مجلة المجتمع - لماذا هُزمنا وانتصرت "طالبان"؟

ما الذي لم تفهمه أمريكا من أطول حروبها؟
لماذا هُزمنا وانتصرت "طالبان"؟

ترجمة- جمال خطاب: السبت، 24 يوليو 2021 07:51

 

يجب أن نعترف في الولايات المتحدة ونحن نغادر أفغانستان بعد 20 عامًا من الحرب، أننا، بالتأكيد ودون أدنى شك قد خسرنا الحرب، أو بعبارة أكثر رقة، لم نحقق أهدافنا.

في الأسابيع الأخيرة، تقدمت طالبان في شمال البلاد، وبحسب ما ورد، فقد الجيش والشرطة الأفغان، بعد حرمانهما من الدعم الأمريكي، أكثر من عشرين مقاطعة على مدار شهر واحد، وهما يقاتلان الآن في ضواحي مدن رئيسة مثل قندهار ومزار الشريف، وقد حذر كبار المسؤولين الأمريكيين من اندلاع حرب أهلية، بينما يقال: إن تقارير المخابرات تتنبأ بسقوط الحكومة الأفغانية -التي عملت الولايات المتحدة على تعزيزها على مدى عقدين- في غضون عام.

لماذا هزمنا؟

أحاول الإجابة عن هذا السؤال منذ 12 عامًا، بدءًا من عام 2009 منذ كنت موظفا مدنياً في منطقة جارمسير البعيدة في مقاطعة هلمند، وواصلت التفكير في السؤال في عامي 2013 و2014، عندما عملت كمستشار سياسي للجنرال جوزيف دانفوردع، القائد العام للقوات الأمريكية في أفغانستان، ولاحقًا بصفتي كبير مستشاري دانفورد عندما كان رئيسًا لهيئة الأركان المشتركة.

أثناء سفري للبلاد مع كبار القادة العسكريين الأمريكيين، رأيت الهزائم تنزل في معركة تلو الأخرى، على رأس الجيش والشرطة المتفوقين عدديًا والأفضل تجهيزًا من قبل "طالبان" وهي ضعيفة الموارد، قادتها غير استثنائية، ولكنها قيادة ديناميكية، ولذلك كان لا مناص من الاستنتاج أنه من المؤكد أن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على الحكومة الأفغانية الموالية ما لم تقرر الولايات المتحدة البقاء إلى الأبد.

لماذا خسرنا الحرب؟

لم أجد إجابة واحدة لهذا السؤال: لماذا خسرنا الحرب؟ فالتفسيرات المختلفة تتناول أجزاء مختلفة من اللغز، والجزء الذي أريد تسليط الضوء عليه هنا ربما يمكن رؤيته بشكل أكثر وضوحًا في المحادثات التي أجريتها مع "طالبان" أنفسهم، غالبًا في موطنهم، الباشتو، "طالبان" تقاتل "الكفار" بدافع الإيمان، من أجل الجنة، وقد قال لي أحد علماء الدين من "طالبان" في قندهار، في عام 2019: "الجيش والشرطة يقاتلون من أجل المال، ولكن رجال "طالبان" على استعداد لفقدان رؤوسهم في هذا القتال، كيف ينافس هؤلاء جيش وشرطة حكومة أفغانستان الموالية؟".

تتميز "طالبان" بقدرتها الفذة في إلهام الأفغان ودفعهم للقتال، ودعوتهم لمحاربة المحتلين الأجانب، متجذرة بشكل واضح في التعاليم الإسلامية، ولها صدى في الهوية الأفغانية، فالجهاد بالنسبة للأفغان، الذي يُفهم على أنه "مقاومة" أو "صراع" أكثر دقة من المعنى الكاريكاتيري الذي نفهمه في الولايات المتحدة كوسيلة للدفاع ضد الاضطهاد القادم مع الغرباء، وكجزء من قدرتهم على التحمل ضد الغزاة على مدار التاريخ، وعلى الرغم من أن الإسلام يدعو إلى الوحدة والعدالة والسلام، فإن "طالبان" كانت قادرة على ربط نفسها بالدين والهوية الأفغانية بشكل وبطريقة لا يمكن لحكومة متحالفة مع المحتلين الأجانب غير المسلمين أن تناهضها أو تضاهيها.

