مقتل قاسم سليماني لحظة فارقة في منطقة الشرق الأوسط

14:39 06 يناير 2020 الكاتب :   ترجمة - جمال خطاب:

بقلم - مارتن شولوف:

 

كان الهجوم على الجنرال الإيراني أمرًا لا يمكن تصوره، رغم أن أنشطته الأخيرة جعلته محط نظر الولايات المتحدة.

فقد قام سليماني برحلات مماثلة عشرات المرات على متن طائرات لم تسجل اسمه أبداً، وهبط في مطارات لم يتم فيها تسجيل وصوله ولا مغادرته، كان يزرع المنطقة ذهاباً وإياباً خلال العشرين عاماً الماضية، دون أن يترك أثراً لتحركاته، فالرحلة التي قام بها من مطار دمشق في الساعات الأولى من يوم الجمعة الماضي كانت مماثلة لتلك الرحلات، لم تكن رحلة مختلفة.

رحلة الرحيل

عندما هبط الجنرال الإيراني البالغ من العمر 62 عامًا في بغداد مع حاشيته، كانت سيارتان تنتظرانه على مدرج المطار مع ثلة من المستقبلين الذين قدموا تحياتهم الدافئة القصيرة في هواء الشتاء، وقبل أن يتم نقل الرجل وحاشيته بعيداً في سيارتين، سيارة "تويوتا أفالون"، والأخرى ميني باص "هيونداي ستاركس"، تمت مراسيم استقباله وحاشيه لفترة وجيزة في قسم كبار الشخصيات في مطار بغداد في إشارة إلى وضعهم، ثم بدأت الرحلة إلى وسط العاصمة العراقية، التي يعرفها سليماني جيداً.

وخلال ذروة الحرب الطائفية في العراق، عندما عزز سليماني قبضته الاستثنائية على البلاد، كانت الرحلة من مطار بغداد محفوفة بالمخاطر، فقد كانت السيارات المفخخة والأسلحة الرشاشة تقتل الكثير باستمرار على جانبي الطريق، ولكن الأمر في هذه المرة كان مختلفاً، فقد كان العدو الذي يتربص لسليماني في الظلام الدامس طائرة استطلاع أمريكية من طراز "ريبر".

من هو قاسم سليماني؟

لم تكن القافلة قد خرجت من مجمع المطار عندما سقطت الصواريخ على أسطح المركبات التي تقلهم، مما أدى إلى مقتل كل من كان داخل السيارتين وإنهاء حكم أكثر الشخصيات نفوذاً في الشرق الأوسط -الرجل القوي الذائع الصيت لدي الإدارات الأمريكية المختلفة- في ضربة خاطفة. 

وقد قال مسؤولون عراقيون كبار: إن جثة سليماني قد مزقت إرباً في الهجوم، لكن يداً واحدة على الأقل لم تتضرر إلى حد كبير، مما سمح بالتعرف عليه من خلال عصابة كان يرتديها دائمًا، وتظهر الصور التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي الخاتم -وبه حجر أحمر بيضاوي كبير في محيط فضي- على يد مشوهة ومغطاة بالطين بسبب الانفجار.        

لقد شكل سليماني، أكثر من أي شخص آخر، أحداثاً مهمة في المنطقة بأسرها، وقد كان مؤيدوه المعجبون به يخشونه ويكرهونه بنفس القدر، وكان تعقبه أمرًا صعبًا حتى وقت قريب، وكذلك كان اغتياله غير متصور.

ولكن كل هذا تغير ذلك في النصف الثاني من العام الماضي، وبحلول ذلك الوقت، كان سليماني قد تخلص من صورته السرية التي كانت تميزه في سنواته الأولى، ولكنه ظل محاطًا بالغموض الشرير.

وبعد أن سمح بتصويره، كان سليماني يظهر في كل مكان، على الخطوط الأمامية في حلب، في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي قاعات السلطة في بغداد، حيث كان بارزاً بشكل خاص، هكذا حدث التحول في وضع سليماني من رجل المخابرات الغامض إلى شخصية عامة، وهذا عزز التكهنات بأنه كان يخطط لخوض انتخابات الرئاسة الإيرانية.

ولكن سليماني نفي ذلك، غير أنه بدا وكأنه يستمتع بهذا الاهتمام، لا بد أنه كان يعلم أن صورة الشخصية وجدول سفره المحموم أعطى أعداءه فرصًا لتعقبه، وبحلول الخريف الماضي، كانت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" تحصلان بثبات على تحركات وخطط عدوهما اللدود، من مزيج من المخبرين، وطائرات الاستطلاع والاعتراض، كان سليماني يقضي نفس الوقت تقريبًا في كل من دمشق وبغداد وبيروت.

ففي العاصمة السورية كان يحاول تأمين طريق بري لنقل الصواريخ المعدلة من إيران إلى لبنان والمخصصة للاستخدام ضد "إسرائيل".

وفي بغداد وبيروت، أراد سليماني إنهاء الحركات المدنية التي شلت كلا البلدين وهددت قبضة إيران على مجالسهما التشريعية، وقال شخص لبناني بارز له علاقة بـ"حزب الله": "لقد كان له دور فعال في الحملة على العراق بشكل خاص"، "عندما تحولت قوات الأمن من الاسترضاء إلى العنف الساحق، كان ذلك بناءً على تعليماته، ولكن كان الوضع أقل في لبنان، رغم أنه أصبح أكثر إزعاجًا في الشهر الماضي".

