مجلة المجتمع - وقفات تربوية مع الباحثين (1)

وقفات تربوية مع الباحثين (1)

د. حسان عبدالله حسان* السبت، 06 فبراير 2021 06:55

   هذه مجموعة من الوقفات التربوية، من واقع خبرة عملية ونظرية تزيد على ربع قرن من الزمان، نقدمها للباحثين الشباب لكي يتم التواصل بين أجيال الباحثين في الأمة، كي تصوب بوصلة الجيل الجديد في طريق البحث، وتشحذ فيه الهمم، ويتجنب فيه هدر الوقت والجهد، ويتم البناء على ما سبق في هذا الطريق.

العاطفة البحثية

    تمثل العاطفة وقود طريق البحث، فلا يستطيع الباحث الجاد السير في هذا الطريق الشاق دون عاطفة قوية نحوه، تشعل جذوة نشاطه وحماسه، وتهون عليه الصعوبات والمشاق، وتدفعه إلى تحمل العنت، وتجعله يقبل التضحية بأساسيات الحياة في سبيل السير في هذا الطريق، كما أن هذه العاطفة تُوجِد لدى الباحث "الشغف" المرجعي لسلوكه، وتعيد ترتيب أولوياته الحياتية في ضوء هذا الشغف بطريق البحث، وتغرس الرغبة في الاستكشاف الدائم والسير في طريق مستقيم لا ينحرف إلى طرق أخرى من مغريات الحياة. والعاطفة البحثية -أيضًا- تدفع الباحث إلى المغامرة والسير في طرق غير مألوفة يراها ضرورية ومتممة لمؤهلاته البحثية، فإذا افتقد الباحث هذه العاطفة بتلك القوة المذكورة، افتقد معها كل ما ذكرناه، وافتقد جملة وفاء الطريق..

شرف الباحث

  إن "عصامية" الباحث هي شرفه، لا تلجأ لأي وسيط آخر غير جهدك واتباع الطرق الشريفة للوصول إلى غايتك.. حتى لا تفقد شرفك، كما فقده غيرك على نفس الطريق..

﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾

  أيها الباحث: تجنب كل أنواع القذى الذي يمكن أن تتعرض له في مسيرتك البحثية والفكرية في بُعدها العلمي أو الاجتماعي، وإن أُجبرت عليه ساعة من نهار، فلابد أن تتطهر منه قبل أن يجن عليك الليل..

الباحث الجاد

    لا يمتلك الباحث الغربي في العلوم الإنسانية ما تمتلكه من مقومات منهجية، من حيث "نوع القيم" الفاعلة في الحياة الإنسانية، إلا أن استطاع رغم ما لديه من بضاعة قليلة وربما مزجاة في كثير من الأحيان، أن يقوم باستقراء وملاحظة دؤوبة، جاءت بمردودات واسعة على أدوات حثه ومنهجيته.. إن الباحث الجاد في أمتنا، مسؤول الآن عن تفعيل الاستقراء والملاحظة، وتطوير أدواته المنهجية في ذلك وفقًا "لنوعية القيم" التي يكتنزها أو المكنوزة عنده.. وقد قرأت لك هذا التوجيه للمستشار المفكر طارق البشري:

الباحث ليس لديه وقت فراغ أو عطالة

إن الوقت هو أثمن ما يمتلكه الإنسان بصفة عامة، والباحث بصفة خاصة، فهو الميدان الذي ينجز فيها أعماله، ويثبت فيه جدارته البحثية، وهو مسرح التفكير له والكتابة والقراءة وغير ذلك من متطلبات طريق البحث، فليس من المقبول أبدًا أن يكون لدى لباحث "وقت فراغ" أو "وقت عطالة"، إن الدقيقة التي تمر عليك دون إنجاز أو اغتنام لن تعود، والواجبات أكثر من الأوقات، فكيف تفرط فيما أنت في أشد الاحتياج إليه، ولا يأتي إلا مرة واحدة.

الأمانة العلمية ليست توثيق الاقتباسات

     لا يمكن المرادفة بين الأمانة العلمية وإجراء توثيق الاقتباسات – الذي هو من البداهة بمكان- لأن القول بهذه المرادفة يعني أننا لا نتعامل مع باحث علمي، وإنما نتعامل مع (سارق أو لص) بالأساس!!!!! فنشترط عليه مبدئيًا ألا يسرق، ومن ثم فنحن – وفقا لهذا المنظور البحثي المتخلف في مجتمعاتنا- لا نحتاج إلى أساتذة أو مشرفين في الجامعة، ولكن نحتاج إلى أجهزة كشف الكذب وسياجات أمنية وشرطية وقضائية بدلًا من الساحة الجامعية.

       أما الأمانة العلمية -بحسب الفكر البحثي الأكاديمي- تعني عدة أمور نوجزها في العناصر التالية:

1. القناعة العلمية بقيمة الفكرة المطروحة للبحث

 2. كفاءة الباحث لموضوع بحثه.

3.  امتلاك الباحث الأدوات اللازمة لإنجاز بحثه.

4. السعي لاستكمال ما ينقص من مهارات الباحث لإنجاز بحثه.

5.  بذل الجهد الكافي لما يتطلبه إنجاز البحث.

     وما غير ذلك يعتبر خيانة علمية متعددة الوجوه: للباحث مع ذاته، ومع مجتمعه العلمي، وواقعه الاجتماعي.

الألقاب العلمية

    الألقاب العلمية الجامعية تلطخت بالرشى والمحسوبية والوساطة وسوء الأداء والاستغلال والانحراف والضعف العلمي إلى حد الجهل...فليكن اهتمام الباحث برسالة يقدمها للمجتمع العلمي تنفع حاضرًا أو لاحقًا ولا تأس على لقب ولا درجة، ولا تتعجل إليهما ولا نحوهما.. بل تعجل بكسب علم وإفادة مجتمع.. وتذكر قوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.

سؤال الباحث الجاد الآن

  السؤال الذي يجب أن يبحث فيه الباحث الجاد الآن – في ميدان تخصصه- هو كيف يصعد المسلمون؟ فبعد ما يقرب من قرن من سؤال الأمير شكيب أرسلان (1869-1945م) لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وبعد الجهد الكبير المبذول من رجالات الإصلاح لتشخيص أمراض الأمة، جاء الدور عليك الآن أن تبحث في سبل الصعود، وتهيئة الطريق، والبحث في التنظير للبرامج لإنزال قيم الإصلاح والتجديد على واقع المسلمين.

فراغ القيم

   لا يعترف الإسلام بأية قيمة، ما لم تتحقق في وسط اجتماعي، أي في وسط الأمة، ومن هنا فرغم كثرة الكتابات والشعارات والندوات والنداءات عن القيم تعاني الأمة من فراغ قيمي لعدم تجسيد تلك القيم.. فكن مجسدًا لقيمك البحثية التي تسطرها بمداد قلمك. فتراها الأمة في واقع حياتك.

الأمة من موجبات العقيدة

اعلم أن "الأمة" من موجبات العقيدة، قال تعالى ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.. فالأمة هي مستودع الرسالة.. ومستودع القيم.. ومستودع الشريعة، فيجب أن تنشغل بالبحث عن مركزها في حركة بحوثك وجهدك المبذول.

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ أصول التربية المساعد- جامعة دمياط.

آخر تعديل على السبت, 06 فبراير 2021 19:28

مجتمع ميديا

  • الشيخ القطان للمجاهدين في غزة: اضربوا وارموا.. سدد الله رميكم

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153