مجرد وجود الأمريكيين في أفغانستان عزز الشعور بالهوية الأفغانية التي تتضمن الكبرياء القومي، وتاريخًا طويلًا من محاربة الغرباء والالتزام الديني بالدفاع عن الوطن، وحث الرجال والنساء على الدفاع عن شرفهم ودينهم ووطنهم، وقد أضعفت جرأة الشباب على القتال إرادة جنود وشرطة الحكومة الأفغانية الموالية، وكانت قدرة "طالبان" على ربط قضيتهم بالمعنى الحقيقي لكونهم أفغانًا عاملاً حاسمًا في هزيمة أمريكا.

لم يقدّر القادة والخبراء الأمريكيون، وأنا واحد منهم، هذا التفسير، كنا نعتقد أن هذه الأمور ممكنة في أفغانستان؛ هزيمة "طالبان" أو تمكين الحكومة الأفغانية من الوقوف بمفردها، وهذا لا يعني بالضرورة أنه كان علينا التخلي عن أفغانستان منذ فترة طويلة، بالنظر إلى ما كنا نعرفه في ذلك الوقت، وهذا يعني أنه كان من الممكن إدارة الإستراتيجية بشكل أفضل لتجنب إنفاق الموارد على الأهداف التي كان من غير المحتمل تحقيقها، كان من الممكن إنفاق أموال أقل وكان من الممكن أن تُزهق أرواح أقل، لكن لم يكن بوسع أمريكا أن تفعل أكثر من مجرد التشويش على مدى سنوات في مواجهة عدو يتمتع بشراسة منقطعة النظير، وهو هو الشيء غير المرضي، والمحبط لأطول الحروب التي خاضتها أمريكا.

في عام 2009، ذهبت إلى مقاطعة ګرمسير‎ للعمل في فريق دعم المنطقة، والعمل جنبًا إلى جنب مع كتيبة مشاة البحرية، وعندها زار الرئيس باراك أوباما أفغانستان، كنا نحاول إخراج "طالبان" من معظم مقاطعة هلمند، كنت متفائلاً، لكنني كنت مهتماً أيضًا بفهم سبب عودة العنف بعد الهدوء الأول الذي أعقب الغزو الأمريكي عام 2001، استندت غريزتي إلى دراسات سابقة لأفغانستان، من بينها كتاب سارة تشايس الكلاسيكي بعنوان "عقوبة الفضيلة"، وكان يشير إلى أن الدافع الرئيس للعنف هو المظالم، السكان المحليون مدفوعون للقتال بسبب سوء المعاملة على أيدي الحكومة أو أمراء الحرب المتحالفين معها، وقد وجدت أدلة كثيرة على المظالم، مصادرة الأراضي، ورجال الشرطة القمعيون، واستغلال الحكومة لتجارة الخشخاش.

كانت باكستان أيضًا عاملاً مهمًا للغاية بالنسبة لمقاطعة كرمسير، كانت للبلاد بالفعل سمعة سيئة في دوائر الحكومة الأمريكية لعدم رغبتها في التعاون ضد "طالبان"، وبالفعل جاء مئات المقاتلين من باكستان لمهاجمة المقاطعة، وكان هناك سبب آخر للعنف هو الاقتتال الداخلي داخل الحكومة، وقواتها العسكرية، وحلفائها من القبائل وأمراء الحرب، الذين فشلوا في التوحد ضد تهديد "طالبان" لهم جميعاً.

بعد أن غادرت مقاطعة كرمسير، أتيحت لي الفرصة لرؤية أفغانستان من منظور أوسع كمستشار لدنفورد، وشعرت أن شيئًا ما كان يحدث، المظالم وباكستان والاقتتال الداخلي، كل هذا لا يمكن أن يفسر الهزائم الكثيرة في ساحة المعركة، عندما تقف الحكومة الأفغانية بمفردها حتى نتمكن من المغادرة يستسلم جنودها وتستسلم شرطتها في أول معركة، الجندي والشرطي التابع للحكومة الموالية لا يريدان القتال مثلما يفعل مقاتلو "طالبان"، ونتيجة لذلك، كانت الحكومة تخسر قوتها في كل مرة نتركها وحدها، في البداية، كانت الخسائر قليلة، لكننا عرفنا أن الوضع لو استمر هكذا، فلن تتمكن الحكومة من السيطرة على المدن الرئيسة وستسقط، هذا النذر الضئيل من الخسائر سيصبح في النهاية الفيضان الذي نشهده اليوم.