كان سليماني منشغلاً منذ فترة طويلة، في تشكيل مجرى الحرب السورية، وقاد القتال العراقي ضد "داعش" -بوكلاء له يتمتعون   بالحماية الجوية الأمريكية- وقدم دعمًا واسع النطاق لـ"حزب الله" في لبنان، وقد رأته السنوات القليلة الماضية أكثر نفوذاً ووضوحاً من أي وقت مضى.

رأت الولايات المتحدة قاسم سليماني مزيجًا من مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقائد العمليات الخاصة المشتركة والمبعوث الرئاسي الخاص للمنطقة مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ديفيد بترايوس، الذي كان أيضًا قائدًا أمريكيًا عامًا في العراق عام 2007، لقد كان لاعباً مهماً في المنطقة منذ أكثر من عقدين، وهو مهندس الجهد الإيراني لتعزيز السيطرة على ما يسمى الهلال الشيعي والقائد التشغيلي للعناصر المختلفة لهذا الجهد.

من المستحيل عدم المبالغة في أهمية هذا العمل، إنه، في رأيي، الشخص الثاني الأكثر أهمية في إيران، والإيراني الأهم على المستوى الإقليمي، ولا يوجد أي شك حول كمية الدماء الأمريكية والائتلافية والعراقية التي أريقت على يديه، من خلال أنشطة المليشيات التي دعمها "فيلق القدس" في العراق.

وقد لوحظ الدور المتزايد لسليماني في قمع حركات الاحتجاج، لكن أنشطته التقليدية هي التي هزت واشنطن وأبعدته عن القائمة التي لا يمكن المساس بها كانت أنشطة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، التي قادها منذ أكثر من 20 عامًا، وهي قمة الأجهزة الأمنية الإيرانية، المكلفة بالنهوض بأهداف الثورة الإسلامية، وقد أصبحت مؤخراً أكثر التزامًا من أي وقت مضى بتدعيم ممر بري يمر عبر العراق وسورية وداخل لبنان. 

وكان رده على قرار دونالد ترمب بإلغاء الصفقة النووية التي وقعها سلفه، باراك أوباما، والتي عرضت تخفيف العقوبات في مقابل أن تتخلي طهران عن طموحها لتخصيب اليورانيوم وأيضًا بسبب العداء المستمر يتمثل في أن يقوم فيلق القدس ووكلاؤه في العراق بأخذ المعركة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

ومنذ منتصف العام الماضي، شن الموالون لسليماني هجمات صاروخية على القواعد الأمريكية وعلى مركز إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية، واستخدموا ألغاماً ضد سفن الشحن في مضيق هرمز.

ومع انهيار الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية الجديدة، تكثفت الهجمات، وجاء الانتقام الأمريكي في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر وقد أعقب الهجوم الواضح الذي شنه الوكيل الإيراني "كتائب حزب الله" على قاعدة أمريكية، الذي أسفر عن مقتل مقاول أمريكي وكان عبارة عن ضربات أمريكية على قواعد المليشيات الشيعية.

وفي يوم رأس السنة، اقتحمت مجموعات شيعية السفارة الأمريكية في بغداد، وأثارت مشاهد من هتافات الحشود التي اجتاحت المجمع صوراً لطهران في عام 1979 وبنغازي في عام 2012، وقام مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في وقت لاحق من ذلك اليوم بتغريد صورة لأبي مهدي المهندس، وهو حليف رئيس لسليماني وشخصية قوية في أمن العراق وهو يقف خارج السفارة.

تقول الولايات المتحدة: إنها بحلول ذلك الوقت علمت بالتهديدات التي أمر بها سليماني شخصيًا التي يتعرض لها مواطنوها وتتعرض لها مصالحها، وقال بومبيو لشبكة "سي إن إن"، يوم الجمعة: "نعرف أن هذا وشيكاً"، "كان هذا تقييمًا قائمًا على المعلومات الاستخباراتية قادنا لصنع قرار العملية"، وادعى بومبيو أن الهجوم أطلق عليه "العمل الكبير"، وكان من شأنه أن يعرض حياة عشرات الأمريكيين للخطر، وهذا ينفي اعتقاداً سابقاً مفاده أن اغتيال سليماني كان مخططاً له منذ فترة طويلة.

أياً كان السبب، لقد تم اتخاذ قرار القتل دون موافقة واسعة من الأجهزة الأمنية الأمريكية التي كانت تطارد سليماني لأكثر من 15 عامًا، وقد أجرى ترمب هذه المكالمة أثناء قضاء إجازته في منتجعه بفلوريدا، حيث يعتمد غالبًا على الغريزة والاعتقاد، بدلاً من اعتماده على غرفة مليئة بالخبراء. 

وقال بترايوس: "السؤال الذي يلوح الآن، بالطبع، هو كيف سترد القوات الإيرانية ووكلاؤها في جميع أنحاء المنطقة وما وراءها على هذا الهجوم؟"، يبدو أن الولايات المتحدة قد فكرت ودعمت دفاعاتها ضد الأعمال الإيرانية المحتملة، والهجمات على القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، ومنع الشحن عبر الخليج ومضيق هرمز، وهجمات وكلائها في إيران وسورية ولبنان واليمن على الولايات المتحدة وعلى حلفائنا وشركائنا.

صرح مسؤول مخابرات بريطاني سابق بأنه أقل يقينًا من أنه يمكن إدارة عواقب ذلك، فقاسم سليماني كان من كبار رجال الدين الشيعة، وهو الشخص الأكثر أهمية للزعيم الأعلى، وسيتم الانتقام لموته، وهذا أمر مؤكد.

لا نعرف هنا ما سيحدث، هذه لحظة حاسمة في الشرق الأوسط، بطريقة أو بأخرى.

 

_____________________

المصدر: "The Guardian".

عدد المشاهدات 4767

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top