الباب فيمكن أن نطرحها في تساؤلات كواجبات منزلية لقارئ القرآن في رمضان وهي كما يلي:

  • ما الإنسان كما يصوره القرآن؟ مما خلق؟ وكيف خلق؟ وما سياق خلقه مع المخلوقات الأخرى؟
  • لماذا خلق الإنسان؟ وما غاية خلقه؟ وما مقاصد ذلك الخلق؟
  • ما طبيعة العلاقة بين الإنسان وبين خالقه؟ ما الصورة التي يقدمها القرآن لتلك العلاقة؟ وما حال الإنسان المعاصر مع الخالق؟ وما العقبات التي تحول دون تحقيق الصورة القرآنية لعلاقة الإنسان بخالقه؟ وكيف يمكن تجاوز هذه العقبات؟
  • ما الصورة القرآنية لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسانية؟ كيف بدأت؟ وكيف تطورت؟ وما العوائق في تحقيق الصورة القرآنية المثلى لهذه العلاقة الأخوية الإنسانية؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟
  • ما موقع الإنسان من الكون؟ وما علاقته بباقي الكائنات؟ وما الذي يحول أن تكون العلاقة القائمة على الصورة القرآنية؟ وكيف يمكن تجاوز هذه العوائق القائمة؟

    هذه بعض فصول القراءة العالِمة لموضوع الإنسان في القرآن، والذي نزل القرآن بالأساس من أجله هو ذاته ونفسه. والتي يجب أن يسعى المسلم في قراءته الحسنة والمحسنة، إلى التعرف على إجابات القرآن فيها، وفواصل ذلك ومفاصله، وفي ذلك تكوين للهوية العقائدية والحضارية للمسلم، وتحقيق التزكية الفردية والاجتماعية والكونية.

    إنه المسلم لا يمكن أن يستغنى عن هذه القراءة العالِمة، وإلا كيف سيقيم علاقاته مع الخالق، ومع المخلوق، ومع نفسه، ومع الكون؟ من أين سيتخذ المعيار والميزان الملائم لوزن ما يقوم به من حركة ونشاط في الكون؟!

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  أستاذ أصول التربية المساعد – جامعة دمياط- مصر.

[2]  سنن أبي داود.

[3] رواه ابن عباس.

[4] القرطبي، تفسير آية رقم 79 من سورة آل عمران.

[5] أي نَاقَتَيْنِ عَظِيمَتَيِ السَّنَامِ.

[6] أَيْ سَمِينَتَيْنِ.

[7] الألباني: صحيح الترغيب (1418).

آخر تعديل على الإثنين, 12 أبريل 2021 10:54

مجتمع ميديا

  • هل تعتقد أن القضية الفلسطينية قضية معقدة؟

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153