يشكل الفساد جزءًا من المشكلة، كما هو معروف، وهذا يقلل من فعالية الجنود والشرطة لأن المسؤولين الحكوميين أو القادة العسكريين يضعون رواتبهم في جيوبهم، ويخزنون ذخيرتهم، ويقللون من قوائمهم بجنود وهميين، ومع ذلك، حتى بعد المحاسبة عن الفساد، كانت الشرطة والجيش لا يزالان متفوقين عدديًا وأفضل تجهيزًا من "طالبان".

كان التفسير الأقوى هو أن الشرطة والجنود لا يرغبون في تعريض حياتهم للخطر من أجل حكومة فاسدة يمكن أن تهملهم هم أنفسهم، ومع ذلك، كنت أعرف عددًا من القادة الأفغان بذلوا جهدًا كبيرًا لرعاية رجالهم، هل يمكننا إلقاء اللوم على قادة الحكومة المهملين الفاسدين الذين يقاتلهم مقاتلو "طالبان" برواتب أقل، وبأسلحة ثقيلة أقل، ورعاية طبية أسوأ بكثير، وقادة اختبؤوا لسنوات في باكستان بينما كان جنودهم يقاتلون؟ وحتى القوات الخاصة الأفغانية -التي لديها قادة أفضل بكثير من "طالبان" ويتم دعمهم بشكل رائع- لا تزال تواجه صعوبة كبيرة في القتال بدون الدعم الجوي والمستشارين الأمريكيين.

يزعجني السؤال منذ غادرت أفغانستان في أغسطس 2014، كل هذه العوامل كانت مهمة بشكل واضح، لكن مجموعها كان أقل من المشقة التي كانت تحدث أمام عيني.

بعد بضعة أشهر من عودتي إلى الوطن، حضرت مناقشة في وزارة الخارجية مع مايكل ماكينلي، سفير الولايات المتحدة في أفغانستان، كنا نجري نقاشًا حيويًا حول سبب قتال "طالبان" الشرس لنا عندما تدخل السفير، وقال: "ربما قرأت الكثير من هانا أرندت"، مشيرًا إلى فيلسوف القرن العشرين الذي جادل بأن الفعل البشري كان مدفوعًا بالمخاوف والتجارب السابقة، "لكنني لا أعتقد أن هذا يتعلق بالمال أو الوظائف، "طالبان" تقاتل من أجل شيء أكبر"، التقط ماكينلي ما كنت أشعر به ولكنه لم يفصح عنه، وما سيكرره عالم "طالبان" لي بعد 5 سنوات.

رؤية "طالبان" مثلت شيئًا ملهمًا للأفغان، شيئًا جعلهم أقوياء في المعركة، شيئًا مرتبطًا بما يعنيه أن تكون أفغانيًا، فهم يرون أنفسهم ممثلين للإسلام يجاهدون الاحتلال الأجنبي، شكلت هاتان الفكرتان معًا مزيجًا قويًا للأفغان العاديين، الذين يميلون إلى أن يكونوا مسلمين متدينين لكن ليسوا متطرفين، لكن توافق الحكومة مع المحتلين الأجانب، فرق الناس من حولهم ولم أي إلهام مماثل للناس، ولذلك لم تستطع الحكومة دفع أنصارها، حتى لو تفوقوا في عددهم على "طالبان"، للذهاب إلى نفس المدى، ونظرًا لارتباطها بالأمريكيين، كان ادعاء الحكومة بالإسلام مشكوكاً فيه، حتى عندما كانت "طالبان" قادرة على استمالة الأفغان لخدمة لرؤيتها المتطرفة، وهكذا تمكنت "طالبان" من استخدام الاحتلال الأمريكي لتمييز أنفسهم عن الحكومة كممثلين حقيقيين للإسلام، كان الكثير من الأفغان على استعداد للخدمة مع الحكومة، لكن المزيد من الأفغان كانوا على استعداد للقتل والقتال من أجل "طالبان"، وهذا هو ما أحدث الفرق في ساحات المعارك.

هذا التفسير ليس قوياً فقط، ولكنه خطير وصادم أيضًا، يمكن تحريفه للادعاء بأن جميع المسلمين عازمون على الحرب لأنهم متعصبون، وهذا تفسير خاطئ: الإسلام مصدر للوحدة والإلهام، وليس مصدراً للإرهاب أو الفظاعة، والقول بأن الناس يتعاطفون مع أبناء وطنهم وإخوانهم في الدين أكثر من الأجانب لا يصح أن يكون أساساً لوصف الإسلام بالشر، والخطأ هو أن تخاطر بحياة البلد عندما تقاتل جنبًا إلى جنب مع المحتلين، خاصة عندما لا يشاركونك دينك وعقيدتك.

