لماذا لم يقصف «ترمب» إيران؟

17:57 17 أغسطس 2019 الكاتب :   بقلم - لورنس ج. كورب (*):

على «ترمب» إعادة النظر في إستراتيجيته تجاه طهران مستفيداً من تعامل «ريجان» و»أوباما» في مواجهات مماثلة 

«ترمب» قد يعمل مع «بوتين» لإعادة إيران للمفاوضات والتموضع الإستراتيجي بالمنطقة لتجنب الحرب 

إدارة «ريجان» كانت تدعم صدام حسين في حربه ضد إيران رغم علمها باستخدامه أسلحة كيميائية

 


ترجمة: جمال خطاب

بعد أن قرر الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» عدم قصف إيران رداً على إسقاط طائرة بدون طيار تابعة للبحرية الأمريكية اقتربت جداً من المجال الجوي الإيراني، اتهمه العديد من منتقديه المحافظين بالتصرف بشكل أقرب للرئيس «باراك أوباما» من الرئيس «رونالد ريجان» في مواقف مماثلة قبل ذلك.
وفقاً لبعض النقاد -مثل السيناتور الجمهوري «توم كوتون»، والنائب الجمهوري «ليز تشيني»، والنائب «آدم كينزينجر» (جمهوري من إلينوي)- يعد قرار الرئيس «دونالد ترمب» بإلغاء الضربات الجوية التي تمت الموافقة عليها، تكراراً لرفض «أوباما» قصف سورية بعد أن حذر الرئيسَ السوري «بشار الأسد» من تجاوز الخط الأحمر باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الثوار الذين كانوا يحاولون حمله على ترك منصبه.
ويلاحظ هؤلاء النقاد أنفسهم أن «ريجان» هاجم إيران في 18 أبريل 1988م، بعد يومين من انفجار لغم زرعه الإيرانيون أدى لإصابة 10 بحارة وتدمير المدمرة الأمريكية «يو إس إس روبرتس»، وهي واحدة من السفن التي كانت ترافق ناقلات النفط الكويتية التي تمر عبر مضيق هرمز.
يعطي استدعاء الحدثين التاريخيين انطباعاً مضللاً عن كيفية تعامل «أوباما»، و«ريجان» مع تلك القضايا.
والواقع يوجب على «ترمب» أن يتعلم بعض الدروس للتعامل مع الأزمة الحالية مع إيران، وهي -إلى حد كبير- من صنعه هو، وذلك بفهم كيفية استجابة سلفَيْه («ريجان»، و«أوباما») لحالات مماثلة.

