مجلة المجتمع - فهم انتصار "طالبان" العسكري

فهم انتصار "طالبان" العسكري

ترجمة: جمال خطاب الأحد، 05 سبتمبر 2021 11:04

 

بن باري (*)

 

انتصار "طالبان" العسكري السريع وغير المتوقع على القوات الحكومية الأفغانية إنجاز عسكري وسياسي كبير نتج عن مزيج قوي من خطة عسكرية مطورة جيدًا، وكفاءة تكتيكية، ورسائل بسيطة، تم تسليمها بطريقة متطورة.

في الأيام القليلة التي مرت منذ استيلاء "طالبان" على كابل، منتصف الشهر الماضي، ظهرت تحليلات كثيرة تركز على حقيقة أن القوات الحكومية أضعفت إلى حد كبير بسبب الفساد، و"الجنود الأشباح"، والانقسام السياسي، والافتقار إلى الصمود من جانب حكومة كابل المنهارة، فضلاً عن غياب المستشارين الأمريكيين على الأرض ومحدودية الضربات الجوية الأمريكية.

كل هذه كانت عوامل مهمة، وعلى نفس القدر من الأهمية، كان التنافس بين خطط كلا الجانبين، والطريقة التي نفذت بها "طالبان" "معركة الرواية" المتطورة بالاقتران مع مناوراتها على الأرض.

خطة "طالبان" كانت أفضل

قبل ربيع عام 2021، حثت الولايات المتحدة الرئيس أشرف غني على سحب القوات والشرطة الأفغانية من العديد من نقاط التفتيش المعزولة المنتشرة في المناطق الريفية المحيطة بعواصم الأقاليم، كما أوصوا بأن تركز القوات الأفغانية على الدفاع عن البلدات والمدن الرئيسة وكابل، بهذه الطريقة كانوا يأملون أن تتمكن الحكومة من إيصال "طالبان" إلى طريق مسدود، ولكن لا يبدو أن الرئيس الأفغاني استجاب لهذه النصيحة، والواضح أن الجيش الأمريكي والبريطاني كانا يأملان في ذلك، وقد تكون واشنطن ولندن وكابل قد اعتقدت أيضًا أن "طالبان" لن تبدأ هجومها قبل الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية في 8 سبتمبر.

فمنذ عام 2015، تقوم "طالبان" بعزل عواصم المقاطعات من خلال زيادة سيطرتها على المناطق الريفية المحيطة، وهناك أدلة على أن قواتها كانت منتشرة مسبقًا في جميع أنحاء البلاد جاهزة لبدء العمليات الهجومية في الربيع، وقد كان لتحركهم الافتتاحي للاستيلاء على نقاط العبور الحدودية في غرب أفغانستان تأثيره على حرمان الحكومة الأفغانية من الإيرادات من فرض ضرائب على التجارة الواردة، ولو استمرت الحرب لفترة أطول، لكان هذا وحده كفيلاً بإضعاف الحكومة بالفعل في خضم أزمة مالية.

بدأت "طالبان" عملياتها في شرق أفغانستان، وأعقب ذلك بسرعة شن هجمات في شمال البلاد، ونجحت هذه الهجمات معًا في استباق أي جهود قد يبذلها أمراء الحرب المهمون في تحالف الشمال السابق لتعبئة مليشياتهم السابقة، وأدى سقوط قندهار، ثاني أكبر مدينة في أفغانستان، إلى إضعاف موقف الحكومة بشكل حاسم، وكانت "طالبان" قد خططت لهجومها على المستويات التكتيكية والعملياتية والإستراتيجية.

"دعاية الفعل" و"معركة السرد"

منذ عام 2002، كانت الحرب الأفغانية ضد "طالبان" تشهد صراعاً طويلاً وعنيفاً لعقول السكان والثوار والمليشيات وقادتهم، وعادة ما يكون للعمليات العسكرية بُعد سياسي على المستويات المحلية والوطنية والدولية، زيادة وسهولة الاتصالات التي شهدها القرن الحادي والعشرون، ولا سيما الفرص الجديدة التي توفرها القنوات الفضائية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، من تداخل وترابط الحرب والسياسة، وفرت لـ"طالبان" "دعاية الفعل" التي تعد جزءًا لا يتجزأ من عملياتها، وأصبحت "معركة السرد" ذات أهمية متزايدة، وغالبًا ما تكون بنفس أهمية النزاع المسلح نفسه وأحيانًا أكثر أهمية.

كانت لدى "طالبان" رسالة بسيطة: إنها، وليس "النظام الدمية" في كابل، هي الحكومة الشرعية لأفغانستان، وأنها تشن حرباً عادلة لطرد الكفار الأجانب من الأراضي الأفغانية لاستعادة الإمارة الإسلامية، كان لهذا تأثير كبير داخل أفغانستان وخارجها على حد سواء، حيث شجع ذلك مؤيديها وجامعي التبرعات والمجندين المحتملين.