وصلت لهذا التفسير من خلال مجموعة متنوعة من المحادثات والمراسلات التي أجريتها على مر السنين مع الأفغان والقادة العسكريين وزعماء القبائل و"طالبان" أنفسهم، وقد قال لي قائد شرطة قندهار سيئ السمعة، الراحل عبدالرازق، الذي اشتهر برعايته لضباطه وشيء من السلطوية في محاربة "طالبان": "معنويات "طالبان" أفضل من معنويات الحكومة، معنويات "طالبان" عالية جداً، انظر إلى مفجريهم الانتحاريين، "طالبان" تحفز الناس على القيام بأشياء لا تصدق ".

"طالبان" ملتزمة بقضية الجهاد وهذا هو أكبر انتصار لهم

أسمع كل يوم حادثة قتل فيها أفراد من الشرطة أو الجيش، ولا أعرف ما إذا كانوا ملتزمين بمحاربة "طالبان" أم لا، الكثير من رجال الشرطة والجنود هناك يعملون مقابل دولارات فقط، يتقاضون رواتب جيدة لكن ليس لديهم حافز للدفاع عن الحكومة، ولكن "طالبان" ملتزمة بقضية الجهاد وهذا هو أكبر انتصار لهم.

والأمر الأكثر إقناعًا، أن استطلاعات رأي متعددة أجراها جرايم سميث، وآشلي جاكسون، وتيو فاريل، وأنطونيو جوستوزي، وآخرون، أكدت أن رجال "طالبان" يقاتلون لأنهم يعتقدون أن هذا ما تفرضه عقيدتهم الإسلامية وهم مقتنعون بأن هذا ما سيمكنهم من الفوز، وقد اكتشف استطلاع آشلي جاكسون لـ 50 من أعضاء حركة "طالبان"، نُشر في عام 2019، أنهم وصفوا قرارهم بالانضمام إلى الحركة "بأنه فرض ديني وجهاد مفروض على كل مسلم للدفاع عن قيمهم وبلدهم"، وخلصت آشلي جاكسون إلى أن الجهاد مرتبط بالهوية.

يمتد هذا التفكير إلى الأفغان العاديين أيضًا، وبرغم أن منهم من لا يؤيد رؤية "طالبان" السياسية المتطرفة، لكنهم متعاطفون مع احتجاجهم بالمبادئ الإسلامية ضد المحتلين الأجانب، فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة آسيا لعام 2012، وهو الاستطلاع الأكثر احترامًا للشعب الأفغاني، أنه من بين هؤلاء الأفغان الذين تعاطفوا بشدة مع "طالبان"، قال 77%: إنهم فعلوا ذلك لأن "طالبان" أفغان مسلمون يمارسون الجهاد.

بمرور الوقت، وإدراكًا لموقف الحكومة الهش، لجأ قادتها إلى خلق تهديد خارجي لتحفيز السكان: باكستان، واستخدم حامد كرزاي، وأشرف غني لاحقًا باكستان كتهديد خارجي لتوحيد الأفغان خلفهم، ولذلك رفضوا وصف "طالبان" بأي شيء سوى أنها صنيعة لإسلام آباد، وادعى عبدالرازق بلا هوادة أنه يحارب غزوًا باكستانيًا أجنبيًا، باكستان التي يستحيل أن تكون مصدراً للإلهام لكل هؤلاء المقاومين، وهذه حكاية شعبية مرتبطة بي وقعت في عام 2018 لمسؤول حكومي أفغاني تلقي الضوء على الواقع:

حدث أن ضابطاً في الجيش الأفغاني وقائداً في "طالبان" كان يهينان بعضهما بعضاً عبر أجهزة الراديو الخاصة بهما أثناء إطلاق النار ذهابًا وإيابًا، قال قائد "طالبان" ساخراً: "أنتم دمى لأمريكا!"، صاح ضابط الجيش: "أنتم دمى باكستان!"، رد قائد "طالبان": الأمريكيون كفار، الباكستانيون مسلمون"، فلم يجد الضابط الأفغاني رداً.

