أحكام الصيام.. سؤال وجواب (29)

أحكام الصيام.. سؤال وجواب (29)

مركز المعلومات وإدارة المعرفة السبت، 30 أبريل 2022 09:15

 

إخراج القيمة في زكاة الفطر

تعودت منذ مدة طويلة أن أخرج زكاة الفطر عني وعن أسرتي مبلغًا من النقود، ولكني فوجئت بفتوى من أحد الشيوخ، يقول فيها: إن إخراج القيمة في زكاة الفطر لا يجوز بحال، ومن فعل ذلك فزكاته باطلة؛ لأنها مخالفة للسنة، وشن حملة قاسية على العلماء الذين أجازوا إخراج القيمة في زكاة الفطر، واتهمهم بمخالفة النصوص الشرعية بالرأي المجرد، فأرجو أن تريحوا خاطري وخواطر أمثالي وهم ألوف بل ملايين.. يدفعون زكاة فطرهم بالنقود؟

- بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

في رأيي أن المفتي الذي استمع إليه السائل والذي شنع على إخراج زكاة الفطر بقيمتها من النقود؛ لم يكن موفقًا في فتواه إذا صح ضبط المستمع لها، ونقلها عنه نقلًا صحيحًا مستوعِبًا، وهو ما أعتقده، فقد سمعت عن هؤلاء المفتين والخطباء الذين يشنون في كل عام غارة على إخراج القيمة في صدقة الفطر.

وخطأ هذا المفتي يتمثل في جملة أمور:

1- أن المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الأئمة وتعددت فيها الآراء؛ لا يجوز فيها التشنيع والإنكار على من اقتنع برأي منها وأخذ به،  فمن كان من أهل الاجتهاد والقدرة على الترجيح بين الآراء؛ فلا يُطالب شرعًا أن يعمل إلا بما انتهى إليه اجتهاده، فإن كان صوابًا فهو مأجور أجرين: أجرًا على اجتهاده، وأجرًا على إصابته الحق في المسألة، وإن كان اجتهاده خطأ فهو مأجور أيضًا، ولكنه أجر واحد، هو أجره على اجتهاده وتحريه، وأقصى ما يقوله مجتهد عن نفسه ما جاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وكل مسألة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة فهي من مسائل الاجتهاد بيقين ومسألتُنا من هذا النوع بلا ريب.

ومن كان يسوغ له التقليد -ومعظم الناس كذلك- جاز له أن يقلد أحد المذاهب المتبوعة، المتلقاة بالقبول لدى الأمة، وهذا هو المستطاع بالنسبة لمثله فليس عنده أدوات الاجتهاد ولا شروطه، و(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وقد قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16)، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (متفق عليه)

2- إذا نظرنا للمسألة المبحوث فيها على هذا الأساس المذكور؛ رأينا أن أبا حنيفة وأصحابه والحسن البصري، وسفيان الثوري، وخامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أجازوا إخراج القيمة في الزكاة، ومنها زكاة الفطر، وهو قول الأشهب وابن القاسم عند المالكية، قال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه.

قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل، ولهم في ذلك أدلة اعتمدوا عليها، واعتبارات استندوا إليها، كما أن المانعين لإخراج القيمة لهم أيضًا أدلة واعتبارات مخالفة.

وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مذهبًا وسطًا بين الفريقين المتنازعين، قال فيه: (الأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة، ولا مصلحة راجحة، ممنوع منه؛ ولهذا قدَّر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين، أو عشرين درهمًا ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه: متى جوز إخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر؛ ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل؛ فلا بأس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم؛ فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة؛ إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع، فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أنها أنفع للفقراء، كما نُقِلَ عن معاذ بن جبل: أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيس، أيسر عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة وقيل في الجزية)(1)، وهذا، وإن قاله في زكاة المال، فهو ينطبق على زكاة الفطر.

وجوهر الخلاف إنما هو بين مدرستين:

المدرسة التي تراعي في اجتهادها المقاصد الكلية للشريعة، ولا تهمل النصوص الجزئية، والمدرسة التي لا تنظر إلا إلى النصوص الجزئية وحدها. وقد عمل بهذا القول في خير القرون، بعد قرن الصحابة، وهو قرن التابعين لهم بإحسان، وعمل به خليفة أجمعوا على أنه من الراشدين المهديين.

روى ابن أبي شيبة عن عون قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة - وعدي هو الوالي: يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم (مصنف ابن أبي شيبة 4/37، 38).

وعن الحسن قال: لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر. (مصنف ابن أبي شيبة 4/37، 38). وعن أبي إسحاق قال: أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام. (المصدر السابق). وعن عطاء: أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقًا - دراهم فضية. (المصدر السابق).

ومما يدل لهذا القول:

أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أغنوهم -يعني المساكين- في هذا اليوم"، والإغناء يتحقق بالقيمة، كما يتحقق بالطعام، وربما كانت القيمة أفضل، إذ كثرة الطعام عند الفقير تحوجه إلى بيعها، والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.