نزع الأسلحة السورية
قبل مهاجمة سورية عام 2013م بعد استخدام «الأسد: للأسلحة الكيميائية، طلب «أوباما» من الكونجرس إصدار قرار يأذن له بالقيام بعمل عسكري؛ لأن أي هجوم قد يقود أمريكا إلى مستنقع آخر في الشرق الأوسط، وعندما رفض الكونجرس النظر في مثل هذه الخطوة، عمل «أوباما» مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» من أجل حمل «الأسد» على الاعتراف بحيازة أسلحة كيميائية، ومن ثم التعهد بالتخلي عنها.
ورغم أن المبادرة الروسية الأمريكية -التي وافق عليها مجلس الأمن الدولي وتم تنفيذها دولياً- لم تُزِل جميع أسلحة «الأسد» الكيميائية، إلا أن هذا الجهد أدى إلى تخلي سورية عن الغالبية العظمى من مخزونها (نحو 1300 طن)، وذلك أكثر بكثير مما كان يمكن تدميره بواسطة غارة جوية واحدة (مثل تلك التي شنها «ترمب» ضد سورية بعد فترة وجيزة من توليه منصبه)؛ وهو ما دفع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» «بنيامين نتنياهو»، رغم أنه لم يكن من محبي «أوباما»، إلى القول: «إن هذا شعاع الضوء في منطقة مظلمة جداً».
لم يُلحق الهجوم الذي شنه «ريجان»، في 18 أبريل 1988م، ضرراً بالأراضي الإيرانية أو سكانها المدنيين، لكن بدلاً من ذلك أغرقت الولايات المتحدة 5 سفن إيرانية (3 زوارق سريعة، وفرقاطة واحدة، وزورق هجومي سريع)، وألحقت أضراراً بفرقاطة أخرى، ودمرت منصتي حفر.
كما أن الاستشهاد باستجابة «ريجان» في أبريل 1988م فقط يتجاهل ثلاث حوادث أخرى كان عليه التعامل معها في تلك المنطقة بالثمانينيات.
وبعد مرور ثلاثة أشهر تقريباً على هجوم أبريل، أسقطت سفينة حربية أمريكية بطريق الخطأ طائرة «إير 655»، وهي طائرة ركاب إيرانية، وقتلت 290 شخصاً كانوا على متنها، عندما أخطأت التعرف عليها، معتقدة أنها طائرة مقاتلة من طراز «F-14»، ووصف ريجان الحادث بأنه مأساة، وقال: إنه يأسف لخسارة الأرواح، لكنه دافع أيضاً عن قائد السفينة «يو إس إس فينسنس»، والإيرانيون -الذين أضعفتهم حربهم ضد العراق- لم يردوا عسكرياً، رغم أنهم ظلوا يفترضون أن الهجوم كان مقصوداً.
وقبل نحو عام من تدمير السفينة الأمريكية «روبرتس» بسبب لغم إيراني -أدى إلى إصابة عدد من البحارة لكنه لم يقتل أحداً- هاجمت طائرة عراقية السفينة الأمريكية «ستارك»؛ وهو ما أسفر عن مقتل 37 بحاراً وإصابة 21 آخرين، وقد اعتذر العراقيون عن الحادث؛ ولذا لم تتخذ إدارة «ريجان» أي إجراء ضد حكومة «صدام حسين» التي كانت (من عجائب القدر) تدعمها في حربها ضد إيران، رغم أنها كانت تستخدم أسلحة كيميائية!
والأهم من ذلك، أنه قبل 5 سنوات من تدمير السفينة «يو إس إس روبرتس»، وقع هجوم دام على السفارة الأمريكية في بيروت يوم 23 أكتوبر 1983م، بعد أن قاد مهاجم انتحاري شاحنة تحمل ألفي رطل من المتفجرات نحو السفارة، وقتل 220 من مشاة البحرية، و18 بحاراً، و3 جنود، وكان هذا أكبر عدد من جنود «المارينز» الذين قتلوا في يوم واحد منذ معركة «إيو جيما»، والهجوم الإرهابي الأكثر دموية على القوات المسلحة الأمريكية منذ اليوم الأول من هجوم «التت» في فيتنام عام 1968م.

«ريجان» والانتشار الإستراتيجي
أراد عدد من مستشاريّ «ريجان» الأكثر تشدداً منه أن ينتقم من إيران التي يعتقد البعض أنها تقف وراء الهجوم، ولكن بعد تلقي رد من وزير الدفاع «كاسبار وينبرجر» -الذي عارض نشر القوات في لبنان، إضافة إلى مخاوفه بشأن الإصابات في صفوف المدنيين- قام «ريجان» بإعادة الانتشار الإستراتيجي للقوات الأمريكية على السفن قبالة الساحل في فبراير 1984م.
وبالرغم من أن كثيرين سخروا من قرار «ترمب» بعدم مهاجمة أراضي إيران عسكرياً، وشن هجمات إلكترونية بدلاً من ذلك، فإنه من الواضح قد اتخذ القرار الصحيح، حتى لو تم تنفيذه بشكل عشوائي؛ فقد قدم بعض الأشخاص الذين انتقدوا «ترمب» صورة مشوهة لكيفية تعامل «أوباما»، و«ريجان» مع مواقف متشابهة، ولسوف يجتهد «ترمب» جيداً لمعرفة حقيقة ما حدث في تلك الحالات.
والواقع أن «ترمب» قد يفكر في العمل مع «بوتين» لبدء محادثات سرية لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، وإعادة الانتشار الإستراتيجي لمعظم القوات في المنطقة؛ لتجنب وقوع حادث مأساوي آخر.
________________________

(*) زميل في مركز التقدم الأمريكي، وشغل منصب مساعد وزير الدفاع من عام 1981 إلى 1985م.
المصدر: " The Interest ".

عدد المشاهدات 4350

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top