عرض "طالبان" للشعب الأفغاني في المناطق التي سيطرت عليها لقواتها يتألف من قوتين؛ توفير الأمن وتسهيل تسوية المنازعات في محاكمها الشرعية، ولم تتعهد بتحسين الزراعة أو الصحة أو التعليم أو البنية التحتية بالطريقة التي فعلت بها جهود تحقيق الاستقرار الدولية، وعلى النقيض من ذلك، حاولت قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والعديد من وكالات التنمية الوطنية التابعة لها، مساعدة الحكومة الأفغانية على القيام بأشياء كثيرة، لم تكن تفعل أي منها بشكل جيد في العادة، بينما نفذت "طالبان" عادة هدفيها البسيطين بشكل جيد، كانت "طالبان" قادرة على التوفيق بين أقوالها وأفعالها بشكل أكثر فاعلية لا تتوفر للحكومة الأفغانية أو القوات الدولية.

وبحلول عام 2021، أضافت "طالبان" مزيجًا قويًا من الدعاية ووسائل التواصل الاجتماعي والتفاوض إلى قدراتها العسكرية، وبعد نجاحهم الأولي في مهاجمة القوات الحكومية الأفغانية في البؤر الاستيطانية الريفية المعزولة، كان ثوار "طالبان" يتفاوضون مع أعدائهم، إما بشكل مباشر أو من خلال محاورين مثل شيوخ القبائل أو السياسيين المحليين، ونجح الثوار في بعض الأحيان؛ وفي مناسبات أخرى، عرضوا عدم الهجوم إذا ألقت القوات الحكومية أسلحتها وتخلت عن مواقعها.

مع اكتساب "حملة انتصار" "طالبان" زخمًا، تم استغلالها وتعزيزها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو المجال الذي أصبحت فيه أكثر فاعلية في السنوات الأخيرة، وظهرت مقاطع فيديو كثيرة لمقاتلي "طالبان" وهم يهاجمون مواقع قتالية حكومية مهجورة؛ ثم جاءت بعد ذلك صور لقوات "طالبان" وهي تسيطر على مناطق حضرية ومبانٍ حكومية خالية، وأخيراً ظهرت لقطات متصاعدة للمتاجر والمدارس التي أعيد فتحها، كانت هذه عملية إعلامية تمت إدارتها بشكل جيد، سعت من خلاله "طالبان" إلى تقديم نفسها على أنها قوية وفعالة عسكرياً، وفي الوقت نفسه، رحيمة بأولئك الذين استسلموا، وفعالة في فرض الاستقرار بعد استمرار القتال.

وكانت هناك حالة واحدة على الأقل نشرت فيها حركة "طالبان" معلومات خاطئة، مع مشاركة شائعة تفيد بوجود اتفاق سري بين "طالبان" وواشنطن سمح لـ"طالبان" باحتلال أجزاء من أفغانستان، وقد ساعد هذا على إضعاف معنويات القوات الحكومية، وكانت استجابة حكومة غني أقل فاعلية بكثير، ليس أقلها الفشل في إظهار الشعور بالإلحاح، وساهمت هزيمة الحكومة في "معركة السرد" بشكل كبير في السقوط السريع للبلدات والمدن الأفغانية الرئيسة.

وخلال الحملة، سعت "طالبان" إلى استخدام وسائل الإعلام الأفغانية والدولية لنشر رسائلها، وتمكن الصحفيون الأفغان والدوليون من الوصول وإرسال التقارير من المناطق التي استولت عليها "طالبان"، وعرض صور للأمن والحياة الطبيعية من هرات، على سبيل المثال.

ومنذ افتتاح مكتب "طالبان" في الدوحة في عام 2013، كانت هناك وحدة يمكن إثباتها في الرسائل السياسية، فأصبح المتحدثون باسم "طالبان" بارعين بشكل متزايد في التعامل مع وسائل الإعلام الدولية، وتجسد ذلك، في 16 أغسطس، في مقابلة غير مسبوقة مع متحدث باسم "طالبان" أجرتها صحفية على قناة "طلوع تي في"، وهي محطة تلفزيونية أفغانية مستقلة، وبرع في المؤتمر الصحفي الذي عقده في 17 أغسطس رئيس إعلام "طالبان" المختفي منذ فترة طويلة ذبيح الله مجاهد.

هل الأقوال ستتطابق الأفعال؟

لا شك أن الشعب الأفغاني، بما في ذلك العديد من النساء وحلفاء الحكومة السابقين، سيراقب ليرى ما إذا كانت رسائل "طالبان" التي تبدو مطمئنة، وهي نفسها جزء من حملة إعلامية معقدة، ستتطابق مع أفعالها، وستراقب واشنطن وحلفاؤها عن كثب لمعرفة ما إذا كانت "طالبان" ستفي بوعدها بإبعاد الإرهابيين الدوليين عن البلاد.

 

 

 

 

 

 

 

_______________________________

 (*) محلل عسكري بريطاني.

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS).

آخر تعديل على الأحد, 05 سبتمبر 2021 11:19

مجتمع ميديا

  • تعرف على مترجمة تفسير معاني القرآن الكريم للروسية

ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2158

ملف تفاعلي - للعدد 2158

الأربعاء، 18 أغسطس 2021 8288 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلي - للعدد 2157

ملف تفاعلي - للعدد 2157

الإثنين، 12 يوليو 2021 9048 ملفات تفاعلية

ملف تفاعلى للعدد 2156

ملف تفاعلى للعدد 2156

الأحد، 13 يونيو 2021 18122 ملفات تفاعلية

إقرأ المجتمع PDF

azs 2153