ب- كما يدل على جواز القيمة ما ذكره ابن المنذر من قبل: أن الصحابة أجازوا إخراج نصف الصاع من القمح؛ لأنهم رأوه معادلًا في القيمة للصاع من التمر أو الشعير؛ ولهذا قال معاوية: "إني لأرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من التمر".

جـ- ثم إن هذا الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود، كما أنه في أكثر البلدان وفي غالب الأحيان هو الأنفع للفقراء.

3- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره؛ إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء، وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط؛ لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ، ولقصد التيسير أجاز لأصحاب الإبل والغنم أن يخرجوا "الأقط" -وهو اللبن المجفف المنزوع زبده- فكل إنسان يخرج من الميسور لديه.

ثم إن القدرة الشرائية للنقود تتغير من زمن لآخر، ومن بلد لآخر، ومن حال لآخر، فلو قدر الواجب في زكاة الفطر بالنقود لكان قابلًا للارتفاع والانخفاض حسب قدرة النقود، على حين يمثل الصاع من الطعام إشباع حاجة بشرية محددة لا تختلف، فإذا جعل الصاع هو الأصل في التقدير فإن هذا أقرب إلى العدل، وأبعد عن التقلب.

4- أن المحققين من علمائنا قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، وهذه قاعدة عظيمة حققناها في رسالتنا: "عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية" وأقمنا الأدلة على صحتها من القرآن والسنة، وهدي الصحابة رضي الله عنهم، فضلًا عما ذكرناه من أقوال العلماء وتطبيقاتهم عليها.

ومن نظر بعين الإنصاف والتقدير للواقع المعاصر؛ يعلم أن إخراج الطعام لا يصلح إلا في المجتمعات البسيطة والمحدودة، التي يتيسر فيها الطعام لمن يريد إخراج الزكاة، ويحتاج فيها الفقير إلى الانتفاع بالطعام.

أما المجتمعات الكبيرة والمعقدة، والتي تتمتع بكثافة سكانية عالية، والتي يندر فيها وجود الأطعمة بحيث يعنت المخرج طلبها، ولا يحتاج الفقير إليها؛ لأنه لم يعد يطحن ويعجن ويخبز؛ فلا يماري منصف في أن إخراج القيمة في هذه الحال هو الأولى.

وقد أحسن الإمام ابن تيمية حين أجاز لمن باع ثمر بستانه بدراهم أن يخرج عشرة منها، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، إذ قد ساوى الفقراء بنفسه، كما أجاز لمن لم يجد في مدينته من يبيعه شاة عن إبله، أن يخرج قيمتها ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى لشرائها، وهذا هو الفقه حقًا وكيف نكلف المسلم في مدينة كالقاهرة فيها أكثر من عشرة ملايين من المسلمين- بإخراج الحبوب، التي لم يعد من الميسور إحضارها، ولا من النافع للفقير إعطاؤها؟ وفرق بين من يكون عنده الطعام ويضن به على الفقير، ومن ليس عنده إلا النقود كأهل المدن، فهو يسوي الفقراء بنفسه.

والزكاة إنما جُعلت لإغناء الفقير عن الطواف في يوم العيد، والأغنياء يتمتعون بمالهم وعيالهم، ولينظر امرؤ لنفسه: هل يرى أنه يغني الفقير عن الطواف إذا أعطاه صاع تمر أو صاع شعير، في بلد مثل القاهرة في مثل هذه الأيام؟! وماذا يفعل بهما الفقير إلا أن يطوف ليجد من يشتريهما ببخس من القيمة، ليبتاع لنفسه أو لأولاده ما يتقوتون به؟!(2).

على أن فقهاء المذاهب المتبوعة أجازوا إخراج الزكاة من غالب قوت البلد وإن لم يكن من الأطعمة المنصوصة، رعاية للمقصد. والله أعلم(3).

 

 

 

 

 

 

_____________________________

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 25/82، 83 ط. السعودية.

(2) انظر: هامش المحلى وتعليق العلامة أحمد شاكر (6/ 131، 132)

(3) بتصرف من موقع سماحة الشيخ د. يوسف القرضاوي.

آخر تعديل على السبت, 30 أبريل 2022 13:03

ابحث في أرشيف الأعداد

مجتمع ميديا

  • بعد مرور 74 عاماً على "النكبة".. مُسنّة فلسطينية تروي شهاداتها ومتمسكة بالعودة لقريتها

إقرأ المجتمع PDF

iss2166 ads

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2167

ملف تفاعلى للعدد 2167

الخميس، 19 مايو 2022 2206 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2162

ملف تفاعلى للعدد 2162

الأربعاء، 15 ديسمبر 2021 5065 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2160

ملف تفاعلى للعدد 2160

الأحد، 17 أكتوبر 2021 9272 ملفات تفاعلية