لقد تجاهلت أدبيات كثيرة حتى الآن تناول هذا التفسير، في بلد حاول الناس فيه بشغف تحويلي إلى الإسلام، الذي يصبغ الحياة اليومية، البلد الذي لا يتحمل أي إهانات للإسلام، وقد أدت إهانات للدين إلى كثير من أعمال شغب، فأكبر انتفاضة شعبية شهدتها بنفسي في أفغانستان لم تكن بسبب سوء معاملة الحكومة للشعب أو الغدر الباكستاني بل خرج مئات القرويين الغاضبين إلى الشوارع والأسواق المتربة في جارمسير، احتجاجًا على شائعة مفادها أن أمريكيًا أتلف مصحفًا.

سيكون من الخطأ القول: إن القادة الأمريكيين على الأرض كانوا غافلين عن المشكلات المعنوية للجيش والشرطة الأفغانيين، فقد أدرك بعض القادة مثل اللفتنانت جنرال كارل إيكنبيري أن الجيش الأفغاني في حاجة ماسة إلى الشعور بالقومية التي لا يمكن أن يتشربها من القوات الأجنبية، لكن هذا الاحتلال الأمريكي يتعارض مع الهوية الأفغانية، ونادرًا ما يتم التفكير في الاعتراف بهذه الميزة الكبيرة لـ"طالبان"، فمعظم الجنرالات والمسؤولين يحاولون، بدلاً من ذلك، سد هذا النقص بحلول أخرى مثل التدريب وتحسين القيادة ومعالجة المظالم ومكافحة الفساد.

وللإنصاف، من الممكن أن تكون التحسينات الكبيرة في هذه المجالات قد أحدثت فرقًا، فنظريًا، إذا تمت معالجة المظالم، أو إذا تمت مقاومة الفساد، أو إذا اهتمت القيادة الحكومية أكثر بقواتها، فربما تستطيع معالجة بعض المشكلات المعنوية الناتجة عن القتال جنبًا إلى جنب مع المحتل الخارجي، ومع ذلك، فمن الناحية العملية، لم يكن من السهل التغلب على أي من هذه المشكلات، وكان من الصعب التغلب على قدرة "طالبان" على محاربة القوات الحكومية وصمودها والتفوق عليها، وهي المشكلة الأكثر استعصاءً على الإطلاق.

هل سيتغير الوضع مع مغادرة الولايات المتحدة؟ هل ستضعف مصداقية حرب "طالبان" ضد الحكومة عندما نرحل، مما يمكن أن يسمح لحكومة أشرف غني بوقف تقدمهم؟ أشك، فـ20 عاماً من الدعم الأجنبي تجلل الحكومة في كابول بالعار، ومن السهل جدًا على "طالبان" تصويرها على أنها دمية، ففي صيف عام 2014، كنت أتناول العشاء، جالساً القرفصاء في حديقة، مع اثنين من الأصدقاء القدامى -أحدهما زعيم قبلي والآخر مسؤول أمني- في لشكر جاه، وهي بلدة محاطة اليوم بقوات "طالبان"، وكنا نتحدث عن المغادرة الوشيكة للقوات الأمريكية، حسب خطة كانت مطروحة آنذاك، وقد ذكرت مخاطر ظهور الأفغان بشكل متكرر إلى جانب الأمريكيين، فشمروا عن سواعدهم وأشاروا إلى أذرعهم وقالوا: "نحن ملطخون في كل مكان، ولا يمكننا القيام بشيء".

الآن، مع اجتياح "طالبان" للمناطق الشمالية، من المرجح أن يضغطوا بهجومهم، الذي زاد جرأة مع رحيل الولايات المتحدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وسيعاني الجنود وستعاني الشرطة الأفغانية من نفس المشكلات المعنوية التي ابتليت بها على مدى عقدين من الزمن، ومن المرجح أن تسقط عواصم المقاطعات وقندهار ومزار الشريف، ربما في غضون عام، وبعد ذلك ستكون كابول نفسها في خطر، قد تصمد العاصمة، على الأقل لفترة من الوقت، لكن الحكومة وحلفاءها سيكافحون من أجل البقاء، مع فرصة ضئيلة لاستعادة ما فقد.

إن تفسير كيفية تشابك الدين ومقاومة الاحتلال والهوية الأفغانية مع مصلحة "طالبان" وسلب الحكومة يساعدنا في فهم حرب أمريكا التي استمرت 20 عامًا، وليس هذا هو التفسير الوحيد لنتائج الحرب الأفغانية، لكنها ضرورية، فتأثيرها مدوٍّ: وأي حكومة أفغانية، مهما كانت جيدة ومهما كانت ديمقراطية، يمكن أن تتعرض للخطر طالما كانت متحالفة مع الولايات المتحدة، فلحركة "طالبان" مصدر للإلهام من أجل لقتال بقوة أكبر وبذل جهود أكبر من جيش وشرطة الحكومة الموالية لنا، وفي المقابل، كان على الولايات المتحدة أن تبقى لفترات أطول وأطول، في حرب أهلية دائمة، وطالما قررت أمريكا مغادرة أفغانستان، فعليها مواجهة احتمالية فشل الحكومة الأفغانية الموالية، وهذا مستقبل مذل.

ماذا كان يجب على الولايات المتحدة أن تفعل؟

 من وجهة نظر اليوم، من المغري القول: إنه كان يجب علينا المغادرة منذ سنوات، ولا أعتقد أن الإجابة تفسر المعضلات التي تواجه الولايات المتحدة، أو، تفسر، قابلية الإنسان للخطأ، إن الفكرة القائلة بأنه كان يجب علينا ببساطة دراسة المخاطر تفترض أنه كان بإمكاننا إدراك استحالة الفوز في أفغانستان في وقت أقرب بكثير مما فعلناه، وعلاوة على ذلك، فإنه يرفض بشكل غير واقعي التهديد الإرهابي الذي استمر حتى هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في عامي 2016 و2017 والمخاطر السياسية المحلية لتجاهل هذا التهديد.

قد يكون الرأي الأكثر واقعية هو أن الحرب الأفغانية كان من المرجح دائمًا أن تنجرف نحو شيء يمكن أن نعاني منه على المدى الطويل، وهو فصل غير سعيد من التاريخ الأمريكي مع فرص قليلة لتغيير المسار، لم تستطع أمريكا الفوز بسهولة ولم تستطع الخروج بسهولة، قد تكون حقيقة بقائنا في أفغانستان لفترة طويلة مأساوية، لكنها ليست مفاجئة.

ما كان بإمكاننا القيام به هو إدارة إستراتيجيتنا بشكل أفضل، فلفترة طويلة، وضعنا توقعات عالية جدًا نظرًا لصعوبات فهم أفغانستان والعقبات التي نواجهها، والأسوأ من ذلك، أننا أنفقنا الموارد، ولا سيما في الفترة 2009-2011، في محاولة لتحقيق أهداف ضخمة في غضون بضع سنوات، وكان من الممكن أن تكون الإستراتيجية المقتدرة والمتواضعة التي يمكنها أن تستمر على مدى عقود أفضل من الاستثمار الضخم الذي يسعى إلى تغيير شامل في فترة زمنية قصيرة.

كان من الممكن أن تتعثر مثل هذه الإستراتيجية، وتنشر أقل عدد ممكن من القوات، لو أدركنا أن محاولة فرض تغيير حاسم ستكون مضيعة للموارد، وقد توصل أوباما بشكل أساسي إلى هذه الإستراتيجية بحلول نهاية عام 2015، بعد أن أجبر على خفض مستويات القوات الأمريكية من حوالي 100 ألف في عام 2011 إلى حوالي 10 آلاف، أعتقد أنه كان بإمكاننا الوصول إلى هناك في وقت أبكر بكثير، قد تكون النتيجة النهائية هي نفسها: التهديد الإرهابي كان سينحسر، وكان الرئيس جو بايدن سيسحب القوات اليوم، وستكون الحكومة الأفغانية على وشك الانهيار، لكن في غضون ذلك، كنا سننفق أموالًا أقل ونفقد أرواحًا أقل، وكان من الممكن أن تكون هذه نتيجة أفضل، رغم أنها بعيدة كل البعد عن الانتصار الباهر.

 

 

 

___________________________________________________

مقتبس من "الحرب الأمريكية في أفغانستان" بواسطة كارتر ملكاسيان.

آخر تعديل على السبت, 24 يوليو 2021 11:01

مجتمع ميديا

  • الهند.. المأساة تتجدد في ولاية آسام .. وسط صمت دولي مخز

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 8399 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9135 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2156

ملف تفاعلى للعدد 2156

الأحد، 13 يونيو 2021 18280 ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153